banner ad

والحر يأبى القيد

2

أروى الطويل – يقظة فكر

يقول الكواكبي في كتابه ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ” عما يدفع الشعوب للثورة ، وعدها في ثمانية أسباب أساسية وكان من بينها ” إهانة الدين واستهزاء بالمشاعر الدينية ” ، أي أن الشعوب تثور حين تدنس مقدساتها أو تهان محرماتها ، أو تنتهك سواء كان ذلك الانتهاك شكليا ً أو كان الانتهاك عمليا بدخول مكان ما وتدنيسه ..

الكلام السابق هو أساس ثابت في الشعوب جميعا ً ، حتى لو كانت هذه الشعوب بدائية ، لأن خصلة الثورة علي انتهاك المقدسات هي خصلة فطرية ، فطر الله الإنسان عليها ، مهما اختلفت مدنيته وحضارته ، فالهندوس يثورون مثلا لما تنتهك ” البقرة ” لأنها مقدسة لديهم ..وفي الغرب قد يثورون لانتهاك ” قيمة ” ” مقدسة ” مثل أن يعين مسئول ابنه في وظيفة ، أما الشعوب المسلمة فثورتها تكون عند انتهاك مقدس ” ديني ” أو تدنيس أي شيء يدخل في نطاق العرض والشرف ..

ولهذا عندما جاءت رسالة المسلمة من أرض الأقصى تخاطب فيها صلاح الدين قائله

يا أيها البطل الذي لمعالم الصلبان نكس

جاءت إليك رسالة تشكوا من البيت المقدس

كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس

لم يعتبرها صلاح الدين رسالة شعرية ، بل واجب ومهمة وثورة ، أن يحرر بيت المقدس ، ولم يكن صلاح الدين وحده ، فصلاح الدين فرد ، كانت أمة ً تثور للحق ، وتغضب لتدنيس مقدساتها ، كانت أمة ً حيه لها قائد حي ، فأحيت الحق وعاشت بنصر وعز ..

هذه الأمة بثت فيها روح الحياة لأنها كانت تعرف من هي ، هي أمة ٌ مسلمة ، لها هوية ، وثقافة ، ومن ثقافتها أنها لا تقبل بظلم ومن شيمها أنها لا تقبل بضيم ..

أؤلئك قوم فقهوا الإسلام ، فهموه عاشوا به ، ولم يبنى الإسلام إلا على لا اله إلا الله تلك العبارة التي لا تتمكن من قلب مسلم إلا وتجعله عزيزا أبيا لا يخضع إلا لخالقه لا يسير إلا على منهجه الذي رسم له ، كانت أمه تعرف أنها قابلة للريادة والقيادة تثق فيما تملك لا تنبهر لا تخور لا تبني نصرها على ضعف العدو أو قوته ، امة يسري في عروقها دماء العزة وحتى الموت محبب لها ، فأي شيء يهزمها أو يضعف أهلها بعدئذ

اليوم ..لم يثر أحد للحق ..أو لتدنيس مقدس ، سواء كان هذا المقدس هو انتهاك للمسجد الأقصى أو كان هذا المقدس هو دماء الألف ونصف مسلم التي سالت علي أرض غزة ، في الوقت نفسه الذي سالت فيه الخمور في بعض البلاد المسلمة علي أرض الفنادق الفاخرة ذات الخمس والسبع نجوم احتفالا بالكريسماس ..

لم يثر أحد لأنهم اعتادوا الظلم ..ومن يعتد الظلم يعش ” ميتاً ” فيه ” ويموت موتا ” فيه..

من يعتد الظلم يتحول تدريجيا ًإلي شخص لا مقدس لديه ، لأن أقدس شيء ” عند المسلم وهو أن يكون حرا ً من كل قيد إلا عبوديته لله قد انتهكت ..تحول إلي عبد لسلطة ، أو عبد لولد أو لزوجة أو لمال أو لقمة عيش , فيفقد اتجاهه الذي يقوده دوما ً لغاية واحده ، فتتعدد الغايات ، فتخرج المقدسات من نطاق رؤيته وتبتعد عن نظره .

فلما نسوا أن الإله واحد في السماء وأصبح مشتتا بين مال وعيال وسلطان ذاقوا الهوان كأسا بعد كأس ، وما لجرح بميت إيلام

إن انتهك عرضه فلن يشعر ، إن انتهك مقدسه أو حتي هدم …فلن ينتابه الإحساس … تنتهك واحدة تلو الأخرى وهو لا يدري ، لأنها ببساطة تحولت من مقدس عظيم لشيء طبيعي لا حرمة له ولا قدسيه ..وإن شعر أو أحس فهو شعور مؤقت ينتهي بانتهاء الحدث ، فيكون الرد فعل قصير المدى والمفعول ..

ولأنه ” منكم يولي عليكم ” فيكون رد فعل الحكومات كذلك ، فلو رجعنا لردود فعل الحكومات العربية والإسلامية ، نجد أن معظمها لم يصدر أي ردود أفعال ، حتى ” الشجب والاستنكار لم تعد تذكر أو نسمع عنها ..

وعندما يكون الذل سيد قوم ، فالجعجعة وحدها ليست بكافية ليكون حاكمهم خيرا منهم

شارك

التصنيفات: من بحر الحياة

خلاصة RSSالتعليقات: (7)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. محب عبد الرحمن قال:

    مقال رائع وتصميم معبر

    وعندما يكون الذل سيد قوم ، فالجعجعة وحدها ليست بكافية ليكون حاكمهم خيرا منهم.
    نحتاج الى نوع آخر من البشر ومن القاده لهم القدره على تحويل الاحلام والرؤى الى خطط ومشاريع حياه واهداف عظمى.

