روائع الهندسة في صناعة الحياة – هندسة تحقيق الأمثلية
يقظة فكر | فبراير 23، 2010 | التعليقات: 6

م. حسن علي أبو مطير – يقظة فكر
إن ما يميز الهندسة عن غيرها من العلوم الحياتية أنها تسعى لتقديم حلول للمشكلات التي تواجهها وفقا لمجموعة من المعايير , و هذه المعايير :هي أن يحقق الحل أفضل النتائج الممكنة في أقل وقت ممكن , و أقل تكاليف مادية و بشرية , وهذه المعايير هي التي تميز المهندس عن غيره من أصحاب الصناعات و الحِرف الأخرى , و هي أيضا ميزان للتفاضل بين مهندس و مهندس آخر.
نحن نسعى دائما في كل أمور حياتنا إلى الأفضل , و نظل دائما نفكر كيف يمكن لنا أن نحصل على أفضل النتائج بأقل جهد ممكن , و أقل تكاليف في أقل وقت ممكن , و لكن هل هذا ممكن في كل وقت ؟؟
بالطبع لا … لأن مجرد رغبتنا في الحصول على شيء ما , أو تمني الوصول إلى موقع متقدم في مكان ما لا يكفي أن نحقق ما نريد بل إن علينا أن ندرك أن هناك مُحَدِدات أخرى تدخل في الحسبان حتى نصل إلى الحالة المثالية المناسبة لتلك المحُدِدات, و التي تتناسب مع ظروفنا و أوضاعنا , و هذه الحالة المثالية ليست مطلقة بل هي ” أفضل الممكن” في ظل وجود متغيرات و عوامل تتغير من وقت لأخر حسب معرفتنا و خبراتنا و الظروف المحيطة بنا.
لنأخذ مثالا توضيحيا يوضح الفكرة التي أريد إيصالها, لنفترض أن طالبا في الصف السادس الابتدائي , و أن هذا الطالب يتمتع بكثير من الذكاء و الجدية و المثابرة في دراسته , فمن المفترض حسب المعطيات السابقة أن يكون هذا الطالب من الأوائل في دراسته أو على الأقل من المتفوقين بين أقرانه , و لكن عندما نجد أن هذا الطالب متوسط التحصيل رغم كل ما لديه من قدرات , يجعلنا هذا نفكر لماذا يكون تحصيل هذا الطالب بهذا المستوى و الذي لا يتناسب مع ما لديه من قدرات !!!
ربما يكون لديه مشاكل عائلية تعكر عليه جو دراسته, فلا يصفو ذهنه للمذاكرة و بالتالي فلن تكون نتائجه جيدة , و ربما يكون في مدرسة لم يلقى فيها تشجيعاً من معلميه و اهتماماً كافيا يحفزه على الاستمرار في اجتهاده و تفوقه , و ربما أنه اقترن بصحبة سيئة لا تعطي كثيرا من الاهتمام للمذاكرة , فيكون تأثيرها عليه واضحا من خلال علاماته في نهاية السنة … إلى غير ذلك من الأسباب التي تحد من تفوقه و وصوله إلى الحالة المُثلى .
إننا عندما نريد أن نحصل على الحالة المُثلى لهذا الطالب في ظل ما سبق من محددات مُتغيرات سنصل و لا بد لنتيجة متوقعة لتحصيله الدراسي بأنه طالب متوسط التحصيل حتى و لو قمنا بإغفال تلك المحددات و لم نأخذها في الحسبان فسنصل في النهاية إلى النتيجة ذاتها و هي أن هذا الطالب متوسط التحصيل و هذه النتيجة هي أفضل ما يمكن أن يحصل عليه هذا الطالب في وجود هذه المحددات , و لكنها ليست النهائية , فنحن لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نطلق حكما نهائيا على هذا الطالب بأنه متوسط التحصيل لأن ما يحد من تفوقه و حصوله على مراتب متقدمة يمكن أن يتغير و يتبدل, و بالتالي يتغير مستواه و تحصيله الدراسي.
:: هندسة تحقيق الأمثلية في الدعوة الإسلامية ::
كذلك هو الحال بالنسبة للدعوة الإسلامية , فكم هي عظيمة هذه الدعوة بما فيها من أفكار و أخلاق و قيم و مبادئ, و حسب النظرية المثالية فإنه من المُفترض أن تكون هذه الدعوة هي الدعوة السائدة, و القائدة, و الموجهة, و الهادية, و المنقذة لهذا العالم الحيران من براثن الجهل و الجهلاء , و أن تكون سببا في رقيه و نهضته و تخليصه من التبعية, و قد توالت جهود كثير من المصلحين عبر التاريخ للوصول بالأمة إلى الحالة المثالية و التي تتوافق مع معطيات كل مرحلة, فمنهم من راعى هذه المحددات و فَهِم الواقع فعمل بمنهجية واضحة تتناسب مع الواقع الذي يعيش فيه مراعيا سنة التدرج في التغيير , ومنهم من أراد أن يُغفل جانب المحددات – متعمدا كان أو جاهلا- و أراد أن يصل بالمجتمع إلى الحالة المثالية قفزةً واحدة , فأصطدم بواقع لم يتقبله, فراح يفجر و يكفر و يخون و يعادي كل من لم يحسن هو دعوته بالطريقة الصحيحة.
