منطق القوة الذي يفهمه الجميع .. من واقع الحياة اليومية في العراق
يقظة فكر | ديسمبر 07، 2009 | التعليقات: 3
قلم: حنان مصطفى – يقظة فكر

لاحت من بعيد إشارات تطالب الركاب الترجل من السيارة من أجل التفتيش، كرر الشرطي التعليمات مطالباً الجميع بالنزول عدا السائق..
لكن فجأة تثور ثائرة أحدهم رافضاً النزول ، موجهاً للشرطي المكلف الشتائم محتقراً عمله، وبصوت عالٍ وبلهجة مثقفة يرد عليه بقوله: إنكم تهينوننا بمثل هذه التصرفات المشينة ، هو يرفض الانصياع لأوامر أتباع الأمريكان .
عندها لم يتمالك الشرطي أعصابه واعتبر هذه الكلمة إهانة شديدة ، فقال لراكب السيارة:
( لو كان من يقف مكاني جندي أمريكي ، ألم تكن مطيعاً لأمره و ستنزل بكل أدب واحترام ؟
لأنّ الأمريكي يضع يده على الزناد ويوجه سلاحه نحو صدوركم تطيعونه ، بينما أنا أطالبك بالأمر ولم تصل يدي لمكان المسدس وما أفعله هو لمصلحتكم وحفاظاً على أرواحكم ، فلمَ تعاملنا بهذه الطريقة؟
الموقف أثار في نفسي سؤال حول مفهوم القوة .. ولماذا يحترم الجميع مصدر القوة أو ما الذي يدفعنا للخضوع للقوة؟
وما هي القوة؟
أهي قوة السلاح؟ أم قوة الإرادة ؟ أم هي قوة المال؟ أو ربما قوة القانون؟
تجد الدعوات والحركات والتيارات المعتدلة الكثير من العقبات في سبيل إيصال فكرتها ومنهاجها يصل حد اليأس بحامليها أحياناً ، وبينما يصر أصحابها لانتهاج السلوك السلمي مع من يدعوهم ويبذل من أجل غايته الغالي والنفيس ويصبر على الأذى ، تجد الناس وبكل طبقاتهم ودرجاتهم مستسلمين لذوي القوة النافذة ، فهل يُعتبر الخضوع للقوة بكل أنواعها نوع من الخنوع أم العقلانية؟
أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة الثلاثة عشر عاماً في دعوة قومه لدين الله بمنهج سلمي باذلاً في سبيل ذلك جل وقته متنقلاً بين القبائل عارضاً نفسه ودعوته لذوي الألباب ، لم يأمر أتباعه فيها يوماً أن يستلوا سيوفهم من أجله أو حتى من أجل رفع الوزر عن كاهل الدعوة ، بل تجده يأمرهم بالصبر على الابتلاءات ويهون عليهم ذاكراً لهم معاناة من قبلهم من الرسل وأتباعهم.
ورغم أن الدعوة انتشرت بهذه الطريقة وكان لها الأثر الطيب في النفوس إلا إنها لا تقارن بمن أعلن قبوله ورضاه بدين الله حين رأى قوة المسلمين بل تجد أعتى الكفار لا يتردد في قبول دعوة الإسلام فهي دعوة قوية لا تحتاج لنقاش.. أما من فاته الإيمان في الحياة الدنيا تجده مستسلما ( بل هم اليوم مستسلمون ) حين عاين برهان ربه ولا أعتقد أن البرهان يبتعد كثيراً عن معنى القوة المطلقة للقوي العزيز.
في الحركات الإسلامية تجد أن الحركة التي تمدها القوة مثل الحركة الوهابية قد أقامت لها دولة وعم منهجها وسلوكها أركاناً لم تكن تحلم بها لو أنها لم تجد الدعم العسكري والمادي القوي من آل سعود.
أما في الحياة الاجتماعية وفي حدود الأسرة الصغيرة ، تجد أن من يمتلك سطوة القوة ( ربما الشخصية أو المادية ) له السبق في إدارة المنزل وتسيير أموره، بل تجد الأبناء ينصاعون للعنصر الأقوى.
( المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) يُفسر الشيخ القرضاوي الحديث بقوله: (يظن بعض الناس أن القوة هنا قوة الإيمان، ولكن ليس هذا المراد، فالحديث يتحدث عن مُؤمنين … ولهذا قال: “المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف”، ثم قال: “وفي كل خير”، لأن كليهما مؤمن … فالمؤمن القوي … القوي في شخصيته، القوي في إرادته، القوي في تفكيره، القوي في بدنه، كل أنواع القُوة مطلوبة من المسلم؛ لأن الإسلام هو دين القُوة، دين الجهاد، دين العزَّة والكرامة، فهو يُريد لأبنائه أن يكونوا أقوياء..)
