banner ad

الهجرة .. رسالة في فقة الواقع

1431

كتب : عمرو عبد الباري – يقظة فكر

تمر علينا كل عام ذكرى الهجرة النبوية ، هذه الذكرى التي تمثل قبساً حقيقياً من قبسات تاريخنا العريق الحافل بالكثير من هذه الأحداث التي تحمل بين طياتها ملاحماً فكرية وحضارية يجدر بحاملي لواء إقامة الحضارة أن يقفوا أمامها وقفة الدارس المتأمل الذي يكتب وثيقة حاضره بمداد ماضيه لتكون معزوفة متناغمة من الإبداع يحملها أساس ثابت من الخبرات والهوية الواثقة الراسخة ، وتكمن أهمية الهجرة بين هذه الأحداث أنها أتت بين مرحلتين متباينتين من مراحل إقامة هذه الحضارة الإسلامية الغراء ، وكانت نقلة نوعية لهذه العصبة المؤمنة وجاءت بعدها انجازات متتالية وخطوات مبهرة في إقامة هذا الصرح العظيم.

ومع تكاثر الدروس والفوائد من هذه الحادثة العظيمة ، آثرت أن نقف هنا مع طيف واحد من هذه الأطياف اللامعة ، والذي يمثل نبراساً متوازناً لحاملي هم هذه الحضارة الإسلامية في فقه قراءة الواقع وإعادة تقييم المساحات الفاعلة في طريق نهضتهم ودعوتهم ، ويضرب مثلاً جديراً بالاقتداء في المرونة الحقيقية في مواجهة العقبات والأزمات التي كانت ولا تزال تعترض كل صاحب فكرة تتعارض حقيقة فكرته مع مصالح وأهواء غيره ، ولا سيما إن كانت الفكرة هي نفس الفكرة، والهدف هو نفس الهدف وربما كانت العوائق متشابهة إلى حد كبير في تأثيرها على سير الحركة.

إن خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة والتي تمثل بلدته التي ولد فيها ، ونزل عليه الوحي فيها أول ما نزل ، وفيها كعبة الله المشرفة ، بل كانت تمثل المقام الأول والوطن لحاملي الدعوة ومعتنقي الدين الإسلامي في هذه الأيام ؛ خروج النبي من هذا كله إلى دار أخرى يحمل في حقيقته رسالة واضحة إلى حاملي هذه الحضارة مفادها الرئيسي هو ضرورة وضوح الهدف و بيع الوسائل كلها فداءً له ، وكما أن الاسلام حرّم عبادة الأوثان فإن عبادة الوسائل من أولى المحرمات في طريق هذه الدعوة.

عندما بدأ النبي دعوته في المجتمع المكي كانت المرحلة تتطلب مثابرة لتكوين مجموعة من الرجال يؤمنون بهذه الدعوة إيماناً  أشد من إيمانهم بذواتهم ، ويصبرون على أي إيذاء أو إغراء يُقصد من ورائه إثنائهم عن توحيد الله عز وجل ، ولذا كان كافيا ومرضياً  القيام بدور المبشرين والناصحين في أقوامهم وتعبئتهم نفسياً وروحياً لتحمل الاضطهاد من أعدائهم والثبات على مبدئهم أمام طوفان الكفر والإلحاد الذي كان يضرب بجذوره في مكة .

تطلب الحال بعد ذلك تطويرا واتساعا أكثر من ذلك ، فقد كان على المسلمين أن يقدموا نموذجا حقيقيا لمجتمع إسلامي متكامل ، ليكون مركز إشعاع حضاري وبؤرة فاعلة لغيره من المجتمعات الموجودة وقتها ، ولم تكن مكة ولا المناخ السائد فيها ملائما لتجاوز هذه المرحلة بنجاح وفاعلية ، فكان قرار الهجرة بمثابة تحرر من كثير من القيود السياسية والفكرية ، ومناورة استراتيجية رائعة اثبتت فاعليتها وجدواها ، وربما كان هذا القرار يمثل للبعض مغامرة جريئة غير محسوبة العواقب ، ولكنها كانت بداية الانطلاق الحقيقي لهذه الفكرة المباركة ، وبداية تكوين المجتمع الرباني الذي شهدت له الدنيا كلها بعد ذلك.

