أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / لماذا نحن متخلفون؟

لماذا نحن متخلفون؟

untitled-1

بقلم : م. محمد صالح

أن تبقى في محلك أو تتباطأ في السير نحو هدف هو تخلّف، ويصبح هدفك اللحاق بالركب هو تطلّع نحو التقدم؛ أن لا تعرف الطريق للوصول للهدف هو جهل، أن تضع لك طريق ومنهج للوصول إلى الهدف فتلك محاولة جادة للحركة، وأن يقال لك هذا الطريق خطأ بالبراهين وتصر على طريقك المقلوب فهذه جهالة أي انحراف فكري وانحدار حضاري مرافق لتخلّفك عن مسيرة الآخرين نحو التقدّم ( المدنية ). وبمرور الزمن تحصل تنمية للتخلّف وعندما تقاد هذه العملية أيدلوجيا” عندها نصبح أمام منظومة هي (منظومة تنمية التخلّف) في البداية كانت هنالك مدخلات لهذه المنظومة مختلطة ولكن كانت مخرجاتها تخلّف وفاعليتها مع البيئة كانت تواجه نوع من التحديات العاطفية الغارقة في الجهل …. وهكذا اختفت التحديات لتصبح المنظومة بكاملهاــ مدخلاتها كفاءتها مخرجاتها فاعليتها بيئتها ـــ تشكّل حالة التخلّف التي نحن فيها، إذن التخلّف عندنا هو عدم إدراكنا كم التخلّف الذي نحن فيه من( الطريق، أسلوب التفكير؛ ردود الأفعال، الأفعال). هو حالة الإنحدار الحضاري في البيئة ومنظومتها، هو التأخر المدني، وما يعنيه هذا من تفاصيل تغطي مناحي الحياة ونواحيها. والآن نسأل لماذا نحن متخلّفون؟!

هنالك نوعان من التخلّف نحن في مستوياتها، هما التخلّف بسبب الإنحدار الحضاري والتخلف المدني.

أولاً :التخلّف بسبب الإنحدار الحضاري:

حينما تخرج عن أركان الحضارة تدخل في حظيرة التخلّف، فعندما تحوّلت الخلافة إلى ملك عضوض ذهبت ولاية الأمة ودخلت عناصر الظلم واغتصاب الحقوق والشعور بالغبن ظهرت حركات يؤيدها العجز والحيرة .

لم تكن هذه الحركات إلا آراء متباينة فاحتاجت لدعم فكري ،  والدعم الفكري قد يكون رأيا” مؤصلا” أو اختلاقا”؛ ولعوامل الضعف وانتشار الهوى ومحاولة تكييف الأحكام لتبرير الجور في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ؛ولخوف الأمة من الفتنة جعلها تتجه للفتنة المؤصلّة على أحكام تاريخية كالتي نعيش فيها.

لذا كان ضروريا” التوقف والقول بضرورة الاعتراف بتخلّف المسلمون والإسلاميون؛ والفصل بين أهمية السيرة النبوية في التشريع وعدم أهمية التاريخ ،  بل الدعوة للتوقف عن اعتبار أحداث التاريخ والصفحات السوداء فيه كأحكام يستنبط منها الأحكام الشرعية التي يراد بناء الواقع الإسلامي الجديد عليها ، لأن هذا يعني إعادة تغذية منظومة تنمية التخلّف بطريقة محبطة قد تؤثر على استقرار العالم كلّه .

إن كل التخلّف في القيم وتطبيقها والمفاهيم واضطرابها وتبني مفاهيم وخلع أخرى، وسبات فكري أو جنوح في طرق التفكير المغالاة واعتزال الناس….الخ في حقيقتها نتائج  لهذا الإنحدار الحضاري الذي اضعف ارتباط الأمة بالسبب الذي جعل منها أمة فاعلة، أما الإحتلال وتمزق الأمة وغير ذلك من أمور يمكن سردها في هذا المجال فهي محض إسقاط لهذا الانحدار الحضاري على ارض الواقع وحتمية تغلّب الهوية البديلة عند فقدان الهوية. ويمكن قراءة ظواهر باعتبارها نتائج وفي ذات الوقت كعوامل قامت على مدى التاريخ القريب بإعادة تغذية منظومة تنمية التخلف وبشكل مستمر ومنها:

1ـ أساليب التربية:

نلاحظ أن الأمة قد سلبت منها إمكانية التعمق الهادئ بحكم التطبيقات الاستعمارية وضغوط الصنائع التي هي أشد  بأساً وقهراً ، ونرى ما يدعو للتساؤل:

لماذا يسارع الكثرة من الناس وبجهد مبذول ومشقة وراء ما يظنون أن فيه نفع مادي لهم ــ وقد لا يكون أكثر من دعاية مضللة ــ بينما لا يكادون يحرّكون أنفسهم للبحث عن الحقيقة والتخلّص من التشويش، وهذا ما يعزى لوصف ( الضياع ؛الغفلة،الجهل) وهذه إنما هي نتائج .

