banner ad

القوّة الروحيّة المٌحركة!

بقلم: م.هبة عبد الجواد – يقظة فكر
  • من أين تأتي الدافعية للعمل والتضحية والعطاء
  • القوة الروحية والتغيير المنشود
  • مؤشر الإنحدار
  • بوصلة الانتماء و العمل الإسلامي
  • دور  رواد النهضة و أفراد المجتمع

لم يعد من الصعب رصد ما تعاني منه مجتمعاتنا من اضمحلال في القيم وسطحية في الفكر وضعف في السلوك الإنسانيّ رغم زخم واضح في القدرات والمهارات الفردية والمؤسساتية ، وأصبح التغيير حلم يراود كل الشعوب ومبحث هام لطلاب النّهضة والإصلاح في أرجاء الوطن العربي الإسلامي.

فكيف السبيل إلى تغيير بيئة هي مجتمع كبير يضم أفراداًً وأسر ، مؤسسات وهيئات ، أحزاب وجماعات ، كلها تعاني من قناعات وثقافات وقيم تراكمت وأثرت سلباً على سلوكها مع الحياة من حولها ، فأصبح تناول كلمة التغيير بلغة التنمية البشرية وما يصاحبها من مهارات وقدرات لا يؤتى بثماره.

إن القيم والقناعات هي المحرك لتلك المهارات والقدرات، وإن لم يكن لدى الفرد القيم الصحيحة والقناعات والإرادة الدافعة لأن يكون فرداً صالحاً في بيئته لما تحرك قيد أنمله في اتجاه التغيير.

بل سيقف أمام عقبات ونوائب إن لم تكن لديه القوة الدافعة التي تُضعف من شأن تلك الصعاب وتبعث في المرء طاقة هائلة للإستمرار قدماً لتحقيق غايته.

القوة الروحية .. والتغيير المنشود

إن التغيير الذي ينشده رواد النّهضة و أبناء مجتمعاتنا العربية والإسلامية يمر بمستويات عدة أهمها المستوى الروحي الذي يتعلق بإجابة سؤال من له علاقة بهذا التغيير على مستويات العلاقات الإنسانية والكونية؟

إنّ الصلة الروحية يجب أن تكون واضحة جلية ، وليست مبهمة حتى يدرك الإنسان إلى أين تسير به الحياة، وعندها تؤثر قيمه ومعتقداته في مهاراته وسلوكياته ومن ثم في بيئته بعد أن أدرك بتلك القوة الروحية لماذا هو في حاجة لأن يقوم بالتغيير والإصلاح ونهضة أمته؟

سر هذه القوة فقهه الإنسان الأول عندما هان على هابيل مالم يستطع قابيل أن يضحي به في سبيل الله، فكان قمة العطاء والبذل.

هي ذاتها التي ألقت في قلب إسماعيل عليه السلام الرضا والقبول بأمر الله فكانت أسمى قصص التضحية..

وهي العامل الذي دفع بالشعوب لتتوحد وتضحي في سبيل الحصول على حريتها على مر العصور..

إنه الانتماء .. انتماء قوي يحرك في القلب الإرادة والقناعة اللازمة للفعل ، إنها قوة من نوع آخر ما أن يتفاعل الإنسان معها تفاعلاً صحيحاً كان لها الأثر العظيم عليه.

جبل الله الإنسان على الحاجة إلى الانتماء:

- فهو يميل بالفطرة إلى البحث عن الأنا الجماعية التي يذوب معها ، يضحي من أجلها.

- وهو حاجة من الحاجات الإنسانية التي تقود المرء إلى الإستقرار النفسي ، لذا تجده دائماً يبحث عن كيان يذوب داخله وتكون الأنا الذاتية جزء من الأنا الجماعية ، فتجده يقول نحن وهم مميزاً جماعته أو عائلته أو موطنه عن غيرها.