إن علينا أن ندرك أن عملية الإصلاح و النهوض بالمجتمع هي عملية تكاملية ,و توافقية, و تراكمية,و متدرجة, و هي في ذات الوقت عملية صعبة و شاقة لأن ما يواجه العمل الإصلاحي من التحديات و المُحَدِدات يجعله في مكانةِ أقل للمواجهة مع مجموع عوامل الهدم المجتمعة.
لقد صار بديهيا أن قيام أمة قوية يستلزم وجود مجتمع قوي, و وجود مجتمع قوي يستلزم وجود جماعة قوية تعمل بواقعية و صواب و إخلاص , و وجود جماعة قوية يستلزم وجود أسرة قوية متينة الأساس مُحكَمة البناء , و وجود هذه الأسرة يستلزم وجود فرد أسس بنيانه على أساس قوي و فكر سليم.
إن العنصر الأساسي في معادلة الإصلاح و التنمية , و التي نسعى من خلالها إلى الوصول إلى هدف محدد و واضح هو أن نرتقي بأمتنا حتى تصير في مقدمة الأمم في كل مجالات الحياة هو الفرد المسلم, و هذا الفرد لا ينفك يصارع و يدافع نفسه بين جذب الإيمان و الهمة, و شعوره بالمسؤولية , فيتجه بقوة نحو العمل بهمة عالية, و بين جذب أخر هو جذب هواه و غرائز نفسه و تطلعه للدنيا , و ما يصيبه في بعض الأحيان من فتور و ضعف. – المنطلق
هذه هي طبيعة النفس البشرية لا تتغير و لا تتبدل بأي حال من الأحوال , و مهما عمل المربون على إغفال هذه الطبيعة و تجاوزها , و إعطاء هذه النفس حجما أكبر أو أصغر من حجمها الطبيعي من خلال قصور في جانب تزكية النفس و ترويضها , و تصوير الواقع على غير حقيقته , فإن هذا من شأنه تحقيق نتائج بعيدة كل البعد عن الحالة المثالية.
إن الحرص على تزكية النفس و تربيتها تربية خاصة بحيث تصير معها النفس أقدر على فهم الواقع , و فهم طبيعة الإصلاح المعقدة و أولوياتها, كفيل أن يصنع فردا قويا فاهما واعياً, ومن من مجموع هؤلاء الأفراد يتكون لدينا رصيد كبير , و بحسب تناغم الأجزاء و البراعة في تجميع شظايا العمل المتفرقة هنا و هناك يتقدم العمل خطوة نحو تحقيق الهدف ونهضة الأمة.
شارك
اقرأ أيضا:
التصنيفات: مختارات








رائع هذا المقال .. ! ما شالله
فهم المحددات المشار إليها ” فن” إن صح الوصف … فلن نقفز ولن ننحط لكننا نتقدم …
على كل مصلح أن يحاول التوفيق بين خطواته الدعوية والمحددات الموجودة , وأن يفهم الثنائية في النفس البشرية التي ذكرها الكاتب في النهاية …
فالانسان مهما يعمل ويرتقي لن يتجرد من بشريته وأهوائه..
ومهما ابتعد عن الدين وعن الرقي الانساني فلا تزال فطرته تحتوي بعضا من ذلك…
فلا يقدَس أي شخص مهما كانت الخيرية فيه ولا يحقر أي شخص مهما انقاد للسوء … فكلاهما قابلا للتبدل طالما يحملون هوية “انسان”
أكاد أضيع بين عدد الدروس التي استطيع الاستفادة منها في المقال … بإذن الله سنصحب هذا المقال كثيرا
بارك الله في الكاتب وزاده من فضله ..
