banner ad

مابين التجديد والإنشقاق

enshqaq2
م . محمد صالح *– يقظة فكر

تمر الأمة بواقع مرير تأسس على تراكم أخطاء سجلها التاريخ بأشكال متعددة وبني على منهج علاج ( أساليب مواجهة ) متخلف ناهيك عن شعب يغلب عليه التمزق يشبه وضعه وضع بني إسرائيل في بداية بعثة موسى صلى الله عليه وسلم من سوء فهم للمهمة وتعلق بالحياة والرغبة بالاستحواذ على أي شيء نتيجة الظلم المضعف للانتماء، وكثرة التذمر دون الاستعداد للقيام بعمل ما ينطوي على مخاطرة، وعبادة غير الله وهم يظنون أنهم لا يشركون .

فعُبد كل شيء من مال وجاه ومنصب فكان الإذعان، وأضحت فاعلية منظومة تنمية التخلف واضحة في بيئة تكامل تخلفها واستقبلت الاحتلال والتمزق والتشرذم وكأنه قدرا مقدورا. بل تفاعلت معه غريزياً باستجابتها ومقاومتها ووفق معان تقليدية.

الحركات في هذا المجتمع إسلامية وغير إسلامية لابد أن تنتبه لهذه المنظومة لأن هذه الحركات في الواقع جزء من هذا المجتمع وبالتالي فهي ناهضة من بيئة تنمية التخلف بغرض التغيير ثم إصلاح الواقع. وإذا لم تعر هذه التنظيمات الاهتمام لهذا الموضوع ستجد نفسها ليست إلا منظمة من منظمات منظومة تنمية التخلف لا غير عندما تتعرض لمرض الجمود الذي هو مرض وظاهرة من مخرجات وفاعلية المنظومة…

فإذا كانت معظم الحركات العلمانية تمثل حالة رفض ورد فعل على مظاهر مشخصة في الواقع، فإن ضحالة الحلول والفهم سيقود هذه الحركات حتى ولو تولت السلطة إلى وضعها موضع العاجزة عن إحداث تقدم حقيقي بل سيكون الفساد في طياتها مانع لديمومة بصيص محتمل من أبناءها .

هذا ليس تحليلا وإنما واقعاً ملموساً على الأرض أدى إلى مزيد من التوسع ممن يوصوفون بالنوع المتحدي للتخلف بطبعه بيد أنه هو الآخر لا يملك حلولاً لما يواجهه من مستجدات فيلجأ للتبرير لأن هدفه لم يعد إصلاح النظام .

وهو الآن النظام وهو لا يختلف في النفسية أو العقلية عنه عملياً وهكذا يصبح منظمة فاعلة وعاملة في منظومة تنمية التخلف ولم يعد في صف التحديات كما ظن البعض، والحقيقة أن هذا النوع من الأحزاب والتنظيمات لا يمثل أي تحد حقيقي لهذه المنظومة، وإنما يمكن أن توصف فعاليات مثل هذه المنظمات كحركة طبيعية داخل المنظومة لفقدان المرتكز الحضاري الجامع واغلبها ترتكز على إسقاط نظري لتاريخ المناطق التي استوردت أفكارها منها أو تشبهت بها بصورة تقليدية مشوهة.

أما الحركات الإسلامية فلم تخض تجربة فعلية في الحكم لكن من الواضح أن مرتكزات تقليدية تتحكم بها ، هذه المرتكزات وجدت في وضع مدني مختلف وعالجته في حينها باجتهاد يقترب أو يبتعد قليلا عن جوهر الفكرة في تفسيره .

هنالك فرق بين السياسة والسياسة الشرعية وبين وضع الأمة في تمكين ووضعها في ضعف واضح مبين، ولكي لا نغادر موضوعنا حول الانشقاق والتجديد نضع النقاط التالية:

• هل الحركات الإسلامية حركات تربوية أم سياسية؟

• هل التجديد يمثل تحدي لمنظومة الإصلاح أو التغيير؟

• هل الانشقاق مضر للحركة الإسلامية؟

هل الحركات الإسلامية حركات تربوية أم سياسية؟

الأصح في التعريف أن الحركة الإسلامية هي حركة حضارية (فكرية ) ومدنية (تراكم الجهد البشري في السياسة والعلوم وما ينتج عنها)، والإسلام كفكر منطلق من إرادة الله (إني جاعل في الأرض خليفة) فهذا يوجهها للحالة المدنية ليس ككماليات وإنما كواجب وآليات لاعمار الأرض وخلافتها.

