الفن بين الرسالية والأدلجة
يقظة فكر | أكتوبر 29، 2009 | التعليقات: 3
كتب : محمد مصطفى – يقظة فكر
في هذا المقال أتطرق بالحديث حول :
1- ماهية الفن
2- دور الفن فى المجتمع
3- معايير الحكم
4- الرسالية كمعيار
5- أدلجة الفنون
1- ماهية الفن:
حينما أتحدث عن الفن ، فإننى أقصد الفن بمعناه الواسع الذى يشمل أنواعاً كثيرة و متعددة من أشكال الإبداع البشرى.
و على ذلك يمكن أن نعرِّف الفن ؛ بأنه كل إبداع إنسانى يحتاج إلى موهبة خاصة ؛ يتفرد بها الفنان عن غيره من الناس.
و تشترك الفنون جميعاً – بأشكالها المتباينة و المختلفة – فى أنها تعد نتاجاً نهائياً لعملية تفاعلية معقدة تتم بين العقل و الشعور أو الوجدان.
فالوجدان يطلق صافرة بدء الانسياب الفنى ، و العقل – بعد ذلك – يوجه هذا الانسياب و يبلوره فى نموذج فنى معين.
أى أن العمل الفنى الحقيقى و إن كان – بلا شك – يحتاج إلى العقل و التفكير المنطقى لبلورته و اكتماله ؛ إلا أن صاحب اليد العليا – دائما ً- فى الفنون الإبداعية الإنسانية يظل هو وجدان الفنان ، و هذه النقطة تعد فى غاية الأهمية عندما نريد أن نحدد معايير الحكم على العمل الفنى.
2- دور الفن فى المجتمع:
لا خلاف أن الفن الحقيقى يلعب درواً هاماً و فعالاً فى المجتمع ، و لكن الخلاف يظهر و يتضح عندما نتحدث عن ماهيّة و شكل هذا الدور الذى يلعبه الفن فى المجتمع .
فى رأيى ؛ إنّ الفن الحقيقى الصادق هو ذلك الفن الذى يعبر عن مجتمعه ، بأحلامه و واقعه ، بسلبياته و إيجابياته ، بآلامه و آماله ، بخيالاته و نظرياته ، و أظن أن هذا هو الدور الحقيقى الذى يجب أن يعوَّل على الفن ” التعبير الصادق عن المجتمع و الإنسان “ .
أما الأدوار الأخرى ؛ التى يعتقد البعض أنها يجب أن تلقى على عاتق الفن و الفنانين ، كعرض الأطروحات و الايديولوجيات ، أو التعريف بالصواب و الخطأ ، فأنا أرى أن هذه الأدوار – على أهميتها – ليست من أدوار الفن الحقيقية ، و إنما يمكن أن تكون من أدوار الفكر أو الاجتماع أو غيرهما من العلوم الإنسانية النبيلة الأخرى ، أما الفن – بشكله الذى أؤمن به – فلا أظن ذلك .
3- معايير الحكم:
يمكننا من خلال ما سبق أن نقسم معايير الحكم على العمل الفنى إلى قسمين :
أ- معايير شعورية وجدانية :
فى رأيى ،فإن هذه المعايير هى الأهم ، و ذلك لأنه – كما قلنا – أن الوجدان هو صاحب اليد العليا فى إنجاز الأعمال الفنية الحقيقية ، لذلك فإنه من باب أولى أن يكون الحكم على هذه الأعمال مكافئ للشكل الذى أنجزت به.
و يشمل هذا القسم عدة معايير ، تختلف باختلاف كل قالب فنى ، و لكنها تشترك فى ضرورة صدق العاطفة ، و والإتيان بما هو جديد ، و حجم الخطاب الإنسانى و النفسى .
ب- معايير عقلية منطقية:
لا يمكن إغفال هذا القسم أيضاً ، لأن العاطفة الصادقة لا يمكن أن تتبلور فى شكل عمل فنى إلا بالعقل و التفكير المنطقى ، فهذه المعايير هى التى تضمن للقالب الفنى وضوحه و خصوصيته ، كما تحفظه دائماً كنموذج يستطيع الفنان الإبداع من خلاله.
و يشمل هذا القسم عدة معايير ، من أهمها ؛ الحفاظ على قواعد و قوانين هذا الفن ( مثلاً فى الشعر يمكن أن نتحدث عن الوزن و القافية و الأبحر الشعرية ) ، كما يشمل المعايير التى تحددها أعراف المجتمع و عاداته و تقاليده ، و أيضاً الرسالة العقلية التى يريد الفنان إيصالها للمتلقى ” رسالية العمل الفنى “.