لم يكن التخلي المرحلي عن مكة بمثابة إهمال لها ولا جحودا لفضلها ، ولا تنازلا عنها مع أهميتها ومكانتها في الدعوة ، ولكنه كان قرارا مؤقتا لم يخل بهدف الرسالة الأعظم وحقيقتها القائمة ، ودليل ذلك عودة النبي صلى الله عليه وسلم إليها فاتحا بعد سنوات من المقام في دار الهجرة ، وتحطيم أصنامها ، وإعادتها رمزا عقائديا خفاقا ، وحقق النبي بذلك نصرا هادئا على أعداء هذه الدعوة ، والتي ربما كانت ستظل سنينا حبيسة هذا الإطار المكاني والسياسي الضيق لا تزيدها الأيام إلا تعذيبا وشهداء وصداما مع صناديد قريش ، ولكنها العقلية الواعية التي لابد منها لكل صاحب فكرة وحامل دعوة …

حريٌ بأصحاب الدعوات اليوم أن يتخذوا من هذه الحادثة نبراساً ونموذجاً ، فيحددوا أهدافهم جيداً ، ومن ثم يحررون عقولهم وأفئدتهم من قيود الوسائل أيا كانت ، وأن يجيدوا دراسة المساحات التي يعملون بها وأن يعملوا على تقييمها دائما والولوج بدعوتهم إلى أكثر الميادين فاعلية ، وليس معنى هذا التخلي نهائياً عن المساحات المغلقة ، ولكنها مناورة الواعي المفكر الذي يعرف ما يريده وما ينقصه ،حتى يكتب لهم الفلاح وتكتب لأفكارهم الحياة .

شارك

اقرأ أيضا:

  1. ومضة من الهجرة
  2. الهجرة النبوية والثورات العربية
  3. المهمة. . رسالة إلى المفكرين في زمن الترف الفكري
  4. رسالة المفكر العربي – الجزء الأول
  5. رسالة الأمة.. لو كنت مصريًا لقلت!

التصنيفات: مختاراتمن بحر الحياة

خلاصة RSSالتعليقات: (12)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. محمدصالح قال:

    لم تك الهجرة امرا ارتجاليا بل سبقته حركات دالة عليه، ليس الغاية هي الابتعاد عن الخطر بل الغاية الواضحة هي النصرة لتشكيل دولة الاسلام، مراجعة لسفر رسول الله الى ملاقاة اقوام ، ربما لم يركز التاريخ الوصفي على هذا لكنه موجود في السيرة، لقاءه مع بني شيبان، وبني عامر، تبيانا كاملا لامرين، انه صلى الله عليه وسلم كان يريد انصارا وكان يريد ان يقيم كينونة وتمكين، وان من يقوم بهذا لابد ان يملك الامر فكره وطاقاته ، وكانت هدية الله قدوم الانصار، في بيعة العقبة الثانية نجد ان القرار بتشكيل كينونة الدولة قد اتخذ، وكانت الهجرة تنفيدا للقرار…كانت تجربة حية وواقعية لتشكيل الدولة وتراتيبها الادارية في مكان فيه تنوع وخلافات واختلاف، فيه الدستور المستمد وكيفية اخراجه بما يحل مشاكل الواقع، نعم فقه الواقع..الهجرة ليست دروسها قليلة ولعلي انصح بزيارة هذا الرابط وهو من اول مقالات موقع يقظة فكر للاستعادة والافادة بهذه المنسبة الطيبة
    http://feker.net/ar/2009/05/26/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%86%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d9%8a%d8%a9%d8%9f/
    كيفية قراءة السيرة

  2. نشأ رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى بيت عمه ابو طالب و فى حميته وكان لعمه قدرا كبيرا لدى قوم قريش ثم تزوج عليه أفضل الصلوات و السلام السيدة خديجة بنت خويلد وكان لها نفس القدر لدى قوم قريش وهبط الوحى السماوى عليه بعد ذلك و بدأ نشر الدعوة بين الناس مما اثار عليه المعارضون ولم يتعرضوا له تقديرا لشأن عمه وزوجته وبعد وفاة عمه وزوجته اشتدت المعارضة و التعرض الى ان دعا الله دعوته المشهورة بالطائف فأستجاب الله له و أسرى به فى رحلة الاسراءوالمعراج وتم لقائه بالحقيقة المطلقة والعلم المطلق واليقين المطلق سبحانه وتعالى عن كل وصف أو صفة وأعيد الى الارض متذودابكل أسباب القوة لكنه وهو من هو عمل بأسباب الدنيا حيث كان الزمان والمكان فى غير صالحه فهاجر وهو من هو سرا وليلا وهنا الدرس الأعظم للمسلمين بمراعاة قوانين الدنياواسبابها عندما يفرض عليهم صراع او تحدى بالأخذ بالتفكير والتدبير والتخطيط للعمل من اجل الحصول على القوة باستغلال ما أودعه الله فينا جميعامن نعمة وشرف ألا و هو العقل البشرى الذى تميزنا به عن سائر المخلوقات تلك رؤيتى من زاويتى الخاصة لدرس الهجرة هل لنا أن نتأسى بالرسول الكريم الاسلام دين العقل دين القوة دين العمل دين الجماعة دين التأخى دين العزة