إذن لابد لهذه الحركات أن تكون لها من التفاصيل ما تقود به المدنية وليس الطموح بمواكبتها أو التمثل بها. هنالك دوما قول يردده من يحاول أن يخلق تقاربا في تعبيره عن المدنية (أن نأخذ من الغرب ما يوافق قيمنا ونهمل ما لا يوافق قيمنا…. أن ننقي الحضارة ….الخ ـــ وهم يعنون المدنية ــــ…)نحو ذلك ….

والحقيقة أن هذا القول نابع عن ضبابية ناتجة عن عدم الفصل والتفريق بين مفهوم الحضارة والمدنية، ومن ناحية أخرى التحسب الشديد لدى الحركات لكونها مطاردة ومقموعة.

لهذا فعملية استجابتها لضرورة التوسع الفكري الحضاري بالاجتهاد وضرورة التطور المدني وآلياته في توجيه الحركة لم تكونا واضحتين بل انتقل بها للتجاوب مع ما ترسخ عتد الشارع أو المواطن البسيط من خلال تغذية النظم له بمخاوفها ومبررات عجزها وفشلها .

وهذا يؤدي لجمود الحركة وتقييدها بإرهاصات الفشل للنظم التي تقاومها وتبغي تغييرها….وما ذكرته هنا مثالا فقط لحالات متعددة، مثلا اعتمادها الوصاية نتيجة التسرب ففضلت المتلقي على المستفهم وبالتالي قيادة المتلقي للحركة وهو ما يوصلها للاجترار والجمود وهذا يجعل المجددين في حيرة…

هل التجديد يمثل تحدي لمنظومة الإصلاح أو التغيير؟

من المؤكد أن التجديد بحد ذاته يمثل تحديا، بيد أنّ هذا التحدي ممكن أن يكون كحالة سلبية على المنظومة عندما لا تضع المنظومة في منهجها برنامج التطوير والتنمية أو حالة ايجابية مؤشر على نجاح المنظومة وكفاءتها وفاعلية مخرجاتها . وهذا يعني أنّ التحليل وقراءة الواقع تتم بعقلانية .

ومثل هذه المنظومة تبقى تتجدد ما دامت لا تميل إلى الاسترخاء أو تصاب بالبيروقراطية أو الإحساس بأن الذي في القيادة لا يحتاج من القاعدة سوى السمع والطاعة ، وهذا الأمر يحدث  عندما تغفل المنظومة السياسية  تثقيف أبناءها وتدريبهم على التفكّر والتفكير والتحليل واستخلاص النتائج، ومع الزمن سنجد أن الطرح في الأفكار المتجه نحو القيادة سيقل كما ويتحسن كقيمة علمية واصلاحية من ذات الناس الفاعلين، لكن توقف هذا الرافد عن العطاء والتطور سيؤشر على ظاهرة سلبية.

والتجديد لابد أن يكون من القاعدة هذه، فنرى أن هنالك حماس لخدمة الانتماء الحركي لابد وأن ينظر إليه على وجهه الايجابي وهذا الحماس سيكون متواضعا في مضمونه بيد أنه يتطور ويتسع مع اهتمام القيادات به ومناقشته وتحليليه، وهذه المقترحات ستواجه حتما إحدى حالات ثلاث:

1ـ الاستجابة لها ومناقشتها ومحاولة توسيعها: هذا سيؤدي إلى أمرين.

الأول أن التطوير عند القاعدة يراوح محله ويزداد التمسك بأفكار ربما هي سطحية وغير ناضجة للإحساس بالإهمال وتعاظم الفكرة في فراغ،والثاني ضعف التواصل بين القاعدة والقيادة والميل نحو الانفصال.

2ـ عدم الاستجابة: وهذا يأتي إما من ضعف القيادة في احتواء القاعدة والاستخفاف أو أن القيادة تنحصر في جانب معين أو جوانب لا تتناسب والمرحلة التي تمر بها المنظومة، أو هو تعود انتظار الفعل ثم البحث عن الرد على هذا الفعل.

3ـ إهمال متكرر واعتبار مثل هذا الطرح تجاوز على صلاحيات القيادة، وهذا واضح في التنظيمات العلمانية لكنه مخفي في التنظيمات الإسلامية، فالشورى وهي مفهوم إسلامي يعتبر مهيمن في مسار اتخاذ القرار وليس الرأي بما اتخذ من قرار الأمر مختلف جدا وفهم ملوي للشورى وهذا من معالم منظومة تنمية التخلف وتأثيرها على منظومة النهضة.

هنا يتحول التجديد إلى انشقاق.

يخلق ضبابية التفكير واليأس والإحباط، فيجري التمرد كفعل منظور، ثم الظهور كفكرة منفردة .