- تدفعه إلى العطاء والتضحية ، فإن انتمى الفرد إلى عائلة أو أسرة تجده يضحي ببعض مطالبه في سبيل الاندماج مع مجتمعه الصغير والحفاظ عليه ، بل ويتعبره امتداد له يجعله لا يفكر إلا بالنهوض به و الإلتزام بقيمه وبمبادئه ، فيشعر بالقوة ويقوده انتماؤه إلى مزيد من العطاء والتصحية في سبيل أن ينتصر له.

وإذا فقد الفرد الانتماء من أي نوع تجده هائماً على وجهه في الدنيا ، ليس لديه ما يوجه مسار حياته ، فيتخبط بين الأفكار والتيارات ، ولا تجد له موطناً يبكي على فراقه.

تعددت أشكال الإنتماء ومآربه ، فهناك انتماء للوطن ، للقبيلة ، للعائلة ، أو انتماء لفرق ومذاهب أو تيارات وحركات ، أو انتماء إلى كيان صعير كانتماء لنادي رياضي ، لمدرسة ، ..إلخ.

كل هذه الأنواع من الانتماءات محمودة طالما فقه المرء العلاقة بينهم والمساحات التي تتفق فيها، فهي كدوائر متداخلة تبدأ من الانتماء للذات ثم للمجتمعات الصغيرة مروراً بالوطن ثم الانتماء للإسلام ، وتبقى الدائرة الأوسع وهي الانتماء إلى الإنسانية.

مؤشر الانحدار

المشاهد لحقب التاريخ الإسلامي يجد أن الركيزة التي قامت عليها الحضارة الإسلامية اعتمدت على الولاء والانتماء المتين للعقيدة ، ثم بدأت فترات الانحدار عندما انشغل المسلمون بالإنتصار لإنتمائتهم المذهبية على حساب الإنتماء للأصل ، وهو ما يصفه الدكتور ماجد الكيلاني في كتابه ( هكذا ظهر جيل صلاح الدين ) المرحلة التي بدأت فيها الأمة في الإنحدار التي تزامنت مع وجود صراعات مذهبية وفكرية كما حدث بين الحنابلة والأشاعرة وانصراف كل فصيل إلى الانتصار لمذهبه على حساب انتمائه لأصل الإسلام.

وضاعت الصلة الروحية بل القوة المؤثرة الدافعة للتضحية والعطاء ما بين نزاعات وصراعات وحروب فككت الأمة ، وأصبح من واجب الوقت أن يبحث طلاب النهضة وروادها عما يوجه البوصلة نحو الوجهة الصحيحة.

تتمة الموضوع في الجزء الثاني والحديث عن :

بوصلة الانتماء و العمل الإسلامي

دور  رواد النهضة و أفراد المجتمع

شارك

اقرأ أيضا:

  1. القوّة الروحيّة المٌحركة! – الجزء الثاني
  2. الحركة الإسلامية واليقظة الروحية
  3. منطق القوة الذي يفهمه الجميع .. من واقع الحياة اليومية في العراق
  4. معايير القوة ولعبة الأمم.. في ورشة “ع”

التصنيفات: مختارات

المفتاحيات:

خلاصة RSSالتعليقات: (13)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. [...] This post was mentioned on Twitter by Ahmed Haz, feker.net. feker.net said: القوّة الروحيّة المٌحركة! http://ow.ly/16h2VY [...]

  2. al raed قال:

    هذه مادة جميلة رائعة مميزة ….
    حبذا لو نزودنا بالحلقات الأخرى
    هذه تصلح مادة تدريبية
    ان امكن تزويدنا بها على iba86@hotmail.com
    ولكم منا جزيل الشكر وخالص الدعاء

  3. اسلام ابو عون قال:

    شكرا لك اختنا الكريمة على الموضوع الذي قراته لعدة مرات وهو جميل “المرحلة التي بدأت فيها الأمة في الإنحدار التي تزامنت مع وجود صراعات مذهبية وفكرية كما حدث بين الحنابلة والأشاعرة وانصراف كل فصيل إلى الانتصار لمذهبه على حساب انتمائه لأصل الإسلام.

