الإنطلاقات الحركية وإشكالياتها
يقظة فكر | نوفمبر 18، 2009 | التعليقات: 6
بقلم : محمد مصطفى – يقظة فكر
1- مفهوم الانطلاق الحركى .
2- العقائد ( المرجعيات العليا ) .
3- الايديولوجيا .
4- الاستراتيجية الحركية ( منهج العمل ) .
لقد شهدت بلادنا منذ بدايات القرن الماضى بزوغ الكثير من الحركات ، سواءً كانت هذه الحركات متمحورة حول قضايا التحرر الوطنى ، أو حول قضايا سياسية ، أو فكرية ، أو دعوية ، أو قضايا الإصلاح العام فى المجتمع ، هنا أتعرض سريعاً لأهم أشكال الانطلاقات الحركية ، و الإشكاليات التى تواجه هذه الانطلاقات ، ذلك أننا – اليوم – فى بلادنا – نحتاج إلى حركات تنويرية واعية ، تعمل فى كافة المجالات ، مستفيدةً من التاريخ الحركى الذى سبقها ، قادرةً على تلافى السلبيات و الأخطاء التى وقعت فيما مضى .
1- مفهوم الانطلاق الحركى :
ما أقصده بالإنطلاق الحركى ؛ المنظومة التى تعتمدها الحركة – أياً كان تخصصها – فى نشاطها العام مع المجتمع و الأطراف الأخرى التى تحتك بها ، و هذه المنظومة تتشكل من ثلاثة أركان أساسية هى المنطلقات ، الوسائل ، الغايات و الأهداف .
• المنطلقات : و هى النقاط الابتدائية – أو كما نسميها الثوابت – التى تضعها الحركة لنفسها ، و تحدد على أساسها الأهداف التى تريد الوصول إليها انطلاقاً من هذه الثوابت ، و الوسائل التى ستمكنها من الوصول إلى هذه الأهداف .
• الوسائل : هى كافة السبل و الطرق الممكنة التى تسلكها الحركة فى إطار ثوابتها و ضوابطها للوصول إلى أهدافها و غاياتها .
• الأهداف : وهي الأهداف المرحلية لكل مرحلة من مراحل العمل ، طبقاً لخطة هذه المنظمة أو الحركة ، كما أقصد أيضاً الغايات النهائية ، و التى تحقيقها يعنى نجاح الحركة الكامل ، و فى بعض الأحيان يعنى عدم ضرورية وجود الحركة أصلاً .
2- العقيدة ، و الانطلاق العقدى :
إذا أردنا أن نكشف فى المعجم عن الأصل اللغوى لكلمة عقيدة ، سنجدها فى مادة ( ع – ق – د ) ؛ باب العين فصل القاف مع الدال .
و من ذلك يمكننا أن نعرف العقيدة لغةً ؛ بأنها الشئ الذى يعقد عليه ، و العقد هو أعلى درجات الرباط .
و تحتاج العقيدة لتتكون بهذا الشكل ثلاث مراحل :
أ- مرحلة عقلية : هنا تحدث قناعة عقلية تامة بمبادئ و أصول هذه العقيدة .
ب مرحلة إيمانية قلبية : هنا تتمثل هذه القناعة فى عاطفة إيمانية صادقة .
ت- مرحلة سلوكية : هى نتيجة طبيعية لهذه لعاطفة الحقيقية ، و هنا نجد أن الإيمان بهذه العقيدة متمثل فى تصرفات الإنسان و سلوكياته .
للعقيدة خصيصيتان فى منتهى الأهمية :
1- قد تكون العقيدة عبارة عن فكرة بسيطة ، أو عدة أفكار مركبة ، فتركيبية الأفكار ليست شرطاً من شروط العقائد .
2- العقائد لا تخضع – مطلقاً – للتغيرات المجتمعية الزمانية أو المكانية ، و على ذلك فإنه يمكننا أن نقول أن العقيدة تتجاوز الزمانية و المكانية .
و هاتان الخصيصيتان هما من أهم مايميز العقيدة عن الايديولوجيا ، و سنتعرض لذلك بالتفصيل فيما بعد .