فما هو التقييم للمنظومة الأم؟

فلقد تعدت منظومة الحركة الإسلامية مرحلة التثقيف ولم تثقف بشكل صحيح ودخلت مرحلة المواجهة ولم تستعد لها، لكنها ما زالت منظومات قد تكون مفيدة جدا إذا ما اقتنعت بضرورة إعادة التنظيم وليس المحافظة على هيكله وشكله الخارجي لأن التنظيم وسيلة مدنية تتغير في تصميمها البنيوي مع الوقت أما محتواها العام فهو متسع حضاريا متطور مدنيا، فيما يتعلق بالتنظيمات الإسلامية التي تكاد تتجه نحو سطحية التنظيمات العلمانية… أما التنظيمات العلمانية فتعاني من ذلك بشكل أسوأ فهي عند العمل تنشطر لعدة أفراد، ارتباطها بالجمهور مع ازدياد وعيه وثقافته يضمحل لأنها ترتكز على أفكار وتفسيرات مستوردة وكلام لا تطبقه هي واقعا.

يبقى سؤال هل الانشقاق مضر للحركة الإسلامية: نفرق للحظة بين التجديد والانشقاق:

التجديد حركة طبيعية وصحية ينبغي حسابها.

أما الانشقاق فهو ضعف وفقدان بل تحول للطاقات المفيدة إلى طاقات تصب في منظومة تنمية التخلف .

explain

—————————————–

* (هذا رأيي وهو مردود عليه وانا اقبل تخطيئه كما اظنه اليوم صواب)

شارك

اقرأ أيضا:

  1. مدخل مقاصدي للاجتهاد.. التجديد في تصور المقاصد الشرعية
  2. هل حقق التجديد الإسلامي أغراضه؟
  3. إشكالية الديمقراطية ومنهج العرب

التصنيفات: مختارات

خلاصة RSSالتعليقات: (6)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. Smaher Khamis قال:

    مقال جرئ يناقش قضية هامة ، وربما تجعلنا نعيد السؤال الذي سينظم مسألة التجديد أو الإنشقاق وهي تعريف الحركة التي تقود إلى النهضة ، وهل هي حركة أم مجموعة حركات منفصلة كلٌ يؤدي دوره ، وهل الإنشقاق على إطلاقه ضعف وهوان ..?

    شكراً لكاتب المقال

  2. محمدصالح قال:

    اشكرك الشكر الجزيل على هذا التساؤل البليغ فعلا، والذي جوابه في الحقيقة ضمن عدد من الفصول في كتاب (النظريات السياسية في الاسلام) والذي ان شاء الله تعالى ينزل هنا قريبا وفي موقع آخر ، الذي ينظم مسألة التجديد والانشقاق عوامل عدة اهمها ان التجديد ضمن فكر واضح المعالم كالاسلام عادة مايكون في العوامل المدنية ،اعني الآليات ، ولكون التفريق بين الحضارة والمدنية لم ينتشر لحد الآن فغالبا ما يحاول المجدد عند مرحلة ما ان يؤصل فكريا لرأيه وربما يحاول تفنيد الرأي الذي غادره فيكون منشقا،وعادة ما يكون التجديد في آلية او آلييتين وهو ما لاتقام عليه فكرة وانما يضعف الصبر تجاه الممانعة الطبيعية في أي منظومة انما تكون في بعضها مبالغ بها لدرجة التحجر، اذا ما اقيمت دولة الاسلام فالحاكمية ستكون حتما للشريعة في الاجتهاد والقياس الفكري، تبقى ولاية الامة والرأي في الامور المدنية وهذه تعني ان هنالك احزاب سياسية ومنظمات اجتماعية ولكن ليس كماهي الان منظمات المجتمع المدني بالضبط وانما تقوم على اساس العدل والتوازن وليس الاستقطاب، ومن الطبيعي ان توجد رؤى متباينة وليس من الطبيعي ان يكون رأيا واحدا لذا فالامة ستختار من يحكمها وفق برنامجه لقيادة الجانب التنفيدي وتسري سنن الكون على الاحزاب استمرارا او انحسارا، ليس هنالك قدسية وغموض، وكل امر مدني يناقش والحوار ليس بالنصوص فلا خلاف فكري يوجب هذا في عصرنا الذي به وسائل كثر لمن اراد ان تكون له مصداقية واخلص النية وهذا اختي لايأتي بيوم وليلة انما هويخضع لقاعدة التغيير في القرآن . لاتوجد احكام تعميمية مطلقة فالتجديد هو ضمن الفكر الواحد اما الانشقاق فهو نوع من الانقلاب او الثورة تختلف في صفتها فالمصلحون غالبا ما يكونون منشقين على واقع كانوا متعايشين معه، لكن الفرق السياسية تنشق فقط نتيجة سوء الفهم ووضوح الفكرة ان كانت محتفظة بذات الفكر وفقط حينما تخلط بين الثوابت والمتغيرات وتبدأ بالتأصيل والتبرير للانشقاق. بقيت من هي الحركة التي تقود الى النهضة، الحقيقة وفق القاعدة ان من يحكم على هذا هي الامة وتكيفها لذاتها وفهمها لفكرها، النهضة عندنا لاتعني ما تعنيه في الغرب من معنى التنمية، بل هي حركة على الجانبين الحضاري والمدني بارك الله فيك واشكرك مرة اخرى