  3. د. يحيى قال:

    بين يدي الهجرة النبوية العديد من المعاني والاستنتاجات التي استوقفتني منها..

    - تؤكد الهجرة علي حقيقة أن إقامة الدولة المسلمة, وما يلزمها من نشر وتوضيح للرسالة كفكرة ومنهج حياة, أمر جد عسير في ظل سيطرة الباطل علي الأوضاع واستعباده للبشر, ذلك أن قوى الباطل تدرك جيداً بأن فناءها في تمكن هذه الرسالة من النفوس, ومن ثم فهي لا تألوا جهداً في الحيلولة دون تبليغها, وتكريس العبودية لغير الله, وتربية الناس علي الخوف والخنوع والصغار..

    لذا جاءت الهجرة كشاهد نفي علي ما يدعيه البعض من إمكانية إقناع السواد الأعظم من المجتمع بدعوتنا, وهم تحت سلطان الباطل وإغواءه وبطشه.. واشتراط سلامة العقيدة وتغلغل الإيمان في الشريحة الأكبر منه ومن ثم الثقة الكاملة في الدعم والنصرة قبل التفكير في العمل لإزاحة الباطل ومدافعة سلطانه…

    فلو كان ممكناً حدوث هذا التحول في البشر, وهم يرضخون لسلطان الباطل, لما كانت الحاجة للهجرة.. ولكان أحرى بالرسول الكريم البقاء بمكة حتى إحداثه, وهو إمام الدعاة وأعظم البشر قدرة علي تأليف القلوب واستمالة النفوس..

    ولو كان تغلغل الإيمان وسلامة العقيدة, لدى الشريحة الأكبر في المجتمع, شرطاً واجب الاستيفاء قبل الإقدام علي بناء الدولة المسلمة, لما هاجر الرسول للمدينة إلي أن تستوفي نفوس الأنصار حظوظها من ذلك الفهم والإيمان..

    بل كيف سيتغلغل الإيمان وتصح العقيدة, والحق لا تحميه دولة, وسيف الباطل مُسلط علي الرقاب, وقوانينه تحمى الفساد, وإعلامه يبث الفتن ويجيد بلبلة العقول وتسطيحها..؟؟ خاصة في بلاد لم يعتد أهلها علي الثورة بل طبعت نفوسهم علي الاستكانة للحاكم كمصر وغيرها..

    قناعتي الخاصة أن هناك خلل في ترتيب المراحل في المشروع الإسلامي, وذلك بتقديم المجتمع المسلم علي الحكومة والدولة المسلمة, إذ أن المجتمع المسلم لن يكون بصورته المؤمّلة إلا في ظل الحكومة والدولة المسلمة بهيئتها المنشودة..

    والمطلوب هو تربية وتأهيل أبناء الحركة والبلوغ بهم كماً وكيفاً لحد القدرة علي التغيير دون التعويل علي أحد, وترسيخ هذه القناعة في نفوسهم وهي أن التغيير مسئوليتهم لا مسئولية المجتمع بعمومه, وأن والبذل لتحقيقه قدرهم لا واجب العوام من الناس.. فإما أن ينجزوا مهمتهم, وإما أن ينتظروا الاستبدال بقوم له أهل..أما التفريط ثم تحميل عموم المجتمع المسئولية عن العجز و وصمهم بالتخاذل فهو نوع من الحيلة النفسية والتبرير المخادع..

