حتمية الصراع في غياب الأمة الوسط
يقظة فكر | ديسمبر 15، 2009 | التعليقات: 5
قلم : د. يحيى نعيم – يقظة فكر
يقول ابن خلدون في مقدمته بأن (الاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافهم إياهم ), وقد كان من المفترض أن يقوم هذا الاجتماع علي تعاون وتكامل وتكافل البشرية جمعاء لتحقيق هذا المراد الإلهي, وخلق حياة حافلة بالعطاء المتبادل, ومصانة بالقيم والأخلاق الفاضلة. غير أن واقعنا المعاش يثبت عكس ذلك تماماً, ويعج بصور مفزعة ومؤلمة من الصراعات بين بني الإنسان, من اعتداء علي الممتلكات وسلب للحقوق, ومن ظلم للضعفاء وانتهاك للحرمات, ومن خيانة للعهود وتضييع للأمانات, وغير ذلك مما يوجع الفؤاد ويدميه.
لاشك أن التدافع بين البشر سنة كونية, نظراً لما يقوم عليه اجتماعهم من تنوع واختلاف في الغايات والدوافع, وآليات التدافع وقواعده الحاكمة, في ظل نُدرة نسبية في الموارد, أو ما قد يُميز به الخالق لحكمة بالغة البعض دون الآخر، كل ذلك جعل الصراع بين البشر حتمي, وحقيقة لا يمكن تغافلها أو القفز فوقها. ولكن من المؤكد أيضاً أن الخالق العظيم لم يخلق الحياة عبثاً, لتفنى الخليقة جراء هذه الصراعات, ولا يُرضيه جل علاه أن ينتصر الباطل علي الحق في معركة التدافع الأزلية..
لذا قضت العدالة الإلهية بوضع قواعد حاكمة وحدوداً صارمة لضبط هذا الصراع البشري, والمحافظة عليه تدافعاً محموداً يحقق الاستخلاف والعمران, وكذا بيّنت و أرشدت أهل الحق لعوامل البناء والنصر في صراعهم مع الباطل والفساد, وكان ذلك هو دور الأنبياء والرسل.. فكلما طغت البشرية وتجاوزت المدى, ومادت السفينة بمن فيها, بعث الله من عباده الصالحين من ينبّه ويقوّم ويعيد للحياة توازنها, ليس هذا فحسب بل ويؤّهل في قومه أمّة من البشر, ليكونوا تجسيداً للتعاليم الربانية, ونبراساً للهداية, ودعاة للحق والعدالة.. وليحملوا من بعده الرسالة, ويحرسوا القافلة الإنسانية من الانتكاس والارتكاس عن درب الهداية…
فإذا ما دار الزمان دورته, وعلا الباطل لضعف أو تخاذل من حراس السفينة, جاء نبي آخر لُيبين للناس ويردهم لطريق الحق والرشاد. إلي أن شاءت الإرادة الإلهية بانقطاع حلقة الوصل بين السماء والأرض, وختم الرسالات, فبعثت رسولاً هادياً رحمة للعالمين, وحمّلت أتباعه رسالة السماء للأرض إلي قيام الساعة, فجعلت منهم خير أمة أخرجت للناس, وكلّفتهم أن يقودوا الركب الإنساني ويحفظوا للحياة توازنها وفضيلتها…
وهنا أضع القلم لأقتبس من كلمات الشهيد سيد قطب في الظلال ما يوضح لنا دور هذه الأمة المُناط بها تأديته بين الأمم في تفسيره لقوله تعالي: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110).. إذ يقول:
“إنّ التعبير بكلمة “أُخْرِجَتْ” المبني لغير الفاعل , تعبير يلفت النظر. وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة , تخرج هذه الأمة إخراجا ; وتدفعها إلى الظهور دفعاً من ظلمات الغيب. . إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى , لطيفة الدبيب . حركة تخرج على مسرح الوجود أمة ذات دور خاص. لها مقام خاص , ولها حساب خاص.
(كنتم خير أمة أخرجت للناس). .
وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ; لتعرف حقيقتها وقيمتها , وتعرف أنها أُخرجت لتكون طليعة , ولتكون لها القيادة , بما أنها هي خير أمة. والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض . . هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها , وتحتمه عليها غاية وجودها . واجبها أن تكون في الطليعة دائما , وفي مركز القيادة دائما . ولهذا المركز تبعاته , فهو لا يؤخذ ادعاء , ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له . . وهي بتصورها الاعتقادي , وبنظامها الاجتماعي أهل له . فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي , وبعمارتها للأرض – قياما بحق الخلافة – أهلا له كذلك . ومن هذا يتبين أنّ المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمّة يطالبها بالشيء الكثير; ويدفعها إلى السبق في كل مجال . . لو أنها تتبعه وتلتزم به , وتدرك مقتضياته وتكاليفه.
