banner ad

رسالة الإحياء – فتح الله كولن

 المفكر فتح الله كولن *

 

لم نعرف حتى اليوم أيديولوجية نجحت في جمع البشر في ظلها زمنا طويلاً، بل لم نعرف أيديولوجية اكتشفت كل الضرورات اللازمة التي يتطلبها جمع البشر تحت سقف واحد.

ومع الادعاءات الباهرة، لم تستطع الدول الغربية التي هيمنت على قسم واسع من الأرض في التاريخ القريب أن تحقق الأمان والحبور الدائم للعالم، ولا الشعوب الاشتراكية والشيوعية في الشرق، ولا “المحايدون” الذين سواء وجودهم وعدم وجودهم، والذين عبر عنهم “جميل مريج” بـ”رجال الأعراف”. إن الإخفاق في تحقيق الوعود، زعزع أركان الثقة لدى المترقبين والمستعدين للاستقبال، وزيادة على ذلك، فإن عجز الحلول المطروحة عن البلوغ إلى مستوى العالمية، وقصورَها عن احتضان البشرية كلها، ومخالفتَها للطبيعة الإنسانية، قد أوقع الجميع في أزمة انعدام الثقة… بل في الريبة والشك في كل وعود من يعد! فتقف الإنسانية اليوم مع كل نظام يعرض عليها موقفَ الشك والقلق والاستهزاء.. لأنها باتت تعتقد أن الأنظمة التي فُرضت عليها حتى اليوم لم تعمل كما ينبغي، بل عجزت عن العمل، وبالتالي هناك خلل في الأنظمة كلها!. وهذا يقتلع المحاسن التي غرستها تلك الأنظمة، فلا يبقيها في ذاكرة البشر إلا خيالاً بائساً ورؤى خائبة.
وكما أن نقص قطعة صغيرة في نظام ميكانيكي متكامل، يعطل عمل النظام ويحوله إلى ركام، فكذلك هذه الأيديولوجيات برزت إلى الميدان بادعاءات مبهرة، لكنها كانت عليلة بعلل وبيلة؛ مثل التضاد مع الطبع البشري، والعجزِ عن احتضان الفئات كلها، والقصورِ في إنجاز وعودها، والضعفِ في الاستجابة للحاجات الإنسانية؛ والأنكأ إغفالها مجموعة من القيم الإنسانية، بل تأجيج بعضها مشاعر الحقد والبغض والغيظ بين البشر… ذلك كله قوض أركان الأيديولوجيات كلها فخلفتْ خرائبَ فكرية وأنقاضا، أو قُلْ؛ هكذا حَدْسُ المجتمعات وظنُّها. ولذلك يمكن القول بأن الجميع اليوم -إلا شرذمة قليلة- في حالة تزعزع وخيبة أمل وترقب مريب وبحث عن مخرج خارق للأسباب.

بناء على ذلك، فإن أمتنا ابتداء، ثم الإنسانية جمعاء، بحاجة ماسة إلى فكر سام يقوي إراداتنا، ويشحذ هممنا، وينوّر أعيننا، ويبعث الأمل في قلوبنا، ولا يعرضنا للخيبة مرة أخرى. نحن بحاجة شديدة إلى أفكار وغايات وأهداف سامية، ليس فيها فجوات عقلية أو منطقية أو حسية، وتكون محصَّنة ضد النواقص التي ذكرناها آنفاً، وصالحة للتفعيل والتطبيق بأقصى درجة كلما سمحت الظروف. إننا نشهد مرحلة يتغير فيها مركز العوالم الفكرية في الأرض، وتزحف العلاقات الأساسية والدائمية من عوالم الأشخاص إلى عوالم الأفكار، وتَضطرّ البشرَ بعد التجارب الفاشلة إلى المبالغة في التمحيص. فإن وُفِّقْنا في استثمار هذا الوضع العام بإستراتيجيات متماسكة ومنسجمة، وتنظيم الحس الميتافيزيقي في المجتمع والنشاط الفعال المتراكم فيه منذ عصور، حول هدف سامٍ، فلسوف يجتمع الجمهور الأعظم من الإنسانية -ولو بنسبة معينة- ليحوموا حول هذا المركز الجاذب، إن لم يكن من يومه، ففي القابل القريب.

إقرأ المزيد هنا

المصدر:

* كلمة الإفتتاحية للعدد الأخير من مجلة حراء

شارك

اقرأ أيضا:

  1. ميز الله الإنسان بالعقل ..
  2. التجارة مع الله والحياة المدنية
  3. الهجرة .. رسالة في فقة الواقع

التصنيفات: مقالات مختارة

خلاصة RSSالتعليقات: (1)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. [...] This post was mentioned on Twitter by feker.net, feker.net. feker.net said: رسالة الإحياء – فتح الله كولن http://ow.ly/16gxNA [...]

أضف تعليقك