  4. محمدصالح قال:

    بارك الله فيكم جميعا واحسنت دكتور التوصيف ثلة قليلة ، تروم وتتطلع الى الفهم ايمان نامي، اذن تقام الدولة….ولكن اضيف جملة بثلاث كلمات(وفق سنة التدرج) الدولةالاسلامية المتكاملة فيها ولاية الامة وحاكمية الشريعة، وبذهاب ولاية الامة خفت وتضاءلت فاعلية المجتمع لنصل الى فقدانتدريجي ونهائي لحاكمية الشريعة….علينا فهم الشريعة واستنباط العلاج، والتأكد اننا لانضع قالبا له صفات محددة والا سنكون كمن يدخل التجارب الاخرى، من اجل هذا كان لسنة التدرج مكانة متصدرة عند التفكير باقامة دولة الاسلام لتحقق الرضا والفاعلية ولا تكون منظومة ضائعة تقاوم التحديات الداخلية والخارجية بلا آليات وحلول…الحمد لله الذي حبب الينا التفكر ،وايد الاسلام بنفر من اهله وحب في القلب استقر عند كثير من الناس عقلا وليس محض استجابة لغريزة وضعها خالق البشر في البشر…هدانا الله واياكم لما يحب ويرضى …آمين

  5. احمد منصور قال:

    شكرا لكاتب المقال د.عمرو
    وبالنسبه للمداخله القيمه للدكتور يحيى

    “والمطلوب هو تربية وتأهيل أبناء الحركة والبلوغ بهم كماً وكيفاً لحد القدرة علي التغيير دون التعويل علي أحد, وترسيخ هذه القناعة في نفوسهم وهي أن التغيير مسئوليتهم لا مسئولية المجتمع بعمومه”

    اتفق معك اخى الكريم على ان شكل التربيه ربما يتغير تماما لو كان الهدف منها هو اقامة دوله مسلمه فى الزمن القريب وليس مجرد هدف غير مزمن بزمن او سطور فى صفحات الكتب
    وذلك وفقا لترتيب المراحل الذى تظنه وهو اقامة الدوله المسلمه قبل ايجاد المجتمع المسلم بل ان مواصفات هذا المجتمع التى نقرا عليها فى الكتب والتى اصبحت اضغاث احلام لا يمكن لها ان تتحقق الا فى ظل وجود الدوله المسلمه فهى المنشاه لهذا المجتمع وهى ايضا الحاميه لقيمه ومواصفاته

    لكن لربما يعترض معترض ويقول ان الاستشهاد بهجرة النبى (ص) ربما يخالفه الصواب إذا وفقا لنظريتكم فإن الدوله قامت فى النموذج النبوى قبل المجتمع وربما يرى البعض ان مجتمع المدينه تكون اولا قبل قيام الدوله وما كانت هذه الهجره الا تتويجا لنجاح قيام هذا المجتمع؟
    كل يرى الامور من زاويته ومن خلال منظومة افكاره
    والسؤال المطروح فى ظلال الهجره النبويه من سبق من
    الدوله قبل المجتمع ام المجتمع قبل الدوله؟
    ننتتظر اثرائكم وتفاعلكم
    وشكرا لادارة الموقع المتميزه على ولكاتب المقال

  6. محب عبد الرحمن قال:

    سؤال يحتاج الى اجابه حتى تتضح الامور حقا
    مع عمل مقارنه بالوضع الحالى ومراعاة كافة التغيرات
    من سبق من الدوله قبل المجتمع ام المجتمع قبل الدوله؟

    مستمتع معكم

  7. د. يحيى قال:

    (2)
    من المعاني التي استوقفتني أيضاً في حادثة الهجرة النبوية, ذلك الحرص النبوي بتوجيه رباني علي العمل في إطار الأسباب والإحاطة الدقيقة بها, وهو ما نراه جلياً في الإعداد والحركة والكمون, وفي توزيع الأدوار ودقة تنفيذها..فإذا ما تم للإنسان حسن التوكل كانت معية الإله وحفظه وتوفيقه..

    قد كان في مقدور الله عز وجل وهو الذي لا يعجزه شيء في الأرض والسماء, وهو الذي أمره بين الكاف والنون أن ينقل نبيه من مكة للمدينة في طرفة عين, وكيف لا؟!! وهو الذي أسرى به من البيت الحرام للمسجد الأقصى وعرج به السموات السبع في جزء من الليل!!
    غير أن الرب الحكيم أراد لنبيه أن يكون قدوة لأتباعه وأمته في حسن التوكل, والسعي لإنجاز الأهداف في حدود القدرة البشرية, دون انتظار لمعجزات أو إسراف في خيالات..