م. حسن علي أبو مطير
سعدتك كثيرا بقراءة ما خطه يراعاك وأبدعته قريحتك
وبداية أتفق معك فيما ذهبت إليه من أن الهندسة ترتب كثيرا من الأمور فى بنية عقل المهندسين فتخرج منهم أناساً ذوى طريقة متميزة فى التفكير
وأتفق معك فى أننا دائما نسعى للحالة المثلى التى تراعى الوضع الرهن والبيئة المحيطة والعوامل المؤثرة
لكنى أختلف معك فى أن حتمية الخروج من الانحدار أو حتمية قيام دولة مرتبطة بمجموع المجتمع
فلم يحدث فى أمة مهما كانت أن كان التغيير فيها مرتبط بتحرك جموع أفرادها
بل لابد من وجود صفوة تمثل طليعة الأمة تستنهضها وتأخذ بيدها هذه الصفوة كما يقول العلماء تمثل 2% فقط من جموع الأمة ونظراً لتأثيرها فان جموعا أخرى تتحرك معها لتغير الواقع
أما انتظار تحرك جموع الأمة أو غالبيتها فهذا فرض نظرى لم تثبته التجربة ولا الواقع المعاش لا فى الحديث ولا فى القديم
كما أن قضية تغيير المجتمع هى قضية منوطة بقرار سياسى أى قرار دولة وليس بجهود جماعة من الجماعات مهما كان تأثيرها وحجمها مالم يترك لها حرية التصرف والفعل
كل مرة اتصفح فيها هذا الموقع يتحفنى بالموضوعات الجدبدة ليس من رؤوس عناوين الموضوعات ولكن من المحتوى للموضوع. فشكرا للكاتب والقائمين على هذا الموقع
اتفق مع تعليق الدكتور احمد سيد ولكن النقطة الوحيدة التى اختلف معة فيها ان قضية التغيير منوطة بقرار سياسى وليس بجهود الجماعات
ولعلة يتفق معى ان جميع الانبياء والرسل جاءو وليس فى يديهم القرار السياسى او بمعنى اخر ليس فى يديهم الحكم
وهنا أطرح سؤال ؟
ألم يبعث سيدنا محمد(ص)وكان الحكم يومئذ بيد كبراء قريش
ألم يرسل الله سيدنا موسى الى فرعون حاكم مصر
الم يرسل سيدنا لوط الى عاد وكانوا ايضا قوم لهم حضارةوسلطة
مرحبا أخى الفاضل الأستاذ محمد الشريف
دعنا ننظر إلى النماذج الثلاثة التى ذكرتها … هل تغير المجتمع المكى وتم التمكين فيه أم أن هناك استراتيجية أخرى اتبعها المصطفى صلى الله عليه وسلم
وهل تغير المجتمع المصرى وتم التمكين فيه
وهل تغير قوم عاد بارسال سيدنا هود
لم يحدث اى تغيير فى هذه المجتمعات
التغيير يحدث عندما نبحث عن فئة تكون الطليعة التى تبدأ فى التأثير فى دوائر حولها كفيلة بتحرك الأمة نحو الهدف او كفيلة باستخلاص حق الأمة ثم رده إليها
أما التربية ثم التربية وانتظار أن ينصلح المجتمع أو يصبغ بصبغه اسلامية فهذا كلام نظرى بحت لم يثبت لا فى قديم الأزمنة ولا فى حديثها
وأسعد لو أن هناك تجربة واحدة تذكرها لى إلا تجربة تحدث عنها القرآن ” فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ”
كما أن قضية الرسالات وكيفية التغيير تختلف كلية بعد سيدنا موسى عليه السلام عن ما قبله من رسالات وفى هذا تفصيل يطول ذكره
لكن ما أردت قوله أن قضيةالمجتمع المسلم ثم الحكومةالمسلمة فرضية صحيحة لكن الاشكالية فى المنهج المعتمد لتطبيقها وهو التوجه إلى الناس على أنهم غير مؤهلين وغير قادرين ومن ثم البدء بدعوتهم من جديد وصبغهم بالصبغه الاسلامية حتى نقوم بأسلمة المجتمع ثم بعد ذلك يقوم المجتمع بالاتيان بحكومة مسلمة منهج نظري لا أساس لهفى الواقع العملى ” والأولى أن يتم تغييره إلى منهج أكثر واقعية
بصراحة شديدة ارى أن اقحام علم الهندسة وروعته فى الموضوع عمل غير موفق بالمرة تثبته مقدمة المقال حيث ميز نفسه عن اصحاب الصناعات والحرف الاخرى وهى ليست ميزة انه اختلاف
اشار اليه الكاتب بوجوده بين مهندس واخر اذا الموضوع لايقتصر على كونه مهندس او غبر مهندس ارى مع تقديرى الشديد لفكر الكاتب ان لا نستخدم المؤهلات والوظائف فى الحوارت الفكرية
او السياسة لأن ذلك يضع قيودا على المحاورين
ويبرر التمايز بينهم فى غير محله الفكر موهبه
لاتخضع لمعايير المهن او المؤهلات ثم ان الزعامات الحقيقة تنطلق من الصفات الشخصية المالكة للقدرات التى تستطيع تفعيل الفكر الى وافع ملموس مع خالص شكرى للكاتب
اخي الكريم السيد أمين أشكر لك مرورك الكريم و تعطير الموضوع بكلماتك , ربما هي وجهة نظر لك أحترمها و أقدرها و لكني أجد لنفسي مسوغا في ذلك و ليس أبدا هو من باب الاطراء و المدح و تمجيد الذات و العياذ بالله.
ثم أن هناك صفات مشتركة بين الاشياء و هي من نعمة الله حتى نستطيع أن نصل لمقاربة أفضل للفهم للاشياء و الحياة بشكل عام
تحياتي و تقديري لشخص الكريم