الطريق إلى تصفية القضية .. الحصاد المر (2)
يقظة فكر | نوفمبر 30، 2009 | التعليقات: 0
بقلم : محمود مبارك – يقظة فكر
عديدة هي المسارات والنقاط التي تشير وتنبؤ بهذا المستقبل الغامض الذي يلوح في الأفق للقضية الفلسطينية , كبرى القضايا الإسلامية المعاصرة ..
(1)
تحت عنوان ( الإسرائيليون هم من يصنعون قيادات فلسطين ) , كتب عبدالستار قاسم ـ استاذ العلوم السياسية والقيادى الفلسطينى السابق ـ : ” عرضوا على أن يجعلوا منى زعيماً فلسطينياً , قالوا انهم سيوظفون عدسات التلفاز لتغطية خروجى من السجن وسيركزون علىّ وعلى نشاطاتى فى الاعلام , وفى خلال اسبوعين سيحملنى الشعب الفلسطينى على الأكتاف مبتهجين , سألتهم عن المقابل فقالوا : لك أن تلقى خطابات رنانة وحماسية ضد اسرائيل , وأن تدعو الى تحرير حيفا ويافا , ولكن عد الى بيتك ولا تصنع شيئاً ” .
كان هذا نموذجاً بسيطاً لسياسة اسرائيل فى ترتيب أوراق البيت الفلسطيني الداخلى , ولا نستبعد أن يكون اعلان الرئيس الفلسطينى المنتهية ولايته محمود عباس عن عدم نيته فى الترشح لفترة جديدة مناورة اسرائيلية ,, كما لا نستبعد أن تكون اسرائيل تجهز رئيس فلسطين القادم داخل سجونها (!!) أو خارجها .. لكن الشيئ المؤكد أن رئيس فلسطين القادم سيكون صنعة إسرائيلية أمريكية بامتياز تضمن ما أشار إليه مشعل فى رؤيته الخاصة التى عرضناها فى المقال السابق من أن يمضى فريق الضفة إلى التسوية السهلة كما تريدها وتمليها إسرائيل بمزيد من التنازلات الفلسطينية.
(2)
فى باطن الحصاد المر قضايا كثيرة منسية على طاولة القضية , أبرزها الجدار العنصرى العازل , واللاجئين وحق العودة , والحقوق الاقتصادية للفلسطينيين فى المياه والوقود والزراعة والتى تصادرها اسرائيل حصراً وقصراً .. ثم بالطبع قضية تهويد القدس وتغيير معالم الهوية وهى أكبر القضايا الشائكة فى الوقت الراهن .
الأزمة الحقيقية أن هذه القضايا لم تعد تجد من يتبناها وهو الأمر الذي يريح الكيان الصهيونى بالطبع , ذلك أنها استفادت من عنصرين هامين .. الأول هو عمالة فريق الضفة الغربية فاستفادت من عملية التجهيل المستمر والتغاضى عن هذه المطالب المشروعة , والثانى هو استمرار مسلسل الانقسام الفلسطيني الفلسطيني ( غزة ـ الضفة ) بين حماس وفتح , وهو ما عبرت عنه الباحثة السياسية ـ أميرة هاس ـ حين قالت : “إن العزل التام لقطاع غزة عن الضفة هو أحد أهم انجازات السياسة الاسرائيلية ” , ولا ريب فى ذلك فقد مدّ ذلك أمد الوصول الى تفاهمات اسرائيلية فلسطينية سنوات وسنوات , وهو ما يلاقى ـ للأسف ـ قبولاً من حركة فتح والدول العربية المحيطة .
إن الانشغال الوهمى الذى يدعيه فريق عباس بالمصالحة الفلسطينية وقضايا الوطن الداخلية وحقوق الشعب المسلوبة قد انكشف زيغه عند فضيحة تقرير جولدستون والذى أصدر عباس أوامره بطلب تأجيل مناقشته بضغوط أمريكية صريحة , فكانت تلك ورقة التوت التى سقطت ولم يعد بعدها ساتر ولا غطاء ..
وهو الأمر الذى حمدته اسرائيل لعباس ثم ما لبثت أن هددته به اذا لم يكمل المشوار فى طريق التنازلات .
تقرير جولدستون مثل حالة كشف واسعة النطاق سواء للكيان الصهيونى أو فريق الضفة الغربية , فعلى صعيد الكيان الصهيونى .. هو ما شهدناه من حالة تخبط اسرائيلية تجاهه وانتهت بطلب بيريز فتح تحقيق مع جولدستون نفسه ( وهو قاضى يهودى ) , ثم الاعلان عن البدء فى اعداد تقرير من الجيس الاسرائيلى رداً مضاداً لتقرير جولدستون لاظهار حقائق أخرى , على حد تعبير قيادتهم العسكرية , كما قامت اسرائيل بحملة اعلامية ودبلوماسية واسعة النطاق للترويج ببطلان هذا التقرير وعدم حياديته ( رغم أن التقرير انتقد فى نهايته حركة حماس لاطلاقها صواريخ تجاه المستوطنات الاسرائيلية ) .
