ملامح من النهضة المصرية
يقظة فكر | فبراير 15، 2010 | التعليقات: 4
بقلم : أمجد أبو العلا*

كلنا يتمنى أن يرى اليوم الذي يتحدث فيه العلماء في العالم عن تجربة النهضة المصرية، وكيف يقتفوا أثرها؟، كما نتحدث نحن الآن عن التجربة الماليزية واليابانية والتركية.
والحقيقة أن ثمة شئ إيجابي خلف كثرة الحديث حول نهضة الأمم العربية والإسلامية كيف ومتى؟، وإمكانية ذلك في ظل الظرف الدولي الراهن، وما هي العوائق المحيطة بها ؟، وهل هي عوائق سياسية أم اقتصادية أم ثقافية أم فكرية أم علمية؟
كلٌ يحاول المقاربة من جانب تخصصه وعمق فهمه، فالعلماء يبرهنون على أن سبب التخلف الحالي هو تدنى مستوى التعليم و البحث العلمي، والسياسيون يتحدثون عن السياسة وأن الظلم والنظم الاستبدادية والديكتاتورية هي السبب، وأن الحل يبدأ من إقرار الحكومات للديمقراطية كنظام للحكم، والمفكرون يحملون الفكر المسئولية الأولى والأخيرة، وكذلك في كل مجال تجد أن من يطرح المشكلة يطرحها من جانبه بالدرجة الأولى، حتى الدعاة يقولون أن السبب هو البعد عن الدين؛ وهم يقصدون بالدين هنا العبادات وفقط، وقد تعلمت في دراستي للفقه وعلوم مصطلح الحديث؛ أن كل أهل اختصاص في العلوم الشرعية يجعل تخصصه هو العلم الأسمى والأعلى في العلوم الشرعية، ولعل ذلك يذكرنا بقصة الفيل والعميان، والحقيقة الكاملة هي مجموع كل ما شعر به العميان وليس أحدهم، على أن نهضة الأمة ليست بالفيل وكذلك المهمومين بقضايا الأمة ليسوا كالعميان، فالمثال للتوضيح وفقط .
كما ثمة قضية أخرى وهى أن الجميع يدرك أن التخلف في كل المناحي والمجالات، ولكن الدعوى هي البداية من أين تكون؟، فالكل يفسرها من طريقه، واتجاهه، وعمقه الفكري، ونسقه المعرفي.
وحتى نساهم في إزالة بعض الضباب حول رؤية عوامل النهضة سأحاول تبسيط الأمر بعض الشئ، ووضع خطوط عريضة يسهل علينا فهمها وحفظها ووعيها، حتى يشعر القارئ بأنه لا شئ جديد فيما يقرأ، ولكنها إن شئت فقل تذكرة وبيان حتى يسهل الحديث في موضوع النهضة مع الآخرين .
بادئ ذي بدئ لا توجد دولة ما يستطيع أحد أن يحول بينها وبين تقدمها؛ شرط أن توجد الإرادة الصادقة لذلك، وتوجد العقول التي تستطيع أن تعبر بها إلى الهدف الذي تصبو إليه، والعزيمة القوية المصابرة المثابرة في هذا الطريق .
(1)
النهضة هي مرحلة من مراحل بناء حضارات الأمم، فصحوة الأمم هي المرحلة الأولى في قطار بناء الحضارة التي تصحوا به الأمم من غفوتها وتنهض به من ثباتها، وسمة هذه المرحلة هي الحركة العفوية والانطلاقة العشوائية، ولكنها مرحلة ضرورية في بيان همة الأمم في ما تريد، ثم تأتى مرحلة اليقظة حيث ترشيد الحركة العفوية، وهى مرحلة تأسيس قيادات الأمة؛ وبناء الشخصية المسلمة الواعية المدركة؛ فتنتج لنا قيادات تحسن التعامل مع تاريخها، وإدارة حاضرها، واستشراف مستقبلها، وهذا ما يدفع بالأمة إلى نهضتها حيث المرحلة الثالثة وهى المرحلة التي تتشكل فيها ملامح الأمة، وهى مرحلة تتسم بالرقى في مجالات أربعة أساسية النظام السياسي، والموارد الاقتصادية، و القيم الدينية والأخلاقية، و العلوم والفنون، وهى عناصر الحضارة الأربعة وهى بشائر تحقيق القاطرة الأخيرة وهى بناء الحضارة .
لقد عاشت مصر زمناً طويلاً في ما يسمى بالصحوة الإسلامية دون أن نرى ملامح للمرحلة التالية لها وهى مرحلة اليقظة، ودون أن تتمخض هذه المرحلة عن وعى كامل بمحددات تلك المرحلة؛ وما تحتاجه من مهارات وإمكانات تمكنها من عمل نقلات وقفزات نوعية في طريق التنمية والريادة؛ ولعل هذا ما تسبب في تأخير الأمة وتأجيل نهضتها .
