banner ad

إعادة بناء التاريخ .. لا ِصدام ولا استسلام – [2]

بقلم : أمجد أبو العلا – يقظة فكر

الجزء الأول: إعادة بناء التاريخ .. لا ِصدام ولا استسلام – [1]

(2)

يقول الإمام مالك بن أنس ” لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها “. وهذه مقولة جليلة جداً لإمام دار الهجرة، ومعبرة، وحقيقة نحن نعيشها في هذه الأيام، و في رأيي – والله أعلم – أن ما يصدق على هذه المقول يصدق على عكسها أيضاً فتصبح كذلك ” يفسد آخر الأمة بما فسد به أولها ” وهذا ما نبتغيه من قراءتنا للتاريخ فنستخرج من العبر والعظات جميعا، ما كان منها سبباً في علو الأمة؛ وريادتها؛ وعلو شأنها، وما كان منها سبباً في فتور الأمة؛ وانكسارها، فإذا نظرنا إلى الأمة الإسلامية نجد أن أول عروة تم نقضها من الإسلام كانت عروة الحكم، عندما نزعت منه أحد أركانه الأساسية وهي الشرعية – أركان الدولة الإسلامية ثلاثة المرجعية، والشرعية، والفاعلية – والشرعية هنا تعنى الشورى، وإن استمرت فاعلية الأمة ومرجعيتها مستمرة، إلا أن الانكسار لاحقها في العديد من الفترات وما ذالك إلا للتهاون مع أحد أوامر الشرع، كما أن الشورى هي أحد مبادئ الدولة العظمى – مبادئ الدولة الإسلامية هي الشورى والوحدة ونشر الدعوة – وما لقب الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز بالراشد، وما عده العلماء من بينهم إلا لأنه أحل القوم من بيعتهم له ملكا ووراثة، فبايعوه من بينهم شورى واختاروه عليهم أميراً فكانت بيعته كبيعة الخلفاء الراشدين ، فصلح حال الرعية حتى فاض المال من بينهم، ونحن نضرب هذا المثل دليل على صلاح الآخر بما صلح به الأول .

لقد قبل العلماء بداية بولاية المتغلب اضطرارا ومنهم من بايع و منهم من أبى حتى مات شهيداً ومثال على ذلك سعيد بن جبير ثم تتابعت اعترافات العلماء بهذا الأمر حتى أصبح هو الأساس بعد ما كان استثناءا حتى قال الدكتور عبد الله النفيسى معلقاً على ذلك ” بل وصل الأمر حداً خطيراً دفع الباقلانى في التمهيد إلى القول ” قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه ” ثم تساءل النفيس قائلاً ” إذا كان الباقلانى وهو الفقيه يقر بإمامة الحاكم ولو قتل النفوس وغصب الأموال وضيع الحقوق وعطل الحدود ودعا إلى معصية – يقول الباقلانى – لتجنب الفتنة فأي فتنة أكبر مما فعل ذلك الحاكم ؟ وكيف يسمع الحاكم لنصيحة ناصح وهو على يقين من أن الأمة ستتبعه وتطيعه وإن قتل من قتل وغصب من غصب وضرب من ضرب وأكل حقوق هذا وذاك لا بل ودعا إلى معصية ؟ أي فقه هذا وماذا نفعل بأفضل الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله” .

يظن الكثير من الناس أنه لا ينبغي أن نعلق على تاريخنا الإسلامي مخافة حقد وشماتة الأعداء، ويظن آخرون أن تاريخنا كله ناصع وهو بذلك يظلمنا، ويظم تاريخنا، ويظلم أمتنا، وقبل ذلك وبعده يظلم ديننا وينسى أننا أمة إذا تمسكت بدينها؛ وفهمته كما فهمه الصحابة والعلماء، فعملوا به ارتقوا وسادوا الدنيا، وإذا تركته باعد الله بينها وبين الخيرية على تلك الأمم بمقدار فقدانها لفهم دينها، كما أنه بمقدار عشقنا للماضي والصالحين ،فأننا نبغض فيه أيضا الطغاة والمستبدين، وإلا فمن منا يحب أن يعيش في زمن الحجاج ويراه يقتل بن الزبير رضي الله عنه، وسعيد بن جبير، ويقذف الكعبة بالمنجنيق، وتقطع رقاب كثير من الصحابة والتابعين والعلماء، ويختم على ظهر أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو لا يفعل شيئاً، وقد سئل الأمام أحمد عن حب يزيد بن معاوية فقال: وهل يحب يزيد رجل يؤمن بالله واليوم الآخر وفى هذا تأملت كثيرا المثل الإنجليزي القائل ” We have nostalgia for the past because it is gone. If it comes back we would hate it”