في عالم الاقتصاد إنّ للدعاية قوة تغلب الجودة والصلاح يدفع بالأصلح للانزواء بعيداً عن السوق أو حتى الاعتزال نهائياً ، وإن قلنا أن الكل يعرض بضاعته وعلى الزبون تحديد الأنفع فإن منطق القوة الدعائية يكون قد ربح الكثير جداً ومضى في طريقه مخلفاً الأصلح والأجود خلفه بمسافات طويلة.
أخيراً يبدو أن لكل عنصر بشري أو مادي تأثير وقبول لدى المتلقي تُوجب أن يكون مقترناً بالقوة.
وعوداً على ذي بدء هل البقاء للأقوى؟ ومن هو الأقوى؟ أم للأصلح وهل يصلح بقاء من ليس له قوة تواكب الصلاح؟
هل هناك طرف ثاني في معادلة القوة؟ وهل القوة مقترنة عندنا بكونها غاشمة؟
متى تكون غاشمة ومتى تكون عادلة؟
أليس في كل صفة من الصفات جانبان أحدهما قوي نحترمه والأخر ضعيف نستهين به؟ وفي كلتا الحالتين عقولنا وغرائزنا تدفعنا لنسج الفكرة حول نوع القوة وأثرها!!
من ينقض القوة أنكاثا ومتى تنقض؟ القوة تنمو حيث نشاء وبدفع منّا وتتوجه الوجهة الصحيحة إن ساندناها بعقد يوافق عليه الطرفين ـ القوي والخاضع له ـ ولنا في قوة وجبروت يأجوج ومأجوج عبرة فقد كان لسلطان قوتهم أثر على من جاورهم ، فاستعانوا بمن يمتلك قوة عادلة متكاملة الجوانب أي قوة مضافة إليها قوة المال والسلاح والقدرة وبتعاون ودفع من الخاضعين بني سد حرم الأقوياء المفسدين من بسط نفوذهم ونشر فسادهم.
لكن إذا كان الخضوع للقوة عقلانية فقط ، فما الذي صيّر من الصحابي الجليل بلال بن رباح أنموذجاً لمقاومة القوة الغاشمة.. هل يجوز لنا أن ننفي عنه صفة العقلانية أم جوهر الفكر الذي امتلكه أعطى لإنسانيته مظهرا قوياً فبتخلصه من العبودية إلا لمن يستحقها وهو الله وضع عنصراً روحانياً لمعادلة مادية قصيرة العمر وعرف بغريزة البقاء أنه خالد في نعيم القوي الدائم مقابل عذاب يمارس ضده وقتياً فان.
شاركاقرأ أيضا:
التصنيفات: من بحر الحياة








اصبح مفهوم القوه فى اذهان الكثيريت مترادفا للظلم
وتكونت صوره ذهنيه فى عصور التخلف – نظرا لحالة الضعف التى مُنى بها العالم الاسلامى-أن القوه لا بد وان تكون مقرونه بنوع من الظلم
وغابت صورة القوى العادل ولم تعد الا اساطير نسمعها او نقرا عنها فى الكتب
و عليه فإن كان حديث النبى صلى الله عليه وسلم يدعوا المؤمن الفرد والمؤسسه ان يكون قويا
وإذا كانت المجتمعات لا تفهم الا لغة القوه
فإن على الحركات الاسلاميه اليوم ان تحقق المعادله الصعبه القوى العادل
ويكفى ما سكبناه من الدموع ويكفى الاستمرار فى الشعور بالم الضحيه والعذابات على الدوام
بوركتم
موضوع متميز جدا بارك الله فيكِ
ن مفهوم القوة يختلف من زمن الى زمن ومن حضارة الى حضارة ومن مجتمع الى مجتمع آخر… لكن يبقى مفهومنا للقوة كمسلمين هو الحكم بكتاب الله وسنةرسوله وبالعدل والانصاف وبالاخلاق العاليةفها هوعمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان فويا بتمسكه بكتاب الله وسنة رسوله قويا برجاحة عقله وعدله قويا بايمانه بمبادئ تمسك بها فرضخت له الامصار فكان مجتمعا مازلنا نباهي به الدنيا
لكن زماننا ووقتنا فرض علينا قانون الغابة في القوة فهاهم من يملكون السلاح يبيدون من لايملكونه وهاهم الاغنياء يهينون الفقراء واصبح البشر حيتان كبار ياكلون الصغار …
وعندما تسال ولدك عن معنى القوة يقول لك هو من يمتلك اعتى انواع السلاح ويحمله ويضرب به من يشاء استحق الضرب ام لم يستحقه وهو الذي يملك الاموال الطائلة يغير بها الاتجاهات ويذل بها الرقاب..
وها نحن ننتظر معجزة ذو القرنين لتخلصنا ممن استباحوا ارضنا وسماءنا ودماءنا بقوة غاشمة ظالمة فعسى أن ياتي قربا”"”"”"