    حتى في الرحلة المعجزة من البيت الحرام للمسجد الأقصى لم يغب عن خاطره صلوات ربي وسلامه عليه ربط البراق بحلقه باب المسجد!!!
    أدار بخلد الرسول الكريم وهو في هذا المشهد المُعجز, وهي الدابة المأمورة, أنها قد تهرب أو تتحرك قيد أنملة علي غير الذي اُمرت به؟؟!!

    ولكنه مردود الإيمان والقناعة بالمبدأ عندما يستقرا في النفس, فتأتي الأعمال بتلقائية شاهده عليه ومؤكده له..وهو التوجيه النبوي لأمته, ومن يحملون علي عاتقهم مهمة الإصلاح وحفظ الرسالة من بعده إلي قيام الساعة..

    فمتى نرى في دعاة النهضة وأبناء الحركة الإسلامية, شواهد الإيمان بأهمية الأخذ بالأسباب وضرورة الإحاطة بها في أي عمل دق أو كبر؟؟..سؤال يثير في النفس شجوناً وأسى علي ما نحن فيه من حال وترهل وتمني علي الله بغير حق..

  8. د. يحيى قال:

    (3)
    معني أخير استوقفني بشدة في تلك الرحلة المباركة, وهو مقدار العناء والمشقة التي تكبدها الرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته الأطهار في الارتحال لمسافة تزيد عن 450 كيلو متر, ومنهم الكثيرون بلا راحلة أو زاد..
    كم ليلة باتوها في صمت الصحراء المخيف وهوامه الموحشة, وكم نهار طلع عليهم بشمسه المُحرقة, وفوق هذا وذاك فقد كانت رحلتهم إلي المجهول..ولكنها قوة الإيمان بخيرية الرسالة التي حملوها بين جوانحهم وأحقيتها في الوجود والانتشار, ومنتهى الثقة في الخالق وعظيم التحمل للمهمة التي نهضوا لتأديتها, وكم كانت ومازالت عظيمة هي المهمة..ولكن مضى القوم لحالهم مرضي عنهم, وغثة الحياة من بعدهم بأشباه الرجال!!..
    _______________
    أساتذتي الأجلاء..حياكم الرحمن وبارك بكم
    لي عودة بإذن الله لتوضيح تعليقي الأول كي لا يتم تأويله علي أنه دعوة للتغيير الفوقي وإهمال صلاح المجتمع كعامل ضروري من عوامل التغيير المنشود..وكذا لتوضيح وجهة النظر المتعلقة بترتيب المراحل..
    دمتمــ بكل ود

  9. د. يحيى قال:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ما وددت توضيحه في التعليق الخاص بضرورة مراجعة ترتيب المراحل لدى أصحاب المشروع الإسلامي سواء الإخوان أو السلفيين, هو أن المجتمع المسلم بمعناه المنشود, يستحيل تكوينه في ظل سيطرة الأنظمة الدكتاتورية والحكم الغشوم, وذلك لما تقوم به هذه الأنظمة من مؤامرات خبيثة, ومساعيٍ حثيثة للحيلولة بين الدعاة والجماهير, وما تمارسه من جور عظيم وتعسف كبير في التعامل مع أصحاب المشروع الإسلامي, لقناعتهم أن وجودهم يتهدده تمكن هذه الدعوة في القلوب, وانتشارها بين الناس..

    ولو كان دورها يتوقف عند هذا الحد من محاربة الحق لكان هيناً, ولكنها بوجودها ومن خلال إدارتها لمؤسسات الدولة وسيطرتها علي مقدراتها, فإنها ترعى الفساد وتساعد علي نشره عبر وسائل عدة أهمها الجهاز الإعلامي, وغير خاف لمراقب دوره المؤثر والهادم لأي جهود بناءه, كما أنها تحمى المفسدين وذوي المآرب الشخصية, وتسمح لهم بالتمدد علي جسد الوطن والشعب, لما يوفرونه من دعم مادي ومعنوي لهذه الأنظمة, في نوع من المنفعة المتبادلة علي حساب الوطن ومصالحة, وحرية الشعوب وحقوقها..

