النائحة الثكلى و المستأجرة
يقظة فكر | مارس 04، 2010 | التعليقات: 4

م. حسن علي أبو مطير – يقظة فكر
لا تكون الأفكار عظيمة إلا بعظمة التضحيات التي تُبذل في سبيلها من أجل أن تصير واقعا على الأرض وتُخلد , و هذا الذي يميز بين الأفكار الخالدة و الأفكار المستأجرة.
نُقل عن بعض السلف أنه كان إذا وعظ أبكى الناس حتى تختلط الأصوات و يعلو النحيب , و قد يتكلم البعض ممن هو أغزر علما و أجود عبارة فلا تتحرك القلوب و لا يبكي أحد , فسأله ابنه يوماً عن هذا فقال : يا بني لا تستوي النائحة الثكلى و النائحة المستأجرة. كذلك فإنه لا تستوي الأفكار التي خرجت من ر حم المعاناة , و بذل أصحابها في سبيلهاأموالهم و أوقاتهم و أغلى ما يملكون في سبيل أن تُمكن و أن يكون لها أبلغ الأثر في النفوس , و بعد هذا كله فهم لا ينتظرون أجرا من أحد ولا جزاءا إلا أن يرضى الله عنهم وأن يتقبلهم في الصالحين.
لقد حدثنا التاريخ عن كثير من الأفكار التي نشأت و عملت على صناعة مجموعة من القيم و المبادئ الخاصة بها كالأشتراكية و الرأسمالية و الماركسية و العلمانية , ولكنها ما لبثت أن سقطت – أو في طريقها للسقوط – و أصبحت في خبر كان لأنها أفكار لم ترتبط بالروح و الوجدان و لم يُدفع في سبيلها الثمن الذي يضمن لها الأستمرارية و البقاء , و لم يتسابق أبناؤها على شرف الخدمة تحت لوائها طمعاً في رضى الله , و إنما طمعاً في تحصيل أجرٍ زائلا , ومناصب و ولايات مفرغة من مضمونها, فكانوا يُطالبون بحقوقهم قبل أداء واجباتهم المفروضة عليهم , فكانت الأفكار هي من يحملهم بدل أن يحملوهاهم.
إن قوة الفكرة تنبع من قوة مصدرها و من واقعيتها و من القوة المحفزة للعمل من أجل هذه الفكرة , و هي بعد ذلك مصدر قوة للأعمال التي بُنيت على تلك الأفكار , و بقدر الإيمان بها يتولد مصدر قوة جديد للتأثير في النفوس , و جعل هذه النفوس قادرة على أن تدعو لهذه الفكرة , و أن تُرشد مسيرتها بالنصح و التوجيه, و أن تبذل الغالي و النفيس في سبيلها.
يقول سيد- رحمه الله – في ظلاله: ” إن الكلمة لتنبعث ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة متحمسة إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها ولن يؤمن إنسان بما يقول حقا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتجسيما واقعيا لما ينطق … عندئذ يؤمن الناس ويثق الناس ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق … إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها ; وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها.. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة لأنها منبثقة من حياة , والمطابقة بين القول والفعل وبين العقيدة والسلوك ليست مع هذا أمرا هينا ولا طريقا مُعبدا… إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة وإلى صلة بالله واستمداد منه واستعانة بهديه ; فمُلابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره أو عما يدعو إليه غيره والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه ; وقد يغالبها مرة ومرة ومرة ; ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله ; فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي أقوى من كل قوي قوي على شهوته وضعفه قوي على ضروراته واضطراراته قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه” – في ظلال القرآن سيد قطب ج1
إن الإسلام دين الله الحق و هو منهج متكامل للحياة , وما ارتبطت فكرة بالإسلام و عملت بواقعية و صواب و إخلاص إلا كان لها نصيب وافر من النصر و التمكين و التأيد و التأثير و الخلود بما يتناسب طرديا مع واقعيتها و صوابها و إخلاص من يحملها و صبرهم على دفع تكاليف حملها و الدعوة إليها.
إن المصائب و الفتن و الإبتلاءات هي محضنٌ من محاضن التربية لصناعة جيل من الرواد المؤهلين للقيادة و تحمل المسؤولية و نحتهِم و صناعتهم على عين الله , فالله سبحانه و تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب , فيبتليهم ليعلم الصادق من الكاذب , و يعلم من بكى ممن تباكى ,و عندها لا يثبت إلا من ثبته الله و علم صدقه و إخلاصه و تفانيه في سبيل ما يؤمن به من أفكار , و يرجع الأخر خاسرا مططئ الرأس قال تعالى : ( يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة وفي الأخرة و يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء ) إبراهيم: ٢٧ , و هي أيضا محكات و مفترق طرق ليَميز الله الخبيث من الطيب , و يميز الزبد مما ينفع الناس,قال تعالى( فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) الرعد: ١٧ , فما أكثر من يدعون أنهم أنصار و مؤيدين ,و أنهم
على استعداد تام لتحمل المسؤولية الكاملة , و يكونوا في المناسبات التي فيها تمكين و نصر في خانة ” الحاضر” و يتقدمون الصفوف, و لكنهم في النائبات و المحن يُسجلون في خانة “الغائب” يتملصون و يتخذون لأنفسهم الأعذار و يتعذرون بكثرة انشغالاتهم و التزاماتهم, فهم لم يُوطنوا أنفسهم على دفع الثمن , و لكنهم وطنوا أنفسهم على أخذ الأجر و حب الظهور , و ما على هؤلاء تُنصر الأفكار و لا يُكتب لها بقاء مهما كانت هذه الأفكار عظيمة و نبيلة.