4- الرسالية كمعيار:
الرسالية – التى أقصدها – يمكن أن نعبر عنها بالقيم الأخلاقية و الإنسانية التى يريد الفنان إيصالها للمتلقى من خلال العمل الفنى الذى يقدمه ، و كما أشرت سابقاً ؛ فإن هذا المعيار يعتبر واحداً من المعايير العقلية التى يحكم بها على العمل الفنى.
عندما تأخذ الرسالية – كمعيار – هذا الحجم ، فلا تظهر أية إشكالية ، المشكلة الحقيقية تتجلى عندما تأخذ الرسالية حجماً يختلف عن حجمها الحقيقى ، فتظهر عندنا إشكاليتان:
أ- إشكالية فى إنجاز العمل الفنى:
هنا يجعل صاحب هذا العمل اليد العليا لمعيار الرسالية ، و هذا يختلف عن طبيعة الفنون – التى يجب أن تكون اليد العليا فيها لوجدان الفنان كما أشرنا من قبل – فيتعامل مع العمل الفنى ؛ و كأنه بحث يريد إنجازه ، أو خطبة وعظية يريد من خلالها أن يرسخ عدة مبادئ ، وهو ما يحيل هذا العمل الفنى إلى كيان مشوه ، كما أنه يصبح غير صالح لتخويله الدور الحقيقى الذى يلعبه الفن فى المجتمع ، و هو ” التعبير الصادق عن ذلك المجتمع “ ، فهو بذلك ابتعد بالفن عن مساره الصحيح إذ أنه تحول به من التعبير إلى التوجيه.
ب- إشكالية تقييم العمل الفنى:
هذه أيضاً تعتبر إشكالية كبيرة ، إذ أنها تضع فنوناً ذات قيمة فنية عالية ، و ترفع فنوناً أخرى لا قيمة لها .
لا أحد ينكر أن الرسالية معيار هام فى الحكم على الفنون ، و لكنها لها وزن نسبى معين ، فالفنان الذى لا يراعى هذا المعيار ، قد أخطأ ؛ و لكنه خطأ لا يدمر عمله الفنى أبداً ، و هكذا تطبق نفس القاعدة مع العمل الفنى الذى راعى معيار رسالية عمله الفنى ، و أغفل المعايير الأخرى التى تفوق الرسالية فى الأهمية و الفاعلية.
5- أدلجة الفنون:
أقصد بالأدلجة ؛ تحويل العمل الفنى إلى ساحة تتصارع فيه الايديولوجيات الفكرية لتنتصر إيديولوجية معينة فى النهاية.
فى رأيى ؛ هذه جريمة ترتكب فى حق الفن ؛ إذ أنها توكل إليه دوراً ليس من أدواره على الإطلاق ، كما أنها تستخف بعقل المتلقى و تفكيره إلى حد بعيد.
و إذا كنّا قد تحدثنا عن الإشكاليات الناتجة عن إعطاء الرسالية – كمعيار حكم – حجماً يختلف عن حجمها ، فإن هذه الإشكاليات تتضاعف و تتفاقم عند حدوث ما يعرف بأدلجة الفنون ، ذلك لأن الرسالية – أولاً و أخيراً – مبدأ غير مرفوض إنسانياً ، فلا أحد يختلف حول معانى العدل و الحرية و المساواة و الصدق وغيرها من القيم الإنسانية النبيلة ، أما الايديولوجيات المختلفة – و هى فهم هذه القيم بشكل معين و تحويلها إلى منهج فكرى مرجعى – فإن هذه الايديولوجيات لا يتفق عليها إلا أتباعها ، فهى أبداً ليست محل اتفاق إنسانى.
الطامة الكبرى ؛ هى عندما يتم تصنيف الفنون على أساس أيديولوجى ، فنحن هنا لم نعطِ الأيدلوجية – التى هى أصلاً ليست معياراً من معايير الحكم – لم نعطها حجماً أكبر من حجمها فحسب ، و إنما جعلنا التصنيف يتم على أساسها ، فنجد ما يعرف بالأدب الإسلامى و الأدب الاشتراكى و الأدب الليبرالى و غيرها من التقسيمات التى – كما أرى – تستخف بعقل المتلقى و لا تحترم تفكيره
هذه التقسيمات إذا كانت تعبر عن المجتمع من الممكن عدم رفضها ، بمعنى أن يصبح تعريف الأدب الإسلامى محدداً فى ذلك الأدب الذى يعبر عن المنطقة الإسلامية ، مثله مثل الأدب العربى أو الأوروبى ، و كذلك الأدب الإشتراكي بمعنى الأدب الذى يعبر عن المجتمعات الاشتراكية.