    لذا أزعم بأن المسلمة الحركية المتبعة, والتي تضع المجتمع المسلم في مرحلة متقدمة علي الحكومة المسلمة في حاجة للمراجعة والتعديل, ليأتي بعد الإعداد الجيد لشريحة من هذه المجتمع (تُمثل أبناء الحركة وأسرهم) وتأهيلها تربوياً ونفسياً وفنياً لحمل مسئولية التغيير, بعد إتمام هذه المرحلة ينبغي أن يتم تركيز الجهود في عمل سياسي هادف لإقامة الحكومة المسلمة..وهنا يأخذ هذا العمل أحد شكلين في تصوري:
    الأول: إذا كان النظام الحاكم ينتهج الديمقراطية, ويسمح بالتعددية السياسية وتداول السلطة, في ظل قانون انتخابي يعتمد الحرية والشفافية, فصورة الحزب السياسي هي الأنسب والأصلح..

    الثاني: إذا كان النظام الحاكم دكتاتوري كما هو الحال في العديد من البلاد العربية ومنها مصر الحبيبة, فإن صورة هذا العمل المناسبة هي مشروع وطني جامع ذا هدف واضح ومحدد, يتمثل في إزاحة النظام, واستبداله بآخر وطني يسمح بالتعددية وتداول السلطة, ويرعى الحقوق والحريات (بما فيها الحق في بناء حزب سياسي بمرجعية دينية, وحرية التواصل مع الجماهير لعرض الفكرة وتأهيل النفوس)..وهذه المرحلة الانتقالية ضرورية وممهدة لقيام الحكومة المسلمة ومن ثم تكوين المجتمع المسلم فالدولة المسلمة بهيئتها المنشودة بإذن الله..

  10. د. يحيى قال:

    من البديهي أن ما بين تأسيس الحزب السياسي أو المشروع الوطني وإحداث التغيير المنشود, فترة زمنية قد تطول أو تقصر تبعاً لدقة التخطيط, وجدية النشاط, وقوة الخصم, والظروف المحيطة..

    في خلال هذه الفترة يأتي العمل المجتمعي والتلاحم مع الجماهير, كعامل أساسي من عوامل النجاح, وفي خلالها يمكن أن نحرز تقدماً في بناء المجتمع وتأهيله, والتغيير في منظومة العادات المقعدة والسلوكيات الخاطئة التي تحكمه..وهذا في حقيقته يعتبر خطوة ممهدة لقيام المجتمع المسلم الناهض علي نحو ما ننشد..أو بمعني آخر كما يحلو للبعض التسمية, وإن كنت أتحفظ عليها, فإن تحقيق أهداف الحزب السياسي أو المشروع الوطني تتطلب مجموعة من الأنشطة والممارسات المجتمعية, والتي تُشكل في فحواها تربية للمجتمع, ولكنها تربية موجهة لتحقيق هف محدد, وهو ما يسمح بتقييم الأداء. فالنجاح في التغيير وإقامة الحكومة المسلمة أو إزاحة النظام الدكتاتوري, يمنحنا معيارية دقيقة للنجاح في تبليغ الفكرة وحشد الناس عليها, الأمر الذي نفتقده في المسلمة الحركية المعتمدة, والتي تتسم بضعف القدرة علي تقييم الأعمال نظراً لهلامية الأهداف, وبناء المراحل تبعاً لتمدد الفكرة وانتشارها القاعدي من الفرد للأسرة فالمجتمع…في خلط واضح بين مفهوم الهدف كمصطلح وتطبيق, وبين مراحل انتشار المرجعية الفكرية..

    هذا فيما يتعلق بتوضيح وجهة النظر الداعية لإعادة النظر في ترتيب المراحل, أما فيما يتعلق بربطها بحادثة الهجرة وإثبات أنها تتوافق مع منهج النبوة الحركي ففي مشاركة تالية بإذن الله, وعذراً علي الإسهاب والإطالة..

  11. د. يحيى قال:

    أستاذي الكريم أحمد منصور..حياكم الرحمن و جزاكم خيراً علي تعليقكم الهام والمثري للحوار

    يدفعني القول أستاذي بأن الهجرة جاءت تتويجاً لنجاح قيام المجتمع المسلم بالمدينة, كما أشرتم بإدعاء البعض هذا إلي السؤال عن شواهد هذا النجاح, وملامح هذا المجتمع التي قادتنا لهذا التصور..