    وضاعت الصلة الروحية بل القوة المؤثرة الدافعة للتضحية والعطاء ما بين نزاعات وصراعات وحروب فككت الأمة ، وأصبح من واجب الوقت أن يبحث طلاب النهضة وروادها عما يوجه البوصلة نحو الوجهة الصحيحة.” نعم اوافقك على هذا ايما موافقة ونحن الان بدنا نعاني من محاولة تكرار هكذا فتن في الساحة الفقهية الفكرية على يد اناس ممن ادعى السلفية وهو يقوم بالتفريق والتمزيق في هذا الباب واعادتنا الى صفحات طوى معظمها الدهر

  4. احمد حسن قال:

    حقيقة طرح متميز وموفق

    “إذا فقد الفرد الانتماء من أي نوع تجده هائماً على وجهه في الدنيا ، ليس لديه ما يوجه مسار حياته ، فيتخبط بين الأفكار والتيارات ، ولا تجد له موطناً يبكي على فراقه. ”

    اعجبتنى بشدة هذه العبارة

    منتظرين الجزء الثانى :)

  5. أعجز عن شكرك أختى الحبيبة ..ولا أملك إلا أن أقول لك جزاكِ الله كل خير ..وبإنتظار البقية ..
    دمتم بيقظة

  6. د. يحيى قال:

    ما شاء الله…طرح رائع ومعان عميقة, جزاكم الله خيراً م. هبة وبورك بكم دوماً
    لعالم النفس المعروف إبراهام ماسلو نظرية تُسمى بــ(سلم الحاجات), تقوم علي أن حاجات الإنسان ودرجة قوتها هي التي توجه سلوكه وتحدد نشاطه, وصنف فيها الرجل هذه الحاجات لخمس مجموعات رئيسية في تدرج تصاعدي لأولوية الإشباع عند السواد الأعظم من البشر:

    1)الحاجات الفسيولوجية
    2)حاجات الأمن
    3)حاجات الانتماء
    4)حاجات التقدير
    5)حاجات تحقيق الذات

    الملاحظ أن دول العالم الثالث والتي ننتمي إليها للأسف كدول عربية, يستنفذ فيها الإنسان جل طاقته وجهده, لإشباع حاجاته الفسيولوجية وحاجته للأمن, ولأنه يواجه في سبيل ذلك ضغوطات كبيرة ومعوقات شتى, في ظل أنظمة دكتاتورية لا تألوا جهداً في التضييق علي الشعوب, وترويع أمنهم الشخصي والعائلي, مع إهدار للموارد الطبيعية وتحويلها من منفعة عامة لتركة خاصة تستحوذ عليها هذه الأنظمة ومن والاها من نفعيين, وما يصاحب ذلك من ضياع للحقوق وغياب للعدالة الاجتماعية, كل هذا يُضعف من تقدم الإنسان علي سُلم الحاجات, نحو التفكير في حاجة الانتماء, والسعي لإشباعها من خلال ارتباطه النفسي بالآخرين, وتطلعه لإقامة علاقات إيجابية معهم, بل ربما أدت الممارسات القمعية والبيئة الضاغطة والحائلة دون إشباع المرء لحاجاته الفسيولوجية والشعور بالأمن, إلي خلق حالة من الأنانية والانكفاء علي الذات لدي الناس, وهو ما يُضعف من قيمة الانتماء وأثرها الإيجابي علي دافعية المرء للعطاء وبذل الخير..