” نحن نحب الماضي لأنه ذهب، ولو عاد لكرهناه “

(3)

لم أكن أحب أن أخوض في هذا الجانب من التاريخ الصغير للأمة  فالأمم لها تاريخ كبير وهو التاريخ الشامل لكل جوانب الأمم كالسياسي والإقتصادى والفني و الإجتماعى،  والتاريخ الصغير وهو التاريخ السياسي لأي امة .

إننا نملك تاريخا كبيراً، عملاقا في حجمه، عميقا في أثره، كبيرا في مضمونه، معبرا عن ذاته وذلك في التاريخ الكبير والصغير على حد سواء، فنحن نملك حضارات عدة على مختلف الأزمة والعصور، نملك حضارة إسلامية من أكبر واعرق الحضارات، ونملك تاريخا عسكريا مشرفا بحق، ونملك تاريخا فنيا ومعماريا راقيا، ونملك تاريخا اقتصادياً واجتماعيا تكافليا لم تعرف الأمم بمثله، ونملك نموذجاً رياديا بين الأمم يمكننا أن نبنى عليه، ولا يخجلنا في ذلك ما شاب التاريخ من العوار والنقص والخلل .

لقد تحدث كثير من العلماء عن دور التاريخ وأهميته حتى قال العلامة بن خلدون في مقدمته ” فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال, وتشد إليه الركائب والأجيال, وتسمو إلى معرفته السوقة والأفعال, وتتنافس فيه الملوك والأفيال, ويتساوى في فهمه العلماء والجهال, إذ هو في ظاهره لا يزيد عن إخبار عن الأيام والدول, والسوابق من القرون الأول, تنمو فيها الأقوال, وتضرب فيها الأمثال”, وينزل ابن خلدون التاريخ منزلة الحكمة التي هي أعلى مراتب العلم في الإسلام قائلاً : “وفي باطنه نظر وتحقيق , وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق, وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق, فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق”.

وقال تعالى ” { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } (الأنعام:11)

التاريخ ليس فقط دراسة للماضي ولكنه روح تسرى في الحاضر فتلهب حماسته، وتأخذ بقلبه، وتسرع من نبض شبابه فلا ينام ولا يستكين ولا يرق له جفن حتى يرى راية أمته عالية خفاقة، وكذلك فهو أمل يبعث على استشراف المستقبل فيرفع من طموح الشباب، ويثبت من قلوب الآباء على مستقبل أبنائهم، ويدفع الأمة إلى أن ترى الحلم يقينا وكأنه واقع بينهم، فهي أمة يسرى الإيمان في قلوبهم، ويسعى الحب والتفاؤل بينهم يقول ابن القيم ” إن قلم تواريخ العالم و وقائعه هو قلم المعاد الروحاني فإنه يحضر ما مضى من العالم وحوادثه ويعيده لك في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهده ببصيرتك  .

أما إننا نستدعى تاريخا ولا يزيد الأمة إلا هما فإما أن يكون العيب في التاريخ وإما أن يكون العيب فيمن قام باستدعائه واعتقد أن الخطأ هو الحالة الثانية فنحن لا نستدعى من تاريخنا إلا الجدال، والمراء، وعلم الكلام، والمناظرات ونسينا أنه في الوقت الذي كان فيه بلاط شارلمان قيصر الروم لا يوجد به إلا كاتب واحد كانت بغداد الرشيد لا يوجد بها جاهل واحد، وكانت لنا من الإنجازات العلمية ما ذاع به صوت الإسلام في العالم فأقبل الناس إلى دين الله أفواجاً، واكتشفنا العلم التجريبي والجبر والدورة الدموية، إلى أن  تركنا العلم الكوني واهتممنا بالعلم الشرعي فقط فضاع منا علم عمارة الدنيا، ولم نتمسك بديننا، حتى وصلنا إلى أن قال الشاعر – هذا الشعر يتصدر فتوى لأحد أكبر العلماء المعاصرين -

كل العلـوم سـوى القرآن مشغلة إلا الحـديث وإلا الفقه في الـدين
العلـم مـا كـان فيـه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشـياطين

(4)

حتى نعيد بناء تاريخنا فلابد أن نتتبع كيف دخلنا إلى هذه الأزمة التاريخية فنحاول الخروج منها، فإذا قرأنا السيرة فلابد أن نتعلم كيف تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تاريخ العرب حينها، حتى ندرك كيف نتعامل مع تاريخنا الآن .