  2. عماد الدين زنكي قال:

    السلام عليكم

    الأخت الفاضلة كاتبة المقال أشكر حماستك الشديدة , و لكن اعذريني علي ما سأقول , أولا : أبيات الشعر ليست كما ذكرت و لكنهاكما يلي :
    يا أيــها الملك الـذي لمـــعالم الصلبــان نـــكّس

    جـــاءت إليك ظلامةٌ تسعى من البيت المقدس

    كل المساجد طُهِّرت وأنا علــى شـرفي مُنجَّس

    و هي ارسلت من شاب كان قد اسر من دمشق و يمكنك مراجعة الرواية هنا :http://www.alzoghby.com/v_art.php?aid=12

    ثانيا, خطابك يميل للتعميم الشديد المفاني للواقع فمثلا في الفقرة ” اليوم ..لم يثر أحد للحق …..الخ. الفقرة ” من قال انه لم يثر أحد , الم تشاهدي العالم ينتفض من اجل نصرة الانسانية في غزة , الم تسمعي عن قوافل الأمل التي ارسلت من كل أنحاء العالم , الم تسمعي عن شباب و شيوخ ذهبوا الي هناك ليتضامنوا , الم تسمعس او تشاهدي الموفق الرسمي التركي الخ ….. , كل ذلك و أنت تتحدثين عن موت الامة أرجو ان تراجعي مصادرك مرة أخري .

    انا لا أويد موقف لاحكومات العربية الرسمي و لكن انت تتحدثين انهم لم يفعلوا شئ و انا اقول انهم فعلوا شئ فقد عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب و رفع تقرير لمجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة , و قد له جلسة طارئة في الجمعة الموافق 16-10-2009

    أختي الفاضلة اتمني ان تبتعدي عن التعميمات و ان تراجعي الوقائع

    ارجو من الادارة ان تقيم محتوي المواضيع المنشورة

  3. يقظة فكر قال:

    الأخ محب عبد الرحمن جزاكم الله خيراً

    الأخ عماد الدين زنكي .. بوركتم على تعلقيكم وملاحظاتكم التي تنم عن ثقافة واسعة ..

    الإدارة ليس من حقها تعديل المقالات المرسلة إليها إلا إذا كان مضمونها يختلف مع أهداف الموقع إختلافاً جوهرياً ..

    ليس معنى هذا أن كل ما يُنشر هنا هو تحت مسئولية الموقع ،وإنما يعبر عن وجهة نظر كاتبه ، وخاصة هذا الباب (حدث ووجهة نظر ) ..

    نترك المجال للكاتبة للرد على رأيكم ومناقشاتكم فيه ..

    وجزاكم الله خيراً مرة أخرى على اهتمامكم ..

  4. عماد الدين زنكي قال:

    السلام عليكم

    ادارة الموقع الكريمة , نشكركم علي سرعة الرد , و الله أسأل ان يلهمكم الإخلاص و وضوح المقصد , و واقعية الادوات , فهو نعم المولي و نعم النصير .

    و في إنتظار رد الأخت الفاضلة كاتبة الموضوع.

    و السلام ختام

  5. الأخ الفاضل ، عماد الدين زنكي ..
    جزاكم الله خيرا علي ردك ..
    في البداية لا ضير من إختلاف الأبيات الشعرية ، فأنا قرأتها في كتاب ونقلتها هكذا ولو بحثت علي الإنترنت لوجدت نفس النص الذي كتبته ، ولا ضير في الإختلاف فهو مجرد نص شعري ليس بحديث ولا قرآن .. :)

    بالنسبة للتعميم ..
    أخي الفاضل ..
    لما قلت ” لم يثر أحد للحق …إلخ ” قصدت بها الفعل ..وليس رد الفعل ..
    وحتي رد الفعل ، كان ضعيفا ً ..
    ياأخي هي 1500 كعبة هدمت …ياأخي هي 1500 روح زهقت ، هل تتحدث عن المظاهرات ..
    المظاهرات نعم مهمة لإظهار الغضب ، ولكن خبرني عما يستفيده طفل فقد أهله جميعا في قصف جوي ….وخرج له ” مليون ” شخص يهتفون ” أن تسقط إسرائيل ” ..
    يهتفون ، ثم يذهبون لبيوتهم وقد نفضوا عنهم الشعور بالذنب ..
    والحمد لله
    انتهي الامر ..

    وانا لما قلت موت الأمة …فأمة الإسلام لا تموت ولكنها تهون ..ولأن ” عيب الكبير كبير ”
    فهوانها هو موت ..
    وتخلفها عن الركب ” كبيرة ” وإن كانت مع أمم كثيرة ..
    نحن أمة إرتضى لها الله الإسلام دينا ..
    فهل نرضي لأنفسنا الهوان ؟؟
    جزاكم الله خيرا مرة أخري :)

  6. عماد الدين زنكي قال:

    اختي الفاضلة.

    لا استطيع تفسير خطابك سوي بالعاطفية التي تميل لجلد الذات , و ان كنت لا اري منطق لتفسيرك , سوي النواح علي دماء الشهداء , و لو كانت المظاهرات لا تجدي , فالكلام ايضا و اجترار التاريخ لا يجدي , و نسأل الله ان يوفق الجميع الي ما فيه صلاح العباد و العبادة.

  7. محب عبد الرحمن قال:

    :( :(

أضف تعليقك