banner ad

المساحة المفقودة

كتب : د.عمرو عبد الباري – يقظة فكر

3218216-lg

طالعتنا هذه الأيام على الفضائيات وفي الصحف أخبار هذه الحلقة من المسلسل الوحشي لليهود والإعتداءات على مسجدنا الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين .

كما رأينا جهود عديدة قام بها الشباب للتضامن مع الأقصى المسجد العريق الذي يمثل طيفاً وضًاءً ونبراساً من نور الماضي وروحاً حقيقية من أرواح الهوية الإسلامية في هذا الزمن .

وهنا كانت الوقفة وكان النظر ودارت رحى التأمل حول حقيقة هذه الآليات التي نتعامل بها مع قضية فلسطين وهذا السلوك الذي يسلكه جموع الشباب والناشطون تجاه هذه القضية .

لا شك أن الأحداث المتسارعة في هذا الشأن تُمثل مادة مناسبة وبيئة خصبة ومناخاً ملائماً للتعبئة العاطفية والإثارة النفسية فما إن نخرج من مذبحة حتى تلاقينا أخرى ، وما إن نفيق من طعنة حتى تداهمنا أخرى وهكذا تتتابع النوائب والطعنات ونحن نلقاها دائماً بسيل من الحملات والثورات التي تكون جل ما تكون رد فعل لهذه الجرئم …

فإلى متى سنظل على هذه الوتيرة من الثورات وردود الافعال تجاه هذه الجرائم ؟ والتي بدأت منذ إعلان دولة اسرائيل وحتى اليوم متمثلة في هذه الاعتداءات على مقدساتنا ،مروراً بحريق المسجد الأقصى ومجزرة غزة الأخيرة وهذا السجل الدموي الحافل بأنواع الإجرام والبغي ، ولا يزال التفاعل ورد الفعل هو نفسه.

في الحقيقة أرى أن هناك عوامل ثلاثة يعاني منها هذا الجيل وتقف عائقاً أمام أي تحرك إيجابي حقيقي سواء في هذه القضية أو غيرها وتقضي على فاعلية هذه التحركات ..

أول هذه العوائق هو فقدان الثقة بمقومات الحضارة الإسلامية ، ومن ثم عدم التسمك بالهوية الإسلامية والتفريط فيها ، والسعي خلف استيراد أنماط مجمدة ربما لا تناسب طبيعة مجتمعنا ولا ظروفه ؛ أدى ذلك بطبيعة الحال إلى تساقط هذه القيمة الثمينة لرموز هذه الهوية وسهولة التنازل عن مفردات الحقيقة التاريخية والعقائدية ،وأنى لك حين ذلك أن تتحدث عن اعتداء على مقدس إسلامي او تدنيس لحرم مبارك ؟!.

ثاني هذه العوائق هو فقدان العزيمة ، أو إن شئت قل أصبحت العزائم هشة خائرة ، وذلك بسبب فقدان التوتر الداخلي أو الدافع النفسي الذي يحمل على الإنطلاق والثورة ، والذي يعقد عليه مناط الهمة والإنتاج ، فهناك ثقافات الخوف واليأس والانهزامية وغيرها من المشاعر الخبيثة والرسائل المميته التي سكنت النفوس ؛ فجعلت تحركها متباطئاً وهزيلاً وفقد المجموع قدرته على التحرك بما يليق به ، فضلاً عن صناعة الأحداث وتغيير الواقع .

أما الثالثة وربما تكون هي السبب الحقيقي خلف كل هذه المعوقات فهي فقدان القدرة على التفكير، بحيث أصبح الجيل غير قادر على النظر في حياته ، لا يستطيع وضع يده على نقاط القوة والضعف فيها ولا يقدر على تحديد ما يحتاج ومالا يحتاج ، فأتت ممارساته كثيراً ما يشوبها نوع من السطحية والفتور وفقدان الفاعلية الحقيقية ، واقتصر على فعاليات رد الفعل التي تجلب له شعور الرضا عن نفسه وعن مجهوده وتحقق قدرا من التسكين لعواطفه وانفعالاته وانصرف إلى ذلك راضيا مستكينا.

ولذا فإننا نستطيع ان نقول إن هناك مساحة حيوية مفقودة من العمل  لهذه القضية الكبرى وهي مساحة البناء والفكر ، مساحة الإدراك الحقيقي لحقيقة الصراع بيننا وبين اليهود في هذه المعركة الطويلة ، مساحة التربية الفعلية للجيل على الثقة بمفردات حضارته الاسلامية ونبضات تاريخه المشرقة ، ومن ثم التمسك بهذه الهوية أمام طوفان العلمانية والمادية والفساد الفكري ، مساحة التربية الفكرية لهذا الجيل ليصبح قادرا على دراسة واقعه وواقع القضية ، ومن ثم اعتماد أساليب جديدة وفاعلة ومنهجية علمية لحل هذه القضية والتعامل معها من خلال سياسة واضحة مستمرة للتفاعل وبذل الجهد واهتماما لا يفتر بهذه المعركة ، فالقضية واضحة ومفردات الصراع فيها واضحة ، وإن كنا نريد نتائج حقيقية فلتكن جهودا تواجه هذه المخططات بشكل كامل ومتواصل ؛ ووقتها تكون ردات الفعل شيئا طبيعيا ذاتيا لا يحتاج لمجهود إضافي لإثارته أو تعبئة الجماهير وحشدها.

أرجو أن لا يفهم كلامي على أنه رفض لفعاليات المناصرة وصيحات الغضب من أجل مقدساتنا وإخواننا ، ولكنها دعوة لأن تكون اليوم وقفة حقيقة عن واقع القضية من مجتمعاتنا وواقع الادراك العربي والإسلامي لهويته الاسلامية والثقافية ومدى ثقته فيها و تمسكه بها ، حتى نستطيع تحرير هذه العزائم ، وتوجيه الجهود إلى تحقيق انتصارات وإنجازات مستمرة لا تتوقف على جرائم العدو التي لن تنتهي طالما هو موجود في هذه الأرض المباركة .

أدعو الله أن يفك كرب إخواننا ومسجدنا ، وأن تقر أعيننا بتحرير الأرض المقدسة ..

شارك

اقرأ أيضا:

  1. الصورة المفقودة .. !

التصنيفات: من بحر الحياة

خلاصة RSSالتعليقات: (1)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. محب عبد الرحمن قال:

    وذلك بسبب فقدان التوتر الداخلي أو الدافع النفسي الذي يحمل على الإنطلاق والثورة ،

    اعتقد ان هذا هو بيت القصيد فقدان الدافع وحالة التوتر الداخلى التى تجعل من الأحلام حقائق ملموسه على الأرض فى زمن افتقد فيه جيل الشباب القدره على الحلم فضلا عن امكانية التغير

    إن القران الكريم الذى ظل يتنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم 13 عاما فى مكه ما كانت مهمته الا زرع ذلك التوتر الداخلى ونهضة للعقول والقلوب قبل ان تكون تحركات على الارض
    كما اننى من الممكن ان اضيف عاملا اخر ذات اهميه
    الا وهو افتقاد المنهجيه والقدره على البناء
    تحياتى لك د. عمروا

أضف تعليقك