وفي أول مقتضيات هذا المكان, أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد . . وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فهي خير أمة أُخرجت للناس . لا عن مجاملة أو محاباة , ولا عن مصادفة أو جزاف – تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا – وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون: (نحن أبناء الله وأحباؤه). . كلا ! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر , وإقامتها على المعروف , مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر:
(تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). .
فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة , بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب , وبكل ما في طريقها من أشواك . . إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد . . وكل هذا متعب شاق , ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ; ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة . .
ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم , والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر . فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي . فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل . ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر , وللفضيلة والرذيلة , وللمعروف والمنكر . يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال”. انتهت درره رحمه الله
من هذا يتضح ما خسره العالم من تقاعس الأمة الوسط عن حمل رسالتها وأداء واجبها المناط بها, فما نراه من غياب لقيم العدل والمساواة بين الأمم وبداخل المجتمع الواحد, ما نشاهده من صراعات كارثية بين البشر, تُضيّع فيها الحقوق, وتُسلب الحريات, وتُزهق أرواح الأبرياء والضعفاء, وما نراه من تمادي في الطغيان والظلم والتجبر في الأرض بغير حق..كل هذا ليس لقوة في الباطل وضعف في الحق, حاشا لله..بل هو بالأساس لضعف في حَمَلة الحق وأنصاره, ولتقاعسهم عن البذل والعطاء لرسالتهم, وتغافلهم عن حقيقة دورهم, وركونهم للحياة الزائفة وحرصهم عليها, ولتنكبهم الصراط المستقيم, ومصادماتهم لسنن الحياة وأسباب التمكين...كأنهم يريدون الريادة والسيادة هبةً واعتباطاً.. وما كان للعدل الإلهي أن يسمح بذلك أبداً..
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي -رحمه الله-: (لم يكن انحطاط المسلمين وزوال دولتهم وركود ريحهم -وهم حملة الرسالة, وهم للعالم البشري كالعافية للجسم الإنساني- انحطاط شعب أو عنصر أو قومية, فما أهون خطبه, وما أخف وقعه, ولكنه انحطاط رسالة هي للمجتمع البشري كالروح, وانهيار دعامة قام عليها نظام الدين والدنيا…)
ونحن اليوم إذ نشكو ونئن لعلو الباطل وغياب العدالة وقيم الفضيلة, فإننا مُكلّفون كجيل, شباباً وشيوخاً, رجالاً ونساءً أن نسعى لإيقاظ الأمة من سباتها العميق, لتنهض وتستعيد ريادتها بين الأمم, وتحول دون أهدار الحقوق وتفشّي المظالم والصراعات المُهلكة للحرث والنسل بين البشر, بما يحفظ للحياة توازنها وفضيلتها..ويحقق للأمة دورها ورسالتها.
ويبقى هذا التكليف فرض عين علينا جميعاً, كلٌ بما يُسّر له لا يُسقطه إلا بلوغ الغاية, وتحقيق المُراد وأداء الأمانة التي استودعنا الخالق إياها, وأيما فرد تخاذل أو أدعى انتفاء القدرة علي الدعم والنصرة والعمل لإنجاح مساعي النهضة والإصلاح فهو آثم في تصوري, فما من أحد إلا وقادر علي النفع, ومسارات العمل المتنوعة تستوعب كل الطاقات, ومن يصدق الله يصدقه.
شاركاقرأ أيضا:
التصنيفات: السياسة .. تحت المجهر • بوابة يقظة فكر • مختارات









فتح الله عليك. يجب أن نكثر من هذا النوع من المقالات التي تساعد على نشر ثقافة بذل الجهد بين نفوس الشباب من أجل اعادة احياء الأمة وانقاذ البشرية جمعاء.