:: ليس لها إلا صناع الحياة ::
إن الأمانة المنوطة بكل من حمل فكرة صناعة الحياة أمانة عظيمة و هي بحاجة إلى نفوس كبيرة ليس لها إلا من عرف دوره و موقعه و قرر أن يكون في مقدمة الصفوف العاملة طمعا في رضى الله و ليس مُحابةً لهذا أو ذاك , فالنفس العظيمة هي النفس التي تكون غايتها عظيمة و أهدافها كبيرة ولا تتحرك إلا بالله و لله , جردت نفسها وعملها و أخلصت النية كلها لله وحده فقط , و تحرت الصواب في عملها. يروي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: ” إنما الأعمال بالنيات, و إنما لكل إمرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله , و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إمرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
إن حتمية المواجهة مع الجيوش المجيشة تستوجب أن يكون للنفس إعداد من نوع خاص تكون معه قادرة – بحول الله – على المواجهة و الصمود في وجه القوى العاتية المتكبرة والمتجبرة.
إن جيوش الظلم و اليأس و التبعية و الاستبداد مجتمعة تقصف بصاوريخ البطالة , و القنابل المثبطة , و تزرع ألغام الضياع و السلبية , و ليس لها إلا صناع الحياة و هم الأقدر على المواجهة و تمكين الجبهة الداخلية , وجعلها أقدر على الصمود و المواجهة حتى في أحلك الظروف.
إن حالة الأنقسام و الاختلاف تودي بحياة الكثير من الأبرياء و الضعفاء , و لا بد من تقريب وجهات النظر و تبين المشتبه , و العمل على سد ثغرات الأختلاف , و العمل على جماعية الرأي و الشورى في مواجهة الأستبداد ” و ماحك جلدك مثل ظفرك ” , و ليس لها إلا صناع الحياة .
إن القوة لا تقابل إلا بقوة مثلها , فلا يقرع الحديد إلا الحديد , و لا يصد النار إلا النار , و لا تجابه الأفكار إلا بالأفكار (و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت: ٦٩
و ليس لها إلا صناع الحياة , و ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة.
التصنيفات: بوابة يقظة فكر • مختارات




إذا صحت المناسبة .. فأنا أرفع قبعتي احتراما لفكر كهذا … زادكم الله من فضله …
وهذه رائعة أخرى تليق بالمقال… من روائع صاحب الظلال أيضا :
“إن كلماتنا ستبقى ميتة أعراسا من الشموع لاحراك فيها جامدة, حتى إذا متنا من أجلها وغذيناها بدمائنا انتفضت حية وعاشت بين الأحياء, كل كلمة عاشت كانت قد اقتاتت قلب انسان حي ,فعاشت بين الأحياء..!”
ولا يدفع قلبه ثمنا لكلماته وأفكاره .. إلا قلب معلق بالله
فهو الوحيد الذي يستطيع فعل ذلك … هو الذي يمتلك سببا لمقايضة مماثلة …
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد زادت الإبتسامة ( إبسامتي ) الأن .
فبمثل هذا المقال ومثل الرجال التي يصنعها تكون النهضة .
(( و لم يتسابق أبناؤها على شرف الخدمة تحت لوائها طمعاً في رضى الله , و إنما طمعاً في تحصيل أجرٍ زائلا , ومناصب و ولايات مفرغة من مضمونها, فكانوا يُطالبون بحقوقهم قبل أداء واجباتهم المفروضة عليهم , فكانت الأفكار هي من يحملهم بدل أن يحملوهاهم)
كما ان هناك مشكلة تضاف الى قائمة مشاكل تخلفنا الكثيرة وهي تتعلق ايضا بالأفكار وبمن يحملها حيث تختلط على الكثير ( الفكرة المجردة ) و(الفكرة المجسدة) حيث تنهار الفكرة في نظر الكثير بإنهيار حامل الفكرة ( الرمز ) المجسد للفكرة ، ونتيجة لذلك يتخلى الكثيرون عن الفكرة التي ظنوا انهم مؤمنون بها ….
حياكم الله جميعا و اشكر لكم مروركم الكريم
حقيقة اني أحب دائماأن اراجع هذا المقال من فترة لاخرى احس أن فيه شيئا مني و يعطيني دفعة معنوية للمواصلة
نفعني الله و اياكم به