أما  المسببات فهي دخول بعض الانطباعات إلى العادات وتدخل في طباع الناس مع التقادم بسبب أسلوب التربية الذي يقدّم نتائج مستخلصة قد تكون صحيحة أو مخطوءة دونما نقاش لأنها لقنت لفارضها دون نقاش أو شروح وينقلها حسب فهمه لها؛ وهذا نتيجة لظروف الإرعاب التي ولدت الحاجة لإملاء المعلومات بحكم السريّة في التعبير عن المشاعر الحقيقية التي عاشت وما زالت.

2- الجهل المجهول:

هذا النوع من الجهل سببه المعرفة البسيطة التي يرى صاحبها أنه قد أدرك بها عنان السماء، أو الفهم الناقص للمفاهيم والمولد لعقلية ناقصة ونفسية مشوهة ووصول هذا النوع من الناس لإحساس الوكالة بفهمهم الناقص لمفاهيم أساسية في الإسلام مع جهلهم بفقه الواقع.

3ـ المخاض الصعب للخروج من العبودية:

تمر الأمة بمرحلة يسميها المفكرون بالصحوة، والحقيقة أنه ليست صحوة وإنما هي تشخيص للمشاكل وتوجه نحو الحل، فترى الناس يطربون لكلام الدعاة ويمتدحونهم ولكنهم ليسوا على استعداد لحمايتهم،بل في أفضل الحالات سيقفون موقف المتفرّج عند إدانة أحد الدعاة ما لم ينظموا إلى قائمة الشاكّين بمصداقيتهم، وما ينطبق على هذه الأمة هو وضع بني إسرائيل أثناء دعوة موسى(ص) وبعد الخروج من التذمر جرّاء أي خوف أو توقع لأذى؛ والبحث عن صنم للعبادة فتراهم يعارضون إزالة آثار استعبادهم وقد كانوا يكرهونها بالأمس ؛ وهذا نوع من مقاومة إعادة التنظيم في أية منظومة .

ثانياً : التخلّف بسبب التخلّف المدني:

ليس هنالك علاقة مباشرة بين التطور المدني والرقي الحضاري اللهم إلا من حيث توجهات المدنية وتسخير مخرجات منظوماتها،وكان التخلّف المدني واضحاً  لفترة طويلة في الدولة  العثمانية نتيجة اهتمام الدولة العثمانية بالتوسّع وجعل أولويته مهيمنة خصوصاً في حكم وراثي لا يتطوّر فيه برنامج ولا خطاب، فلم تبن أسس وقواعد للمدنية الحديثة ، وباحتلال بلاد المسلمين وإكمال تجزئتها هيأ المحتل هذه البلاد لتكون مستهلكة.

وعندما نهضت الثورات كانت ثورات ليس لها برامج كاملة وإنما تنطلق من توجه معارض وتشخيص سطحي ووضع حلول بلا بدائل لكونها حلولاً غير مدروسة لأن الجائع يتصور أن مشكلة العالم هي رغيف الخبز بتعميم رهيب ويأتي لينفذ خطته ليكتشف انه دمر الكثير ولم يوفر رغيف الخبز فيقضي الوقت المتبقي قبل إزاحته من ثائر آخر لا تدري ما وجهة نظره وهو يقمع ويقتل ويهتم بتثبيت ملكه ويحتج انه فشل في تحقيق ( برامجه ومخططاته الطموحة) لأن الإمبريالية والصهيونية تتآمر عليه لإزاحته لأنه خطر عليها،وبهذا الهذيان كانت منظومة تنمية التخلف قد ازدادت فاعلية ورسّخت التخلّف في بيئتها، إنها الجاهلية المعتقدة بهذيانها دون دليل.

ليس هنالك من تطوّر مدني بلا استقرار ،وبلادنا غير مستقرة  لعدة أسباب منها:

1ـ أطماع الدول الخارجية.

2ـ تعدد المراجع الفكرية وصراعاتها على السلطة

وهذا ليس تعدد رأي وإنما تعدد مرجعية فتعدد الرأي ضمن دولة كالحزب الديمقراطي والجمهوري أو العمّال والمحافظين حيث تختلف هذه الأحزاب في برامجها كعلاج وليس في المبدأ الأساس فلن يقبل بالشيوعية الماركسية أو اللينية أو الماوية كحزب في هذه البلدان بينما عندنا كل أفكار العالم وتجاربه النظرية ولا يحارب من الجميع مثل حضارة الأمة جهلاً .