هل أصبح تاريخنا حملا ثقيلا علينا حتى نود لو أنه كأن لم يكن فنبدأ من جديد، كما قال محمد حسنين هيكل عن الولايات المتحدة “من عوامل نجاح الولايات المتحدة الأمريكية هي انعدام وجود تاريخ يسيطر على أفكارها ويؤجج الصراعات بين أفراده ” لقد تفكرت كثيرا في رأى أحد المفكرين حينما قال أن في طي كل محنة للأمة منحة، وقد كان لمحنة كمال أتاتورك مع تركيا فائدة كبيرة، حيث اوجد قطيعة  بين الأتراك مع الماضي، استدعت لمن يتصدر المشهد الإسلامي حاليا في تركيا أن يأخذ من التاريخ ما ينصلح به حاله؛ ويتناسب مع واقعه، في الوقت الذي لم يكلف فيه نفسه عناء تنقيح التاريخ فقام وظهره غير مثقل بما أثقل به الشرق .

المهم أن ندرك أن معركتنا مع التاريخ لا تقل عن معركتنا مع الحاضر والمستقبل، فقد تتشكل وعى وثقافة الأمة تبعا لأحداث التاريخ، وانظر على السلبية وانعدام الثقة التي حلت بالأمة  حاليا حتى أصبح الفقر والذل خير لهم من مستقبل لا يعرفوه .

لقد أثقل التاريخ عقل وظهر الشاعر محمد الأسمر فصاح قائلا :

هداك الله يا تاريخ يا شيخ الأضاليل
فما أقدر كفيك على نسج الأباطيل
تحابى الحي أو تظلم يا تاريخ أحيانا
فما مثلك مأمون على أخبار موتـانـا

ولكننا هنا وفى معرض حديثنا عن النهضة لا نحب أن نهجو التاريخ بل نتفاعل معه لأن هذا دورنا وهذا هو الوقت المناسب للتفاعل معه .

هناك أسئلة  ونقاط هامة لابد أن تطرح على عقولنا ونحن نتعامل مع التاريخ حتى نتجنب الصدام والاستسلام معه

  • لابد من تحديد ماهية الجزء المفقود من العقل المسلم حاليا .
  • كيف تسلسل بنا الوضع والأحداث حتى وصلنا على هذا الحال الآن ؟
  • هل التاريخ أمر مكرر أم أن التاريخ لا يعيد نفسه أم أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل حلزوني؟ ( سؤال للتفكير ).
  • من السبب في الأزمة هل هم العلماء أم الحكام أم الشعوب ؟
  • كيف نخرج من الأزمة الحالية ومن عليه التبعة الأولى في ذلك ومن صاحب الطلقة الأولى ؟
  • هل أدى العلماء ما عليهم الآن من دور ومهمة وأصبح المجال للشعوب ؟

كل ذلك نطرحه لمن يريد أن يتصدر مشهد النهضة والحضارة ليفيدنا برأيه .

شارك

اقرأ أيضا:

  1. إعادة بناء التاريخ .. لا ِصدام ولا استسلام – [1]
  2. حركة الحياة: أهمية فهم حركة الحياة قبل قراءة التاريخ
  3. التقوى أساس بناء المجتمع
  4. أهمية دراسة التاريخ [9]
  5. نحو بناء ثقافة الانتخاب

التصنيفات: مختارات

خلاصة RSSالتعليقات: (1)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. مدخل ممتاز يا أستاذ أمجد لمراجعة تارخية واجبة، وفي رأيي أن “فتنة الصحابة” وتفسيرها من أكثر حلقات التاريخ الإسلامي ضعفا وهي بحاجة فعلا إلى تفاسير عقلانية في تعاطيها مع مقاصد الشرع وكيف يمكن تأويل سفك الدماء بالنهار وقيام الليل؟!
    نحتاج من يقدم لنا تفسيرا أكثر عقلانية لتاريخ الصحابة الكرام، نحتاج تاريخا نقديا يرى سلبيات الأبطال كما يرى إيجابياتهم.
    نحتاج تاريخا يربط بين أحوال الماضي والحاضر.

أضف تعليقك