  3. احمد نور قال:

    بارك الله فيك يا بشمهندس
    اسلوبك ابهرنى وعرضك راقى

    لكن عندى سؤال؟
    اى فرد يعمل للاسلام من خلال اى حركة يعى جيدا ما تقول
    ولكن هل يمكن ان نرى ذلك فى ارض الواقع؟

    نفع الله بك وجزاك الله خيرا

  4. محمدصالح قال:

    بارك الله بك ونفع الامة بشبابها امثالكم
    نعم ممكن على ارض الواقع ولكن علينا ان نميز بين حالتين لم يك عرضهما واضحا في تعقيبي السابق
    الحالة الاولى هي اثناء العمل لتحقيق الدولة، وهنا عادة ما يكون التجديد يؤدي لانشقاق قد لايبرز في الجيل الاول بوضوح ولكنه مع محاولة التأصيل والتقليد للمجد وضعف القراءة لافكاره والتي يمكن ان تعود للام اذا ما قرأت بشكل صحيح، نجد تأطيرا وتمييزا للانشقاق والتبللور ككيان ربما يحكم على دعوته الواقع رغم انه لايخلوا من افكار مفيدة وريادية، واما التعدد في اثناء الحكم فهو تعدد في الرؤية المدنية ولا يؤطر فكريا وانما من خلال النظرة للحاجات ، كأن يظن البعض ان اقامة المشاريع الصناعية اولى ويظن الاخر ان اقامة المشاريع الزراعية اولى، ومنهم من يرى تكليف الدولة بهذا وذاك…وهذا تبسيط في الحقيقة غايته ضرب المثل لكن الكل سيتعاون لتنفيدما تختاره الامة التي هي من تملك الولاية وتقرر من يحكم، ارجوا ان اكون قد اوضحت بارك الله فيكم وجعل الفردوس مثوانا جميعا

  5. Tarek قال:

    جزاكم الله خيرا على هذا الطرح البديع مع أخذى عليه صعوبة الطرح بعض الشىء و صعوبة الألفاظ
    ثانيا :
    فهمت من المقال أنه عند طرح الأفكار من القاعدة للتجديد فهى حتما ستواجه ثلاث احتمالات كلها سلبية .
    اذن فما هو المخرج
    وجزيت خيرا اخى الكريم

  6. محمدصالح قال:

    بوركت اخ طارق وحللت محلا طيبا مباركا ان شاء الله تعالى
    أما الحل فهو ليس واحدا لكن لابد من الفهم اولا لفقه الاختلاف والتباين والتوجهات فلم تعد كلمة واحدة تكفي، ان والحلول عدة
    1ـ ذكرت في الفقرة الاخيرة اهادة التنظيم لاية جماعة اسلامية او غير اسلامية فالمنظومات تعيد تنظيمها كل فترة كمسألة من ضمن شروط تحسين كفاءتها لمواجهة الواقع حتى المنظومات الصناعية والتجارية ، وكما ذكرت ان التنظيم الحركي هو امر مدني ومنظومةمدنية لذا فليس اعادة التنظيم تعني شيئا مشينا وانما تعبير عن التجدد
    2ـ ان يكون امرا عرفيا بأن الضيق في المكان يتطلب الانتشار والا هذا البشر في الكرة الارضية والذين اتوا من نفس واحدة هل اتوا وتكاثروا واستقروا في مكان واحد، كذلك الافكار ممكن ان تنتشر دون قطيعة ومفاصلة وتمد اذرعها ومن ينجح تتحول الكلية عنده.او يعود لاخوانه دون حاجة لتبرير
    3ـ ان يتعاون الجميع لاقناع من بيده القرار على محاورة الافكار ويراعي صاحب الفكرة ان يفقه الواقع ويلم بالظرف
    التجديد كما قال لي احد الاخوة من المفكرين ان التجديد لايمكن ان يغلق بابه الا اذا كان مطلوبا من الحكومة….وكما ترى اخ طارق فليس في الحركات حكومة فهنالك طرق ممكن ان تجدها انت وممكن ان يجدها من يفكر في واقعه فليس من كامل بين الناس لايحتاج احد وهو مصدر الفكر الاوحد لهذا تجد هنا موقع يقظة فكر لكل الشباب بل لكل الناس ارجو ان اكون وضعت الخطوط او ملمح من ملامح الوصول الى اجابة شافية بارك الله فيكم

أضف تعليقك