ومما لا شك فيه أيضاً ن التقرير مثّل أزمة لبعض قيادات الكيان الصهيونى عبر عنها ـ جدعون ليفى ـ فى مقاله بالهآرتس تحت عنوان ( كل شيئ يخصنى ) قائلاً بتهكم : ” إسرائيل تدين بالعرفان للقاضى جولدستون , وللتقرير الهام الذى أصدرته لجنته بعد وجبة من القاذورات التلقائية التى وجهه لهذا التقرير , عبثاً يتكشف لاسرائيل فجأة أن من الأجدر بها أن تحقق أخيراً فى عملية الرصاص المصهور ! لماذا ؟! ما الذى حدث ؟! الأرض تبدأ بالاهتزاز تحت أقدام عدد من السياسيين والضباط الاسرائليين بصورة شخصية .. ايهود باراك واشكنازى يتصببان عرقاً ” .
وعلى مستوى القيادة الفلسطينية فى الضفة , فان خزاياها السابقة ترشحها لمزيد من العار المستقبلي , عبر عن ذلك ولخصه الأستاذ هويدى فى مقاله ( الكاشفة ) فقال : ” السلطة هى التى تجاهلت قرار محكمة العدل الدولية الخاص ببطلان الجدار العازل والمستوطنات التى أقيمت على الأراضى المحتلة ، وهى التى أسقطت فى مفاوضاتها حق العودة للاجئين وقبلت بتبادل الأراضى ,, وهى التى قبلت بتجاهل قرارات الأمم المتحدة والمرجعية الدولية ، والاحتكام إلى خريطة الطريق الأمريكية التى نصت فى أول بنودها على ضرورة تصفية المقاومة , وهى التى دخلت فى شبكة التنسيق الأمنى مع الإسرائيليين ضد المقاومة الفلسطينية , وبعدما اشتركت فى حصار غزة ثم عارض ممثل السلطة فى الجمعية العامة القرار الذى قدمته قطر وإندونيسيا ودعا إلى اعتبار القطاع منطقة منكوبة , ثم إنها لم تحرك ساكنا حين أبلغت بقرار الكنيست الإسرائيلى ببيع أراضى الفلسطينيين وتملكيها لمن يشاء من يهود العالم، بالمخالفة الصارخة للقانون الدولى , هذه الخلفية التى قفزت بها فوق وقائع أخرى كثيرة تشى بشىء واحد هو أن من كان هذا سجله .. لا يستكثر عليه أن يتواطأ مع الإسرائيليين فى حرب غزة , أو أن يمنع إصدار قرار بإحالة جرائم الحرب التى ارتكبتها إسرائيل إلى الأمم المتحدة ”
الا أن الملفت فى القضية تلك الحرب الإعلامية التى خاضها أنصار الرئيس المنتهية ولايته .. فراحوا يدافعون ويفسرون موقفهم من التقرير بخدع لم تنطلي على أحد.. أنتقى من المقالات تلك المقطوعة التى كتبها الطيب عبد الرحيم فى مقاله ( لمن أراد أن يعرف الحقيقة !) والذى بدأه بالقول : ” إن تشكيل الرئيس عباس لجنة للتحقيق فى ملابسات ما حدث فى جنيف من تأجيل التقرير يمثل قناعة وثقة بالنفس واحترام المؤسسة ” , وهو المقال الذى ختمه بـ ” والله من وراء القصد ” !!
(3)
فى وسط هذه التشابكات المخيفة .. تطل علينا إرهاصات الضربة الإسرائيلية القادمةعلى قطاع غزة .. والإستطلاعات السياسية والميدانية تشير إلى نية مبيتة لدى الكيان لضرب غزة مجدداً لتحقيق هدفين قريبين أساسيين هما :
1. تغيير جذرى وانهاء تام لحكم حماس فى غزة , وما يتبعه من حلول بديل جاهز لهم .
2. إعادة الجندى المختطف جلعاد شاليط بأقل تكلفة ممكنة .
وأهداف بعيدة المدى ـ لا يتسع المقال لذكرها ـ قد نفرد لها مساحة أخرى , أهمها ما يتعلق بجماعة الاخوان المسلمين وعلاقتها بحماس ، ومشروع التطبيع مع العرب فى مقابل المبادرة العربية .