(2)
ميزة وإشكالية مصر في الوقت نفسه أنها تمثل محور الأمتين العربية والإسلامية، فبنهضتها تنهض تلك البلاد كأمة واحدة وبتخلفها وتقاعسها تتخلف تلك البلاد وليس هذا إلا لمصر، وحتى وإن حاولت هذه البلدان النهوض بنفسها ومن حولها بعيداً عن مصر فسيكون ذلك صعباً وليس مستحيلاً، ولنتذكر كيف لم تستطع مجموعة من الدول العربية عقد قمة غزة لمجرد رفض مصر لذلك، وهذا ليس تحيزاً بل واقع دلت عليه أحداث التاريخ، وإلا أن هناك دول إسلامية استطاعت العبور إلى طريق النهضة كماليزيا مثلا أو تركيا ولكنها لا تمثل محور للدول الإسلامية ،ولم تنهض الأمة بنهضتها.
الناظر في تكوين عقلية المسلم الملتزم كما نطلق عليه، يجدها تتركز في العلوم الشرعية مما سبب طفرة وتقدم في مجال العبادة، لكن على مستوى العلوم الإنسانية والإدارية والفكرية، فنجد أمية هائلة تحتاج إلى مجهود أكبر من مجهود محو أمية القراءة والكتابة .
كما تكمن صعوبة بروز القيادات والرموز والرواد ليس في وجود الشخصيات المؤهلة، لا بل إن الشباب لديه طاقة هائلة ورغبة وقدرة على التعلم ، ولكن المشكلة في صعوبة فهم قيادات المجتمع الحالية لهذه المطلوبات، فهم يريدون من الشباب أن يسير وراءهم مستيقنين أنهم على مستوى عالِ من التخطيط والتفكير، ولو كانوا كذلك لما كان حالنا كما هو اليوم، فالشاب الذي يريد أن يبرز بفكره اليوم، أو يطلق فكرة ما، أو مشروعاً يجد صعوبة بالغة إلا من رحم ربى، ولعل هذه أحد مآسي الشباب حالياً .
ولو نظرت إلى أي تجمع مؤسسي اليوم لما وجدت على رأسه إلا قيادات لها من عمرها حظ ونصيب، أو أخرى تكونت في أوقات كان هناك مجالا لتحرك الشباب؛ وقادة ساعدت على هذا، ومناخاً سمح بذلك، وبالرغم من ذلك يقوم الشباب بمحاولات لانتزاع زمام القيادة عن طريق تكوين المؤسسات وهى بذور خير وبادرة أمل، ولكنها قد تكون أفضل إذا برزت في أحضان من يوجهها ويرشدها ويعينها لا من يكبلها .
(3 )
في ظني أنه حتى تنهض مصر من كبوتها لابد لها من ثورة فكرية على مجالات عدة وأصعدة كثيرة، وذلك نظرا لحالة التردي الحادث في كثير من المجالات اليوم، فالمسلم اليوم قد أصبح يعرف ما لا يريد، أما ما يريده ويحتاجه فهو غير واع به، ولنضرب مثالاً على ذلك فإذا سألت أحد الشباب وقلت له ما هو الاقتصاد الإسلامي؟، وعلى ماذا يقوم؟، فإن إجابته تأتيك كالتالي : هو الاقتصاد الذي لا يوجد به رباً أو احتكار، فانظر معي إلى إجابته فهو لم يأتك بدعائم الاقتصاد أو مقوماته، ولكنه قد أتى بما لا يوجد في الاقتصاد وعلى هذا سنجد الإجابات في كثير من المجالات.
لعل أول ما نحتاجه اليوم:
- ثورة على المستوى السياسي تستطيع تكوين قيادات تخوض غمار السياسة؛ متسلحة بأدوات اللعبة السياسية؛ عالمة بدهاليزها ودروبها؛ لا تٌحتوى ولا تتمحور حول أحد؛ وتستطيع قيادة الزمام السياسي للأمة .
- ثورة على المستوى الإقتصادى يستطيع أهله أن يقدموا نظرية اقتصادية متكاملة للخروج من المأزق الإقتصادى الراهن، ولا تصطدم مع المنهج الإسلامي، تبحث لكي تأتى بحلول لكل المشكلات الاقتصادية الحالية مثل البطالة، والبطالة المقنعة، والنقد، والمصارف ، والزكاة وتسلط الحكام عليها، والاحتكار وغيره من مشكلات تكبل الشعب المصري.
- ثورة على المستوى الثقافي فنريد الشاب الواعي المثقف ثقافة شاملة، فهو لدية من العلوم الشرعية ما يدرأ به الشبهات عن دينه وعقيدته، وما تصلح به أحواله، وعنده من العلوم الإنسانية وثقافة بناء الأمم ما يستبصر به طريقه، وأخيرا عنده حد أدنى من العلوم الإدارية ما يجنبه الوقوع في أخطاء تقضى على مشروعاته.
- ثورة على المستوى الحقوقي فنريد معرفة تامة للشعب بحقوقه السياسية والإنسانية، حتى يتسنى لقيادات الأمة تذكيره به كلما هضم حقه، وإلا فقل لي لماذا تحجم الأمة عن المشاركة في فعاليات تطالب بحقوقها، إلا أنهم لا يعلمون ما هي حقوقهم بالأساس .
