أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / الخواطر والأفكار بين الإمام ابن القيم وعلوم تنمية الذات

الخواطر والأفكار بين الإمام ابن القيم وعلوم تنمية الذات

بقلم: د. أحمد أمين – يقظة فكر

في علوم تنمية الذات نتحدث دائما عن أهمية الأفكار والخواطر لتحقيق الأهداف الشخصية وتمثل البرمجة الإيجابية والسلبية أحد المبادئ لعلم البرمجة اللغوية العصبية. أتذكر د. إبراهيم الفقي فى أحد دوراته والتى حضرتها منذ فترة طويلة، كان دائما يؤكد على أهمية التخيل في إثارة الدافعية والحماس لتحقيق الأهداف الشخصية وأنه فى بداية عمله كنادل في أحد المطاعم الكندية وضع لنفسه هدف أن يكون مديرا للفندق كله، وكان دائما ما يجعل هذا الهدف فى تخيله حتى تحقق!

أما في علوم السلوك إلى الله عز وجل فالخواطر والأفكار تحتل مكانة أساسية في تزكية القلب والسلوك إلى الله عزوجل وإطلالة سريعة على إحياء علوم الدين أو مدارج السالكين يوضح المرتبة التي تحتلها الخواطر والأفكار فى السلوك إلى الله عز وجل. في إحدى فوائده يتحدث الإمام ابن القيم عن الخواطر والأفكار ولو ترجم كلامه إلى اللغة الإنجليزية لأدرك العلماء الغربيون سبق علماء الإسلام في إدراك والحديث عن الخواطر والأفكار.

يقول الإمام ابن القيم الجوزية في أحد فوائده: مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات والتصورات تدعو الى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة، فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار وفسادها بفسادها.

فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها والهها صاعدة إليه, دائرة على مرضاته ومحابه، فإنه سبحانه به كل صلاح ومن عنده كل هدى, ومن توفيقه كل رشد ومن تولّيه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء. فيظفر العبد بكل خير وهدى ورشد, بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق معرفته, وطرق عبوديته, وإنزاله إياه حاضرا معه, مشاهدا له, ناظرا إليه, رقيبا عليه, مطّلعا على خواطره وإرادته وهمّه فحينئذ يستحيي منه, ويجله أن يطلعه منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله, أو يرى في نفسه خاطرا يمقته عليه.

فمتى أنزل ربه هذه المنزلة منه رفعه وقرّبه منه, وأكرمه واجتباه ووالاه, وبقدر ذلك يبعد عنه الأوساخ والدناءات والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة. كما أنه كلما بعد منه وأعرض عنه قرب من الأوساخ والدناءات والأقذار, ويقطع عنه جميع الكمالات ويتصل بجميع النقائص.
وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه, فان وضع فيها حب طحنته, وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته. فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى, ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط, بل لا بد من شيء يوضع فيها, فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره, وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا ونحو ذلك, فإذا جاء وقت تاعجن والخبز تبيّن له حقيقة طحينه.

فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده, وإن قبلته صار فكرا جوّالا فاستخدم الإرادة فتساعد هي والفكر على استخدام الجوارح فإن تعذّر استخدامها رجعا إلى القلب بالتمني والشهوة, وتوجهوه إلى جهة المراد.

ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات, وإصلاح الارادات أسهل من تدارك فساد العمل وتداركه أسهل من قطع العوائد فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك, فالفكر في ما لا يعني باب كل شر, ومن فكّر فيما لا يعنيه, فاته ما يعنيه,  واشتغل عن أنفع الأشياء له بما ما لا منفعة له فيه, فالفكر والخواطر, والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك.

وجماع إصلاح ذلك: أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه, وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار. وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها. وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته, وطرح إرادة ما يضرك إرادته. وعند العارفين أن تمنّى الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة, ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها, فإن تمنيها يشغل القلب بها ويملؤه منها ويجعلها همه ومراده.

وهكذا فالخواطر والأفكار هى بداية السلوك إلى الله عز وجل وهى أيضا طريقك لتحقيق هدفك ورؤيتك فى الحياة فأصلحها فهى طريقك للنجاح والفلاح فى الدنيا والآخرة.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

5 تعليقات

  1. أحسنت بارك الله فيك
    لقد سبق المسلمون في كل مجال ، خصوصا علم النفس الإنسانية ، جزيل الشكر لطرحك القيم..

  2. حبيبة الرحمن

    صدقت وصدق قلمك

    فالخواطر حقا ً تصبح فعلا ً حقيقيا ً بعد فترة
    وقد شغلني هذا الأمر فأغلب ما أفكر فيه ويجول في خاطري وجدت أن يتحقق بعد فترة وجيزة وأحيانا ً طويلة لكنها على كل ِ هي من الله ولله وعن الله فلا نجد حينها إلا الحمد لله .. وما أجمله ربنا

    شكر الله لكم أهل اليقظة

  3. جزاكم الله خراً دكتور…إن شاء الله رفعها على الملتقى

  4. راقب أفكارك لأنها ستصبح أفعالك راقب أفعالك لأنها ستصبح عاداتك راقب عاداتك لأنها ستكون شخصيتك ..

    هكذا يقولها د/إبراهيم الفقى ..
    ولكن قالها من قبله ابن القيم والغزالى وغيرهم ..

    جزاكم الله خيرا د/أحمد أمين

  5. أسامة محمد أحمد

    جزاكم الله خيراً والله لو لم تكن للنظم في بلادنا سوءة سوى ما تعلمنا اياه من مواد ودراسات غثة وتركها لما في ترائنا من فوائد والابتعاد بما يتعلمه الطلاب عن كل ما هو ديني لكان ذلك سببا كافيا للثورة عليها ومطالبتها بالإصلاح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*