وقد بدت تلميحات الوزير الاسرائيلى ـ أشكنازى ـ بضرب غزة , عاملاً مهما وكاشفاً لما تضمره القيادة العسكرية الاسرائيلية .. لكن ثمة مؤشرات وتحليلات أخرى تجعل عملية عسكرية حاسمة ضد غزة حماس , تحتاج إلى وقت وتحضير أكبر , فرغم ان اسرائيل ليس لديها رادع قانونى أو أخلاقى أو أى اعتبار للمجتمع الدولى بما فيه العرب , الا أنها تعودت على تهيئة الأجواء قبل اجراءاتها العسكرية وبالتحديد قياساً على آخر حربين لها مع حزب الله وحماس , والتى عملت على تهيئة الاجواء الداخلية والخارجية على حد سواء لعدة أهداف أهمها :
1. اعطاء انطباعات بمنطقية التصرفات الاسرائيلية لدى المجتمع الدولى ومنظماته .
2. عدم احراج الولايات المتحدة مع الدول العربية ومنظمات المجتمع الدولى ( تخفيف الضغوط وإعطاء المبرر) .
3. كسب التأييد الخفى للأنظمة العربية بعد زخم اعلامى محرض .
4. تهيئة الأجواء عند مواطنى اسرائيل وبما يضمن التفافاً منهم حول خيار القيادة الاسرائيلية .
واذا أجرينا مقارنة لهذه العناصر مع الواقع الحالى نجد أن الأمور تجرى الى توسيع مساحة الوقت المتبقى لأى عملية عسكرية ضد قطاع غزة .. ربما بضعة أسابيع أو أشهر بعد بداية العام الحالى للأسباب التالية :
1. عدم انتهاء اسرائيل من اتمام القبة الفولاذية , وهى منظومة دفاع جوية ضد الصواريخ , وقد أعلن الجنرال احتياط تسفيكا ميموفيتش أنها ستكون جاهزة فى منتصف 2010 القادم ,, ويواجه هذا التأخير بسخط وانتقاد نخبوى عبر عنه ـ رؤوفين فيدهستور ـ فى مقاله ( القبة الوهمية ) مشككاً أن تكون القبة قادرة على حماية مواطنيهم من صواريخ القسام لأنها صواريخ ( قصيرة المدى الزمنى فى التحليق ) .
2. عدم البدء حتى الآن من جانب الكيان الصهيونى باستفزاز المقاومة الفلسطينية فى غزة لاطلاق صواريخ تجاه المغتصبات الاسرائيلية ( بهدف اختبار القبة و التسويق الاعلامى فى آن واحد ) , والمتوقع أن تجرى اسرائيل عدة اجراءات استفزازية لحماس والجهاد مثل عملية اغتيال قائد فلسطينى بارز أو عملية جوية جزئية يروح فيها عدة ضحايا بشكل دموى محفز , مما يدفع الحركات المقاومة الى تبنى رد فعل قوى تسوقه اسرائيل لصالحها بالشكل المناسب .. ( عبر بعض قيادات فلسطين فى غزة عن قلقهم من مثل هذه الاستفزازات خاصة مع قرب حفل الانطلاقة القادم فى منتصف ديسمبر ) .
3. تقرير جولدستون أثار زخماً اعلامياً ضد اسرائيل وجاء فى وقت غير مناسب للكيان دفعه للرد بحملة اعلامية ودبلوماسية ضخمة لتصيح صورة الكيان .
4. تجرى الاستعدادات الميدانية الداخلية لمواطنى اسرائيل على قدم وساق ولم يتم الانتهاء منها بعد ( حالات النفير العام والملاجئ واحتياطات الحروب ) , وعلى نفس الخط تعمل إسرائيل على الانتهاء من التدريبات العسكرية والمناورات المشتركة التي تتدرب عليها وتركز على ( حالة حرب متعددة ) من غزة ولبنان وايران .
5. الموقف السياسي الغامض لعباس وفريقه من الانتخابات وصعوبة توقع شكل الميدان فى الضفة وغزة فى الفترة القادمة .
6. استمرار جس النبض العربي والاسلامى من إسرائيل بالاستفزازات الجزئية ( حفريات الأقصى نموذجاً ) .
7. لم يتم النتهاء بعد من تصفية كافة الانفاق على حدود مصر بالكامل , بما يضمن قطع المدد اللوجيستى عن المقاومين فى غزة .
(4)
يبدو أن أمريكا تلعب باتت تلعب بأوراق مكشوفة مع العرب وهى راعية بالطبع لهذا الحصاد المر بدعمها اللامتناهى لإسرائيل .. قبل خطاب القاهرة بيوم قال اوباما فى تصريح خاص لتوماس فريدمان ـ الكاتب الأمريكى الشهير ـ : ” هناك نكتة فى البيت الأبيض مفادها أن الرئيس سوف يستمر فى قول الحقيقة إلى أن تصبح الحقيقة غير صالحة للاستعمال , وليس هناك أهم من الشرق الأوسط لقول الحقيقة فيه ” .
والحقيقة التى بتنا متأكدين منها تماماً أن اوباما كان يقول حقيقة منتهية الصلاحية منذ زمن بعيد , لكن العرب لا يجيدون قراءة التاريخ .
شاركاقرأ أيضا:
التصنيفات: من بحر الحياة