كما أن العقائد لها معايير كمية ، فهناك من يعتقد فى شئ بنسبة 30 بالمائة ، و هناك من يعتقد فى نفس الشئ بنسبة 90 بالمائة ، و من هنا نستطيع تفسير قول رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) لصحابته ؛ ما سبقكم أبو بكر بكثير صلاة أو صيام ، و إنما سبقكم بشئ وقر فى قلبه ، مع أن الصحابة كانوا مؤمنين ، إذن فهناك معنى آخر – توحيه إلينا كلمة سبقكم – ذلك المعنى فى رأيى هو المعيار الكمى .
و للعقائد أمثلة كثيرة نذكر منها :
1- الاعتقاد فى وحدانية الله : يقول الله تعالى ” ما اتخذ الله من ولد و ما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق و لعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ” صدق الله العظيم .
2- الاعتقاد فى المبدأ الحلولى الكمونى ؛ و الذى يبين لنا أن الإله قد حل تماماً فى الكون ، وبذلك فإن المرجعية النهائية – التى كان الإله مركزها – أصبحت كامنة فى هذا الكون حالةً فيه ؛ و من هذه العقيدة تولدت العديد من الايديولوجيات و الفلسفات الغربية ؛ خاصة فيما عرف بعصر التنوير بأوروبا .
3- الاعتقاد فى أن الإله قد حل فى إرادة الشعب : و هو ما أسس للفكر الماركسى و الثورى بشكل عام .
4- الإعتقاد فى أن المسيح هو ابن الله .
و غير ذلك الكثير و الكثير من العقائد التى مر بها التاريخ البشرى .
الانطلاق الحركى من العقائد فحسب ، بمعنى الانطلاق المباشر من العقيدة قبل صياغة الإيديولوجيا ، أو تحديد الاستراتيجية ، يؤدى ذلك إلى ظهور حركات تتميز بقدر عالٍ من الحماس ، و لكنها تفتقر إلى النضج الفكرى و الحركى .
تعرف هذه المرحلة ؛ بمرحلة الصحوة .
يمكن التمثيل على ذلك ؛ بالحركات الإسلامية فى السبعينيات و الثمانينيات فى مصر .
3- الأيديولوجيا :
يمكننا أن نعرف الأيديولوجيا ؛ بأنها مجموعة من الأفكار التى تتعاقد و تتشابك لتنتج ما يعرف ” بالمنهج الفكرى المرجعى ” ، الصالح لمرحلة زمنية معينة ، بمكان و واقع معين .
و المنهج الإيديولوجى ؛ هو منهج تطرح فيه الإشكاليات الفكرية المثارة ، كما تطرح الرؤى و الحلول التى تتبناها الحركة و المنظمة .
كيف تصاغ الأيديولوجيا ؟
1- بدايةً ؛ تحتاج الأيديولوجياإلى عقيدة واضحة ترتكز عليها ( و هى التى تحدد الثوابت ) .
2- بالإضافة إلى الأفكار النظرية التى تعتمد على طبيعة المكان و الزمان ( الرؤى الحالية ) .
3- و تحتاج لصياغتها إلى وجود منظرين فاعلين ، يعملون على الربط بين المبادئ العقدية ” الثوابت ” و الأفكار النظرية ” الرؤى ” .
انتشار المنهج الأيديولوجى : يعتمد المنهج الأيديولوجى فى انتشاره فى المجتمع على عدة عوامل من أهمها :
1- العقيدة التى يستقى منها ذلك المنهج ، و تواجدها فى المجتمع بمعياريها الكيفى و الكمى ، فالمجتمعات الإسلامية أكثر تقبلاً للأيديولوجيات المستقاة من عقائد إسلامية ( المعيار الكيفى ) ، و المجتمعات الأكثر تمسكاً بالإسلام و مبادئه ستصبح أكثر قابلية لانتشار الايديولوجيات الاسلامية وسطها عن المجتمعات الأقل تمسكاً بالإسلام ( المعيار الكمى ) .
2- ملائمة الأفكار النظرية الموضوعة ( الرؤى ) للواقع و إشكالياته .