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

4 تعليقات

  1. دنيا عبد الحليم

    أأأأأأأأأأااه..
    بالفعل..وكانك يا استاذي الفاضل دخلت الى مخيلتي وفكري..وقلت ما كان يشغل بالي دوما…
    مقال مميز وبصراحة من اجمل ما قرأت..
    شكرا جزيلا.

  2. بالتأكيد هوضمن مايفكر كل كتفكر واع لامر امته …بارك الله فيك

    حين نسأل لماذا، فاننا نتحدث عن الفكر والتفكر وعن الحيثيات وتحليلها…يعني عملية فكرية، تبقى الكيفية والتي هي الوسائل والآليات، وهذه تتفرع الى فرعين:
    الوسائل في يقظة الفكر والتوجه نحو استنباط الجديد منطلقين من النظرة الشاملة للفكر وتفاعل فقه الواقع معها.
    والآليات التي لانفكر باللحاق بالاخرين وانما كيف نكون فاعلين في اعطاء تراكم او تجمع الجهد البشري توصيفا كقيمة متفاعلة مع الحياة وكيف نكون نهرا يصب او ينبوع بداية في هذا التجمع البشري ، ثم نجعل الهوية الفكرية توجه هذا الجهد ليكون في مصلحة الانسان وليس كالروبوت الذي فلت من السيطرة فيحطم ما امامه مثل الذي يحصل حينما جندت العقول للغرائز وما توحي به سواء بالهيمنة للدول الكبرى او بما يضيع الانسان كقيمة في عامة البشرية
    الله نسأل العفو والعافية

  3. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
    نشكر الأستاذ الفاضل على مداخلته، ونضيف عليها أن التخلف الذي نعيش فيه قادم أساسا من تخلف أفراد المجتمع، إن افتقارنا لمعنى الوعي، والقيم الأخلاقية، والحوار البناء، والإعتراف بالأنا الغيرية هو الذي عجل باضحملال أفكارنا ناهيك عن انسلاخنا من هويتنا وفتور شخصيتنا.
    إن السبيل إلى الرقي يبدأ من وعي الشباب بواقعهم، وعي يكون معه اليقين المطلق أن بناء الشخصية الذاتية بأفكارها وردود أفعالها البناءة ، إن الرقي يكون بتفاعل أمرين، الحوار والديالكتيك ، فبهما نصحح معتقداتنا وأحكامنا.

  4. توصيف جميل ومن خلال نظرة ذات بعد لكني أتوقف عند كلمة ( ديالكتيك ) للتوضيح فحسب….فهمتها بأنها المراد من اصطلاح هيجل عل ( حركة تطور الفكر ) وليس المراد الذي عناه ماركس مثلا او المعنى المترجم الذي كان يقول فيه الفلاسفة القدماء، ولقد دلت وشملت كلمة (الحوار) على ما اراد وقال به امام الحرمين الجويني، بيد ان ملاحظة لابد ان تذكر هنا..
    الفكر الاسلامي فكر حضاري، وهو فكر يقبل التوسع، والتوسع ثبات للحياة وقيادتها واحتواء للتراث، أي بقاء الثوابت وتوسع الحلول بفقه الواقع، ونحن من ضيق على أنفسنا حين جعلنا من إجتهادات البشر ثوابت، وهي حلول أفادت وأدت لمشاكل عصر آخر، لكنها اليوم قد لاتكون بذات الكمال في حل المشاكل. لكنه لايلغيها لان البشر على مستويات وظروف متباينة فهي حلول لحالات،وهذه ميزة في كون الاسلام فكر حضاري يرتكز على جذر التوحيد، أما لماذا هو توسع وليس ديالكتيكيا، فلأن التطور صفة للمدنية وليس للحضارة، فالمدنية تتطور، والتطور تعبير عن التغيير التام في الغاية، أما التوسع فهو احتواء، كما اللحاء في الشجرة، مدنية القرن الاول الميلادي مثلا هي لاتشبه مدنية القرن السابع عشر، وهذه لاتشبه مدنية العصر الحالي، رغم انها تراكم على بعضها للجهد البشري، فهي متغيرة تماما، أما الاسلام فهو الاسلام بثوابته لكن معالجاته تختلف من زمان لزمان ومن مكان لمكان وهذا مفهوم عند الشافعي على سبيل المثال لا الحصر لكن المشكلة اننا لانفهم فهم الشافعي رضي الله عن أمة المسلمين العاملين، فهي فينا كما قلت، ولكي تقاد المدنية بشكل صحيح فلابد أن نحول مسار منظومة تنمية التخلف ليحل مسار النهضة، بفقه الواقع واتباع سنن الكون…. شكرا لك لاضافتك المستنيرة التي ولدت اضافتي هذه مع تقديري وامتناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*