جهد مشكور ومطلوب لبعث روح اليقظة فى فكر الامة اناأرى يأخى الدكتور يحيى ان منهج الوسطية يفرض علينا صراعا حتميا مع الاخر وما وصلنا اليه من هوان وضعف وغياب العدالة وعلو الباطل الا نتيجة لتقاعسنا عن ادارة ذلك الصراع الحتمى وكلمة الحتمى تعنى انه مفروض علينا بقواعد المنطق وطبيعة الاشياء انه تكليف لنا من رب العزة بادارة هذا الصراع باتباع المنهج الألهى كما ورد فى القران الكريم وألا نحيد عنه الامة الوسط ليست امة كسولة او متراخية بل امة نشطة متأهبةدائما امة منتجة وليست امة مستهلكة امة رائدة ولبست امة تابعة امة التشاور وليست امة الرأى الاوحد والزعيم الاوحد امة الخطاب المباشر والصريح وليست امة المداهنة والتلميح والتعظيم والتفخيم امة الصدق وليست أمة الكذب امة الحساب وليست امة الغفلة امة تعمير الارض وليست امة تلميع الارض امة الرحمة وليست امة الظلم امة متجددة وليست امة متهالكة امة النفع وليست امة الضرر امة الكلمة الموجزة والناجزة دون أطناب وأسهاب وتميع امة قانونها الحياتى يقول اذا كان للشر أنياب من أظافر فان للخير أنياب من حديد امة تجنح وتسلك الى منهج الخير وتعلم فى نفس الوقت ان الخير أن لم ينبت خيرا فلا خير فيه هذا هو مقياسها مع ذاتها قبل الاخرون امة رسالتهانشر الحق ونشر الفضيلة ونشر العلم للناس كافة امة تمارس الكياسة والفطنة وليست امة البله والغفلة امة تعمل كثيرا وتتكلم همسا وقليلا
اخرجت للناس، اشارة الى نائب الفاعل التي هي الامة، انها المكلفة بالمهمة، اعمار الارض تجسيد النموذج العملي للدعوة الى الله ، تجدد الآليات والوسائل، هذه الامة ليست قوما معينون ولا بقعة محصورة بحدود سياسية ، او رقعة جغرافية، انها وطن يسكن في قلوب ويشتهر بسلوك، تخرج الامة النموذج عند فاعليتها في حمل المهمة وتخبو عند ابتعادها وتخليها، تأمرون لايدل على الفوقية والسلطة وانما يتحد مع السياق الذي بدأت به بكلمة كنتم واخرجت، أي تضعون امام الناس ما لايمكن ان يرفض، فيكون امرا ونهيا عمليا له كينونة ووجود، سلوك القدوة، هذا اسلوب التعامل مع الانسان الذي كرمه الله وهو مخير بالخطاب الرباني بأن من الافضل لك ان تؤمن وانت ترى الحقيقة، ولا تكن من الذين يرون الحق ويعلموه فينكروه، ان القرآن كما نزل على قوم لم يكونوا حاملين له جديد عليهم فهو اليوم ومع التقدم التقني والاعلامي ، يدعو كل الناس من حمل اسمه ومن لا يحمله، من حمل اسمه ان يفهم معناه ويجسد القرآن بخلقه، ومن لم يحمله ليرى هذا التجسد، اذن هنا تكمن اهم وسائل الدعوة في تجسيد الفكر وليس حمل الاسم وراثة ، في فهم معنى العبادة واهميتها في حمل المهمة وليس تنفيدها كعادة وكأنها انعزال عن الحياة، المسلم حين يصلي لاينظر لمفهوم سائد انه ينعزل عن الوجود حوله ، بل هو يجمع الوجود حوله ويركز وسيلة التفاعل معه الوجود وهي العقل لتستمر في حمل المهمة، الفروض ليست اوامر اجبار بل هي دلائل القوة، من اجل هذا قال رسول الله ارحنا بها يابلال ، والا لو كانت طقوسا وحركات لكانت الاراحة منها وليس بها، هي ليست اشباعا لغريزة فقط بل تنظيم الغريزة وتجنيدها للمهمة…..بارك الله فيك د. يحيى وفي اخوانك من الذين سبقوني بالتعقيب
دكتور يحيى .. مهندس محمد صالح جمعنا الله وإياكم على الخير دائما
أظن أن هذه المقالة تعد بمثابة نقطة نظام نحتاج إليها ونقف معها لإعادة ترتيب أفكارنا وأولوياتنا
اسأل الله العظيم أن يستعملنا وان يجعلنا أهلا لاستعماله لنا… اللهم أمين
رائع هذا المقال..
حيث فيه الدعوة إلى تفعيل دور الفرد… والتوقف عن لوم المجتمع والحكومات والناس …
“وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ; لتعرف حقيقتها وقيمتها , وتعرف أنها أُخرجت لتكون طليعة , ولتكون لها القيادة , بما أنها هي خير أمة. والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض . . هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها , وتحتمه عليها غاية وجودها . واجبها أن تكون في الطليعة دائما , وفي مركز القيادة دائما . ولهذا المركز تبعاته , فهو لا يؤخذ ادعاء , ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له . . وهي بتصورها الاعتقادي , وبنظامها الاجتماعي أهل له . فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي , وبعمارتها للأرض – قياما بحق الخلافة – أهلا له كذلك . ومن هذا يتبين أنّ المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمّة يطالبها بالشيء الكثير; ويدفعها إلى السبق في كل مجال . . لو أنها تتبعه وتلتزم به , وتدرك مقتضياته وتكاليفه.”
^
الفقرة الأروع..
الإشارة إلى أهمية التقدم العلمي لاستحقاق مقام الريادة إشارة مهمة ورائعة من الدكتور …
إذا العقيدة والنظام الاجتماعي والتقدم العلمي وعمارة الأرض كله ينبني بثبات أولا ثم تسود الأمة …
تحية لفكر كهذا… نفع الله بكم..