3- فعالية منظرى ذلك المنهج الايديولوجى فى صياغته ، و توصيله للشرائح المختلفة فى المجتمع.
كما نذكر ؛ أنه من أهم خصائص المنهج الأيديولوجى الواضح و الواقعى ؛ أنه يضمن إلى حد كبير الوحدة الفكرية بين أبناء الحركة أو المؤسسة المتبنية لهذا المنهج ، و ذلك دون الوقوع فى إشكالية القولبة ، ذلك أن المنهج الواضح يمكننا من تحديد الأطر جيداً ، و التمييز بين الثوابت و الرؤى الحالية ( الزمانية و المكانية ) .
الإنطلاق الحركى المباشر من الأيديولوجيا ( دون تحديد إستراتيجيات حركية واضحة ) يؤدى إلى ظهور حركات تتميز بنضج فكرى عام ، و لكنها تفتقر إلى النضج و الوعى الحركى
و ذلك ما يؤدى – فى الغالب – إلى ظهور نتائج أقل من المتوقعة ، و هو ما يؤدى بطبيعة الحال إلى انخفاض مستوى الحماس العام بين أفراد الحركة أو المؤسسة .
4- الإستراتيجية الحركية ” آليات العمل ” :
يمكن أن نعرف الإستراتيجة ؛ بأنها مجموعة من الخطوات المتتالية ، المخطط لها مسبقاً من قبل حركة أو منظمة .
أما الحركية : فهى تتعلق بنوعية التخصص و المجال الذى تعمل به الحركة أو المنظمة ، فإذا كانت تعمل مثلاً فى المجال السياسى ، نستطيع أن نتحدث عن الاستراتيجية السياسية .
تعتمد الاستراتيجية الحركية على المنهج الأيديولوجى الذى تتبناه المنظمة أو الحركة ؛ بثوابته العقدية الفلسفية و رؤاه الحالية ( الزمانية و المكانية ) .
2- القاعدة الجماهيرية لهذه المنظمة .
3- موازين القوى على صعيد العمل النوعى التخصصى الذى تعمل المنظمة من خلاله .
4- المناورات و التكتيكات الحركية ، و ضوابطها النوعية و الكمية ، طبقاً لايدولوجية المنظمة .
الإنطلاق الحركى من الإستراتيجية الحركية المرتكزة إلى أيديولوجيا حقيقية يؤدى إلى ظهور حركات تتميز بنضج فكرى و حركى .و هو ما يؤدى فى الغالب إلى ظهور نتائج إيجابية ، و بالتالى فإن هذه المرحلة تتميز بجماس عالٍ نظراً لإيجابية النتائج .
مثال : حزب العدالة و التنمية التركى ؛ نجد أنه يتميز بعقيدة راسخة ، و ايديولوجيا واقعية ، كما أنه يمتلك استراتيجية حركية متميزة .
مقارنة تجميعية بين الأشكال المختلفة للانطلاقات الحركية:
_______________________________________________________________________________________________
وجه المقارنة الانطلاق العقدى الانطلاق الايديولوجى الانطلاق الاستراتيجى
_______________________________________________________________________________________________
درجة الوعى منخفض مرتفع مرتفع
درجة الحماس مرتفع منخفض مرتفع
التصنيفات: مختارات








السلام عليكم
استاذ محمد مصطفى ما اروع ما افضت به
وتكمن روعته انك اختصرت ما يؤلف بالمجلدات الى اسطر قليلة
بارك الله فى الجهد الكريم
اروع ما استوقفنى فى هذا المقال امرين
الاول اننى ارى فى وجة نظرى اننا مازلنا فى المرحلة الثانية وهى الانطلاق الايدولجى
الثانى مثال حزب العدالة والتنمية لقد نطقت بشجاعة بكلمة الحق التى ينكرها وللاسف كثير من الحركات الاصلاحية ويتهمونة بخلل فى عقيدته وثوابته
تقبل مرورى اخى محمد
