أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / حيرة التوازن والمثالية

حيرة التوازن والمثالية

بقلم : محمود مبارك – يقظة فكر

الإنسان في هذه الحياة كالسائر في طريق وعر به شوك يتلمس أحرفه ليسير في مأمن , وهو يخشى الزلل فيقع ويخشى التمهل فيفوته خير الانجاز والإسراع.

ماذا نفعل في مئات المؤثرات المحيطة بنا فى كل يوم وليلة .. نوم وعبادة وعمل ودعوة وشئون بيت ومراعاة أهل وقضاء مصالح وترفيه نفس ومتابعة أمر ومراعاة مشاعر ومجاملات وزيارات وتفكير وهموم وطعام وشراب وتفاعل مع حدث , وتحكيم بين بشر ومطالبة بحق وامتثال أمر وتنفيذ تكليف وإنقاذ فرد وتدخلات وارسال واستقبال و اتخاذ قرار ومراجعة آخر وهاتف وناقل وقراءة وكتابة و……و…..و…. الخ?

اذاً ..
التوازن هو بغية المراد , بدونه لا تستقيم الحياة .. توازن بين كل المؤثرات مع بعضها وبين كل المؤثرات فيما بينها من جنسها .. توازن يضمن الإتزان ، واتزان يدفع إلى التوازن .. دائرة واحدة لمن أجاد الطريق.

والإنسان فى هذه الدائرة تائه محتار وإذا صح القول فإنه متخبطُ  محتال.. وليس فى ذلك مبالغة ،فالإنسان الذى خلق ضعيفاً وعجولاً وهلوعاً يحارب الهوى والشيطان والنفس والمحيطات السلبية  لابد أن يفقد اتزانه يوماً ويترك التوازن أياماً ..
فحكمة الانسان قصيرة قاصرة والله هو الحكيم الخبير على الإطلاق.

وهنا مكمن الحديث ومبعث الألم …

أترى الانسان حين يسمع عن أهمية تحرير عقله فى التفكير والتدبر فيترك لخياله العنان فإذا هو يفكر فى ذات الله ، ثم تراه أو ترى آخراً يسمع عن أن اعمال العقل مطلوب بضوابط ومحاذير فاذا هو يرفض الانطلاق ويتقبل أى منطق من اى شخص دون أدنى تفكير فمذهبه مقلد تابع فى كل شيئ

أترى الانسان حين يطلب منه الارتباط بالهدف لأنه هدف ،، دون التقيد بوسائل معية فإذا هو يتخذ وسائل لا تزيده إلا تأخراً وتراجعاً.
ثم تراه أو ترى آخراً  يسمع عن أصول اختيار الوسيلة المحققة للهدف وفنون التفضيل بينها  فإذا هو أسيرها ناسياً هدفه وهدفها

أترى الانسان وهو يسمع عن أهمية رد الظلم ومطالبة الحقوق والتدافع مع الظالمين فاذا هو يتخذ سبيلاً غير سبيل المؤمنين مورطاً نفسه ومن حوله فى مشاكل لا حصر لها!
ثم تراه أو آخرا يسمع عن فقه الاولويات والموازنات وجلب المصالح ودرء المفاسد فاذا هو سلبى جبان لا يحرك ساكناً منتظراً نتائج الدراسات وصدى التكليفات!

وهل أتاك خبر الرجل الذى عاش من كثرة ما سمع عن اللحية والتقصير يدافع عنهما كأنهما من أركان الاسلام
حتى اذا ما التحق بركب الدعوة وسمع الخلافات الفقهية ورأى من أفراد تقليل من شأن الفروع فاذا هو يتهم الآخرين بالتخلف والرجعية?!