كذلك لايمكن رفض ظهور الأيدلوجية فى العمل الفنى ، ذلك أن أيديولوجية و مرجعية الفنان هى مكون أصيل من مكونات شخصيته ، و التى – لا شك – لابد أن تظهر فى عمله الفنى ، بل و تميزه ، فقد أوضحنا أن عملية الإبداع الفنى هى عملية معقدة يتفاعل فيها العقل و الوجدان ، و لكن فى هذه الحالة تظهر الايديولوجيا فى إطار التعبير عن شخصية الفنان كمكون من مكونات شخصيته لا مكون من مكونات العمل الفنى ، و بذلك فنحن لم نخرج بالفن عن دائرته الحقيقية ، و لكن ما هو مرفوض – من وجهة نظري – هو أن يتم تناول هذه الايديولوجيا فى إطار توجيهي يخلو من التعبير الحقيقى الذى يميز الفن و يكسبه روعته.
شاركاقرأ أيضا:
التصنيفات: بوابة يقظة فكر • عينٌ إعلامية • مختارات




ازعم أن الفن للفن والإبداع من اجل الإبداع ( فى حدود وضوابط الأخلاق ) سيحمل فى ثناياه قيمة ” الجمال ” وقيمة ” الإمتاع ” طالما كان مسترسلا ينساب فى رقة وارتياح ، وهما القيمتان الأساس فى جذب الجمهور العريض ، وهما مرتبطان بالاسترسال والتلقائية بحيث يختفيان عند اول محاولة متكلفة لتوجيه الخطاب إلى شئ محدد وقيمة واضحة .
وفى هذه الحال تنجذب نفوس الناس ومشاعرهم تلقائيا نحو الجمال والمتعة وحينها يعرفون متعة الأدب النظيف وجمال الفن النبيل .
وهذا هو الأسلوب الذى خاطب الله به الناس ، تركهم ينظرون ويتأملون ، وتنساب إليهم قيم الجمال حتى يتبينوا هم فى تلقائية أنه الله ( سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) ، ورغم وجود الجبال لتثبيت الأرض إلا انها دائما تحتوى على اللمسة الجمالية كأن تكتسى بالأشجار أو النباتات أو الثلوج ، وهى اللمسة التى تمتع النفس فلا تقل فى أهميتها عن الحكمة التى تبهر العقل
لعل ماسبق يكون قد أوضح أن التعامل فى مجالى الأدب والفن بشكل خاص حيث الخطاب متوجه إلى النفوس لا العقول فقط ، يلزمه اللمسة الجمالية التى لاترتبط بوجود حاجة .
فلو كانت الأدبيات الإسلامية وكذلك الفنيات الإسلامية متحررة من اسلوب الوعظ والخطاب المباشر الذى يستهدف توصيل قيمة معينة فى وضوح تام ، ومنطلقة بتلقائية وسلاسة تبدع فنا للفن وإبداعا من اجل الإبداع لاستطاعت الحصول على جمهور عريض
الموضوع جميل فنحن نتحدث عن فن والفن كما سلف له معايير يتم ضبطه من خلاله ويجب ان لا نحول الفن الى اللافن اي يجب ان يكون فنا قلبا وقالبا ، والمشكلة التي تحدث هي التصادم بين مفهعومي الرسالة والادلجة ، فالرسالية مطلوبة كي نحقق معايير وجود الفن من اصله فلا حاجة لنا بفن لا هدف له ولا رسالة تفهم من السياق لا التصريح بها ، والادلجة قريبة من ذلك بعرض ايدلوجية الفنان داخل عمله ، فالرسالة يجب ان تكون من الروح العامة للمجتمع وفي القواسم المشتركة ، وهذا شبيه الى قصة الحياد والموضوعية في الاعلام فالموضوعية مطلوبة وقمة الموضوعية عدم الحياد لان الاعلام ايضا له رسالة بارك الله فيك اخي
موضوع رائع وفيه اثراء رائع جدا جدا
لكن لايختلف اثنان ان الفن هو محرك الشعوب ومحذب النفوس فلذلك
فالفن هو موجود في كل شئ وربنا خلف الكون باحسن صوره والفن اتى لتهذيب النفس وسموها ورقيها والتعبير عن مكنونات النفس..
بوركتم لاتعليق اكثر مما قرأت