واسمح لى ان ادعوا استاذنا محمد صالح واستاذنا الدكتور يحى ليدلو بدلوهم فى هذة المسالة فانه يشرفنى ذلك
أولا جزاك الله خيرا على هذه الدراسة المعروضة بوصف (خير الكلام ما قل ودل) حتما وأشكر الأخ الفاضل احمد نور على دعوته لإخوته لاستبيان الموضوع:
وأبدأ من حيث انتهى أخي محمد مصطفى ، (الانطلاق الاستراتيجي) فالإستراتيجية وان اختصرت دلالتها هذه الأيام على تعلقها بالأمور العسكرية إلا أنها مصطلح يعني في اللغة العربية (التخطيط المحكم )، والتخطيط المحكم هو في الحقيقة في موقع الموازنة أي الجانب التنظيري من العملية الادارية، وقبوله يعني التوجه للتنفيد وهو مايعني ان هنالك تخطيط من نوع آخر يسمى التخطيط المرحلي (التكتيك)، ومعظم الحركات في واقعنا تمزج ولا تفرق بين هاتين المرحلتين او تنسى الدورة الضرورية للعودة الى نقطة الموازنة مرة اخرى لتقييم النتائج، والذي يحصل ان الحركات تنجح لكونها باندفاعها الاول المشخص للواقع الموجود مع حلول هي بلورة لرأي الحاجة.. وهنا تبدأ المشكلة، البقاء على مجد النجاح الاول واجتراره واعتباره مقدسا، دون العودة للموازنة والتحديث من جديد، وهذه لاتعتمد على تصنيف، فالتجربة غير الخاضعة للتجديد ستهمل اساسها في التحديات وانشغالها بها، فالتثقيف للناس يتلاشى ، والمعرفة تغدو امرا عاما، والاسس تتبدد، فتجد بمرور الزمن من لايعرف اوليات الفكر الاساس او الفكرة الحاكمة او ماهي الاسترتيجية ولا حتى ان يخطط مرحليا، مهما صنفنا وحددنا سنجد انفسنا في هذا الوصف العام، ان الحركة سمة الكون وليس موقع الكون زمن بداية كتابتي هذه المداخلة هو ذاته عند هذه اللحضة فالحركة دائمة وهنالك دوما فرق بين الجمود والثبات فالكل معرض لان يأخذ هذه المواقع ويتبادل موقعه في الجدول وفقا لسلوكه مع الزمن تجاه المستجدات.
استاذنا محمد صالح بارك الله بمرورك الكريم وعلى نظراتك الثاقبة
بعد القراءة نتج عندى استفسار
وهو كيف لنا ان ننطلق بحركاتنا الى الفصل بين الانطلاق الا ستراتيجى والتكتيك المرحلى ولولا اننى ارى ان هذا مما عمت به البلوى ولا حول ولا قوة الا بالله
الامر الثانى
هل توافقنى على ما قلته بالاعلى
ليس الفصل ما عنيت وانما التفريق، او بكلمة ادق تحديد المواقع، فنحن مثلا لانفرق بين الرقابة والمتابعة في منظوماتنا فالرقابة تقع قبل الموازنة اما المتابعة فاثناء التنفيد وليست غايتها المحاسبة والعقاب بل المساعدة في التصليح للمسارات في الانتاج، من هنا كان التخطيط المرحلي في المنظومات التنفيدية، يعني يمكن ان يكون التخطيط في منظمة ام لكن التنفيد يمكن ان يكون من حزب على الصعيد السياسي او منظومة خدمية او اجتماعية على الصعيد الحياتي، والاولى اي الام تبقى معنية بالمتابعة والتسديد، والمنظومة الفاعلة من تتعرض للحياة ومسائلها ان نجحت استمرت وان فشلت تنبثق منظومة اخرى تحمل خبرة سابقتها اما المغامرة بدخول الام في العمل فهنالك ما يثبط العزم من العوامل اكثر من الذي يجعلها فاعلة …..ولهذا تفصيلات ممكن ان تفكر بها اخي الفاضل.
جزاك الله خيرا استاذنا
اعتذر عن اللبس الذى حدث
وضحت الفكرة تماما
وللحديث بقية ….. اتمنى ان يفرد له بحث خاص