    فمن المعروف أن المجتمع المسلم بملامحه المنشودة, لم يتأسس إلا بعد الهجرة وقيادة الرسول الكريم له, لدرجة أن دار العبادة, التي تُمثل واحدة من أهم شواهد الإسلام بالمجتمع, وبما لها من دور إرشادي وتثقيفي بجانب التزكية الروحية أُسست بعد الهجرة. والقواعد الضابطة للعلاقات الاجتماعية, والأسس التربوية الموجهة لها, لم توضع إلا بعد الهجرة, وقد هاجر الرسول وبالمدينة أناس كُثر لا يحفظون من كتاب الله ولا يعرفون من أحكام الدين وتعاليمه إلا النذر اليسير..

    فالحقيقة التي أتصورها وأؤمن بها, أن الرسول الكريم إنما هاجر ليقيم المجتمع المسلم بصورته المنشودة والمؤهلة لتمكين الرسالة, وقيادة الأمة الإسلامية للعالم, بعدما استحالت إقامته في ظل قيادة الباطل وسيطرته علي الأوضاع. وعليه فالهجرة النبوية تمثل دلالة قوية علي أن المجتمع المسلم لا يمكن تأسيسه وبلوغ غايته, إلا في ظل حكومة مسلمة تُدير الأوضاع, وتزود عن الحق المطلق والحقوق الخاصة للأفراد,وتصرف شئون الناس, وترشدهم لسبل الخير و الهداية..

    كتبت هذه الرؤية منذ ثلاث سنوات تقريباً بأحد المواقع الطيبة, ولكن لم يتفاعل معها الحضور, وربما كان ذلك لكونها خروجاً عن المألوف والمسلمات, ثم قرأت للدكتور جاسم تأكيداً لهذه المعاني في سلسلة مقالاته الخاصة بقراءة السيرة, وفيها بيّن مفكرنا الحبيب, أن لقاء الرسول صلي الله عليه وسلم بالأنصار للبيعة تضمن عرض الإسلام وطلب النصرة بذات الوقت, في توجيه عملي لضرورة تفهم احتياجات الدعوة وكيفية تمكينها, فالرسول الكريم لم يطالب الأنصار بعد عرضه للإسلام أن يذهبوا ليقيموا مجتمعهم, بصورته التي ترضي الله ورسوله ويكون مؤهلاً للنصرة وبعدها تكون هجرته صلي الله عليه وسلم, بل خبر رسولنا الكريم أن هذا المجتمع بصفاته المنشودة لا يمكن أن يقوم إلا في ظل قيادة راشدة, وهو الأمر الذي انتفى واستحالت القدرة علي تنفيذه بمكة فكانت الحاجة لبيئة جديدة بقيادة ربانية عادلة..

    وبما أن واقعنا المعاصر لا يسمح بالهجرة كخطوة إستراتيجية لتغيير الأوضاع فإن البديل عنها في تصوري هو ما أشرت إليه سابقاً, إما حزباً سياسياً أو عمل وطني تغييري تبعاً لطبيعة الصراع والخصوم القابعين في سدة الحكم..

    ولاشك عندي في أن ترتيب المراحل وفق هذا التصور (الذي سيتكامل توضيحه بالمؤَلف قيد الكتابة والمراجعة بإذن الله) كفيل بإحداث تغير جذري في إستراتجية الحركة الإسلامية ونشاطها, وهو ما تحتاجه الجماعة وبشده للتقدم بقوه نحو إنجاز مهمتها, وكذا للخروج من مأزقها الحالي الناتج عن غياب العمل لأهداف مركزية, وما لذلك من أثر علي درجة النشاط وصرف الطاقات الفكرية والعملية في طاعة, بدلاً مما نراه من حال مؤسف ينم عن فراغ فكري وحركي خطير..

  12. د. يحيى قال:

    أخي الحبيب دكتور عمرو..أعانكم الله وأتم لكم بالخير والتوفيق, لكم هي عظيمة الهمة التي يعطي فيها الإنسان لرسالته ودعوته في خضم المشاغل والواجبات الخاصة, وكتابتكم لهذه المعاني العميقة التي ضمنتها بمقالكم الرائع واستحضار الذهن لها في الظرف الذي تمرون به لخير شاهد علي ذلك..جزاكم الله خيراً وجعله الرحمن في ميزان حسناتكم..وأرجو أن تقبل اعتذاري علي التأخر في التحية الواجبة لأخ أحب في الله

أضف تعليقك