ثم هل أتاك نبأ الطالب الذى أقنعه من أقنعه أن دراسته كل شيئ فى حياته وأن ميادين الدعوة كثيرة والتفوق أولها فاذا هو ينام ويصحو على كتابه مفرطاً فى حق نفسه ودعوته ومن حوله
فاذا به أو آخرا يقتنع بمن أقنعه أن التفوق وسيلة وليس هدفاً ويتساوى مع بقية الوسائل كما أنه اذا لم يستغل فترة دراسته فى توظيف كل جهوده لخدمة دعوته فلن يحقق ذلك بعدها فاذا هو يطيل عمر دراسته الى سبع وثمان سنوات متفانياً فيما يظن أنها دعوة

ثم ترى هذا المسكين الذى ما لبث يسمع عن رجال دعوته يلا يدخلون بيوتهم الا عند النوم من شدة انشغالهم بأمور دعوتهم
ثم يعرف خطأ مسلكه المقلد فيسمع عن التوازن والحقوق المتوازية فاذا به يدافع عن منطقه فى القعود فى رعاية أهله وأبنائه المبالغ فيه بطول مكوثه بأنهم أول أبواب الدعوة

وفى العمق تفاصيل كثيرة كثيرة , يئن الواحد من ذكرها أنينه من معاناته من المشكلة ذاتها .. وكذلك كنا من قبل ,, وما زلنا
ولست أذكر إلا قطفاً من كل بستان فى المجالات المختلفة , من أجل أن تتجلى الصورة أمام الناظرين.

فمن الطبيعي أن هذه التقلبات الغير متوازنة بالطبع لا تحدث بين عشية وضحاها بل تمتد وتستغرق شهوراً وأعواماً
وطبيعي أن نرى هذه التباينات بين شخصين مختلفين مثلما نراها متقلبة فى الشخص الواحد.

لكن ..
يبقى السؤال الحائر .. من يملك هذا النموذج المتوازن .. وكيف نصل إليه.. والسؤال الأكثر حيرة .. هل التوازن هو المثالية ؟!

Print Friendly

ما رأيك؟ :)

comments

7 تعليقات

  1. بارك الله فيك أستاذنا محمود مبارك على هذه المقالة الرائعة

    وأعتقد أنه من السهولة لأى إنسان ان يركز وينجح فى جانب واحد من جوانب حياته المخلتفة

    ولكن من الصعب – او قل هذا هو الواقع- ..ان يوازن الانسان بين جوانب حياته المختلفة

    فى حياتى العملية هناك أشخاص لا يتعدون أصابع اليد الواحدة نجحوا فى تحقيق هذه المعادلة الصعبة

    اما عن التساؤل كيف نصل إلى هذا النموذج …فأتصور أن الموضوع يبدأ بفهم ضرورة وأهمية التوازن فى الحياة وأنه الطريق للسعادة الحقيقية والايمان بأن الإنسان له جوانب كثيرة روحى وعقلى وجسدى

    ثم البدء بالجانب الروحى وهو رمانة الميزان فى الامر كله وتتبعه باقى الجوانب …فإهمال هذا الجانب يؤدى الى خلل كبير فى بقية الجوانب

    هل التوازن هو المثالية …؟؟؟!! سؤال صعب

  2. التوازن – بالنسبة لللبشر – هو المثالية

  3. لا تحتار كثيرا اخى الفاضل فهذا النموذج المتوازن كان موجودا فى أشخاص نسمع عنهم فى سيرة الرسول (ص) أكثر الناس إتزانا، هذا فيما مضى اما عن وقتنا هذا سمعت عن اناس ولم اتشرف بلقائهم ولا أستطيع الوصول إليهم