- ثورة على مستوى الخطاب الديني ولا يعنى ذلك أن نبتعد عن الرقائق والإيمانيات كما يطالب البعض – لا – فهو الغذاء الروحي للأمم، بل نريد خطابا يشجع الأمة ولا يوهنها، يحسها على العمل ولا يدفعها للكسل، يدفعها للعلم ويحول بينها وبين اليأس والقنوط .
- ثورة على المستوى الإجتماعى والأخلاقي حتى يعود التفاؤل والحب إلى بيوتنا ونفوسنا، فيستطيع المسلم العمل دون أن يخشى على أسرته ولا أولاده، مجتمع متعاون ومتكافل فيما بينه شعارنا في ذلك قوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
لقد حاولت فيما سبق وضع جهدي في محاولة فهم ماهية الثورة المنشودة في مجتمعاتنا، حتى تنهض وتفوق من غفوتها، وتنهض من كبوتها، وتصحو من ثباتها الذي دام لأزمنة وعقود .
أخيرا فإذا وجدنا ملامح النهضة في مجتمعنا فلنستبشر، ولنعلم أن الحضارة على أبوابنا، فلنسارع إليها، ولنمد أيدينا إليها، ولنبارك تلك الجهود وليكن شعارنا ( وعجلت إليك ربى لترضى).
*باحث في الفقه السياسي
شاركاقرأ أيضا:
التصنيفات: من بحر الحياة








احسنت في نقاط واخفقت في نقطة بارك الله فيك، فلا يوجد مايبرر الجزم بان مصر محور للنهضةعلىالصعيدين.
نبقى بحاجة لتمييز وتفريق بين رابطة الوطنية الهابطة ورابطة الاسلام العلياوهذا لايقلل من قيمة مصر كثروة بشرية لو وجهت
جزاك الله خيرا
لا ادري لماذا قيمة الوطنية هابطة…وهل هل حرر الاوطان في كل امم الارض إلا شعور اهلها اتجاه اوطانهم …ولماذا يجعل اي شاب الاسلام نقيض للوطن وحبه …فلانسان تجمعه بالناس اكثر من رابطه وهو قد يرتبها بحسب اولوياتها فيقول مثلا رابطة العقيدة اولا …ورابطة القوم ثانيا ورابطة الوطن ثالثا ورابطة الاسرة رابعا وحتى التزام الانسان بنفسه رابطة مع الذات خامسا بدون ان يكون الخيار إما هذا وغما ذاك كيف والله يخبرنا على لسان انبيائه وإلى عاد اخاهم صالح …ولم تلغ العقيدة وجود رابطة اخوة الدم …فالتعبيرات مهمة …والتشوه في المفاهيم خطير .
مقال ممتاز وموضوعى أمجد
ولكن الذى يحز فى نفسى واحيانا يغيظنى ان مصر تمتلك من الكاريزما الجعرافية والتاريخية – إن جاز التعبير – ما يؤهلها للريادة ولكن لدينا نظام غبى لا يحرص إلا على مصلحة أفراده ولدينا أزهر مسيس لا يملك قراره الذى يرزح تحت احتلال سيد بيه طنطاوى
والحقيقة أن لب الحل هو ما أجملته حضرتك فى نهاية المقال ألا وهو الثورة على جميع الأصعدة التى ترتبظ بالتنمية والتقدم
الروابط كما فصلت واحسنت، والوطن فيه ارتباط بل ان آية الاذن بالقتال وضعت الاخراج من الديار سببا في الاذن في القتال
لكن الرابطة التي تقدم نظرة عن الكون والانسان والحياة هي رابطة الفكر وهي الرابطة السامية، اما الوطنية كرابطة مشيرة للوطن بين الافراد فتعد وفق هذا من الروابط التي لاتؤسس لفكر ولهذا سميت بالهابطة وليس استهانة، لكن ان تعصبنا لهذا فاننا سنخرج عن العقلية السليمة، وهذا بحد ذاته هبوط لمفارقة الحقيقةودخلنا التعميم لا التخصيص، نحن نريد ان نبني فكرا صائبا مؤسسا قد نتدرج فيه من فكرة المواطنة مثلا لكنها ليست الا وسيلة انتقالية للجمع كي ننتقل من التفكير الجمعي الى الفكر الجامع….لكني لا استطيع القول ان اية فكرة لاتدعمها مكة او المدينة هي فكرة لن تنجح لان هاتين المدنتين شهدتا نزول القرآن واسس فيها الاسلام…نرى قريبا انتقالا فكريا هادئا فقط داوموا على متابعة يقظة فكر واصدارات يقظة فكر….
اما الريادة فهي لفكر وليس لدولة او مكانا جغرافيا، وهذا النوع من الرأي قد يسقط اي تجمع او وحدة، مشكلة الامة واحدة وهي منظومة تنمية التخلف، ونحن نسير الى هدى الرحمن علينا ان نتمعن في النظر الى انفسنا خشية ان تعلق من تلك المنظومة اسبابا تحرمنا من فرص التخلص منها والتوجه نحو النهضة.
دمتم مؤمنين ان شاء الله وبفضله