  7. د. يحيى قال:

    مما سبق, يتبادر للذهن أن السعي لترسيخ قيمة الانتماء وتصحيح وجهتها من قبل المؤسسات النهضوية, يُحتم علي هذه المؤسسات مراعاة هذا البُعد النفسي وعلاجه تربوياً, من خلال الارتقاء بالنفسية لتتسامى عن الإذعان لسلم الحاجات هذا, كما كان الحال في جيل الصحابة, إذ قويت لديهم قيمة الانتماء للعقيدة,وصاحبها رغبة عارمة لإشباع الحاجة للتقدير وتحقيق الذات من خلال أداء الرسالة وتبليغ الأمانة التي خالطت محبتها أرواحهم, فكان أن منّ الله عليهم بنعمة الأمن والقدرة علي استيفاء حظوظ النفس من الحاجات الفسيولوجية بما مكنهم الله فيه من نعيم الدنيا ومُلكها..

    فالسبيل الحقيقي لإشباع الحاجات الفسيولوجية وحاجة الشعور بالأمن علي النحو المنشود, يبدأ برفض الإذعان لضغطيهما النفسي بشكل مؤقت, والعمل من خلال الانتماء الصحيح المحمود علي إشباع حاجة تحقيق الذات والشعور بالجدارة والقدرة علي الإنجاز, وذلك من خلال السعي الجاد لانتزاع حق الإنسان في العيش الكريم الآمن, والمشاركة الفعالة في مدافعة من سلبه إياه ,من نُظم دكتاتورية واستبدالها بأخرى ترعى الحقوق وتكفل الحريات وتؤمن بقيم العدالة الاجتماعية

    ينبغي أن تُربي هذه المؤسسات أبناءها علي هذه المعاني, وإلا اُبتليت كما هو كائن بقواعد تنظيمية هائلة الطاقة كتجمع بشري, ولكنها مُغيبة نفسياً في صراع محموم مع الحياة لإشباع الحاجات الفسيولوجية وتأمين الذات, الأمر الذي يحيلها لقوى جسدية بلا قوة روحية مُحركه…

    متابعون علي شغف لهذه السلسة الرائعة والغاية في الأهمية..
    دمتمـــ مبدعين أخت هبة

  8. عبدالرحمن قال:

    فتح الله عليكي. كلام رائع. أرجو منك في الجزء الثاني ربط الحديث بالواقع العملي كي يكون أسهل في توصيله لذهن القارئ. خصوصاً حديثك عن بوصلة قضية الانتماء أتوقع سيكون له عميق الصلة بالأحداث الحالية وما تقوم به الآله الاعلامية المصريه سواءً الرسمي منها او المستقل من تحييد الانتماء بحدود معينة واجتثاثه من كل الدوائر الأخرى. فهو لا يقوم حتى ببوصلة الانتماء تجاه الوطنية المصرية كما يدعي. بل هو يعمل على اقتلاع الانتماء عن طريق بث روح الكراهيه في كل ما يمت بصلة بدوائر الانتماء التي سبق ذكرها في مقالتك.

  9. د.عمرو عبد الباري قال:

    جزاك الله خيرا كثيرا … وضعتينا امام عدد من المفاهيم نتوقف عن الحديث عنه الان حتى ننتظر الاجزاء القادمة .. دمت بكل خير

  10. يقظة فكر قال:

    الأخ alread
    سيتم إعداد مادة الموضوع على هيئة عرض تقديمي قريباً..

    شكراً للجميع ..ونفع الله بكم

  11. هبه عبد الجواد قال:

    الإخوة والأخوات الكرام ..جزاكم الله خيراً على تعليقاتكم التي أفادتني ،أتابع معكم التعليق على مادة الجزء الثاني بإذن الله

  12. moussa قال:

    merci pour votre sujet qui touche le noyau de notre problème et j’aimerais bien de citer de quelque exemple

    a la prochene sujet  

  13. د منى قال:

    جميل جدا يا استاذة هبه…ولكنى اود ان تعيدى ترتيب دوائر الانتماء بحسب الاهميه و تبعاً للايه التى اوردتها…مقال متميز

أضف تعليقك