    جزاكم الله خيرا على المقال الرائع

  4. ان التوازن لايعني الكمال فالكمال لله وحده، بل التوازن الموصوف في هذه المقالة النيرة، هو توجه نحو التكامل، والتكامل هو فعل وحس، والانسان خطاء وعجول ونحو ما ذكرت في المتن، لكن الاسلام يغذي هذا الجانب بأمور محيطة به فمع الخطأ الاستغفار والتوبة ، ومع العجلة الصبر والحلم، والامور يمكن جمعها ان اوجدنا الالية للجمع، فالتوجه لكل شأن في وقت ملائم من ناحية وبتخطيط ملائم، وهذا يأتي حسب الظرف المحيط والخبرة، يجعلك توزع الاعمال والاهتمام بما يفيدها، المسألة هي الفرق بين المعرفة والعلم فالمعرفة درجات تصل الى العلم ودرجات المعرفة مادة يرتكز عليها الانسان للحراك والحراك همة تضع الانسان على مسار التفاعل وسنن الكون ايجابيا، فهو يناور معها ليحقق اهدافا ليست بحجمها وانما بوجودها وهي تكبر او تصغر وفق درجة همته، ليس لانسان من التوازن التام الا حين تنظر اليه من جانب ما، لكن ان يحقق الرضا عند الجميع فهذا امر نادر يصنعه اناس معينون، كيف، لو افترضنا ان الانسان خلق ليبني بيتا ينتهي بنهاية حياته، فإنه لن يبني البيت غرفة غرفة لان هذه الغرف لن تتم لمرحلتها دفعة واحدة وينتهي، بل سيضع اليوم لبنة هنا وهناك ثم يتوجه لغرفة اخرى، او يناديه من يقول ان هذا الجدار يحتاج للبنة كي يتوازن، فيذهب ليضع لبنة أخرى، ليس كالحائر بل من يعرف انه في مهمة، وان عليه وضع هذه الامور في وقتها وعند التمكن من ذلك، لكن البيت المسئول عنه سيكتمل عند وفاته طال به العمر ام قصر، تلك الحياة الدنيا وقد وصفها القرآن الكريم كزرع يعجبك نباته، اما القاعدون فهم اما لا ارض لديهم ليبنوها فيعيشوا في خيمة لاتترك منطلقا لمن يليهم ، او انهم يسيرون مترنحين ليسقطوا الطابوق الذي وضعه اولئك العاملين فيعرقلونهم، وهذا كله جانب من الفكرة ليس بالمثالية ان تكون متوازنا وانما التوازن من شروط المهمة ولها درجات وعلى درجتك يكون موقعك في المهمة ليس كمنصب وانما كتأثير فالحي واسع ويحتاج الى انواع من الخدمات والادارات وما النصر الا من عند الله، بارك الله فيكم واحسن اليكم

  5. ايمان اسماعيل

    الموضوع بيناقش قضايا كبيره كل المجتمع واقع فيها الا ما رحم ربى

    لكنى يا سيدى ما اعلمه انه ان وصل شخصا لهذه التناقضات او العلو

    و التقصير فى جانب و لاحظ نفسه فهو قد اقترب من الوصول لان سيتعلم

    بعدها كيف يرتب حاله

    اما عن سوأل حضرتك التوازن ليس المثاليه و لكنه التوسط

    المثاليه فى الاقصى و التواز هو التوسط و القاع هو حالنا

    و لكننا من كثرة ما نزلنا الى القاع ظننا ان التوازن هو المثاليه

    تحيه الى قلمكم الرائع و فكركم النير

  6. الفترة السابقة كنت اعيش امام مفترقات الطرق
    فايقنت ان التوازن شئ يصعب تحقيقه و خاصة ان كنت وحدك في منظومة ما

  7. التوازن متحقق كليا اذا ما ألتزمنابمنهج الله الذى أمرنا به كما ورد فى كتابه الكريم بصريح النص أفعل 0000 ولا تفعل0000 وبالعبر الواردة فى قصص القران الكريم لأنه النص المنزل وما عداه فهو يقبل الصواب والخطأ يا حبذا لو فعلنا ذلك فى ممارستنا للحياة اليومية ومن يريد ان يتعظ فلينظر الى المجتمعات المتقدمة والمتطورة كيف انسجمت وسائلهم مع نتائج أعمالهم وكيف تتطابقت مع اوامر الفعل والنهى التى وردت فى كتابنا الكريم وعلينا أن نتذكر ان الانانية والفردية والشعور بالعظمة والكبر والتعالى على الاخرين والكذب فى القول والكذب فى الشكل وعدم نسب الفضل لأهله وبخس الناس أشيائهم والتفاخر بالانساب والاعراق وطول الامل والحرص الشديد والحسد والمكر والخديعة وسن بدع الضلال والنفاق كل ذلك ادوات للهدم والفشل انها الثقوب السوداء فى تاريخنا وفى حياتنا والا لما كنا فى حاجة الى يقظة فى الفكر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*