أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مختارات / ثقافة الضعف .. الخطر الأعظم!

ثقافة الضعف .. الخطر الأعظم!

د.حسن يوسف الشريف – يقظة فكر

تمارس كل من الحكومتين الإسرائيلية و الأمريكية الضغط بكل الوسائل على الحكومات العربية بأن تجفف كل منابع ثقافة المقاومة في المؤسسات التعليمية والإعلامية والبحثية في العالم العربي وذلك بعد الفشل الذريع الذي منيت به سياسة التطبيع التي فرضت على بعض الدول العربية بعد معاهدات السلام العربية الإسرائيلية وأيضاً تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وهم يهدفون بهذا العمل إلى تدمير البيت العربى من داخله بعد تجفيف منابع ثقافة المقاومة؛ فيسهل احتلاله والسيطرة عليه بعد قتل المقاومين تحت أنقاض البيت المنهار ، وذلك بعد عمليات غسيل المخ لأنصار المقاومة عن طريق “ثقافة الضعف”.

إن تجفيف منابع ثقافة المقاومة ليست جديدة ، بل هي قديمة قدم كل استعمار حاول احتلال العالم العربي ، والمحتل البريطاني قديما عرض الفكرة علنية وفي مجلس العموم البريطاني وعلى الملأ، حيث رفع جلادستون المصحف في يده أمام أعضاء المجلس وقال ما دام هذا الكتاب موجوداً فلن يقر لنا قرار في العالم العربي. فقام أحد الأعضاء بخطف المصحف منه وتمزيقه ، فقال له : أنا لا أريد تمزيق أوراقه ولكن تمزيق تعاليمه في صدور العرب “. لذلك كان البريطانيون يسيطرون على مقاليد الإعلام ووضع مناهج التعليم في مرحلة احتلالهم للعالم العربي ومازالت أثاره باقية إلى الآن. باقية في إعلام ومناهج تعليم تعتني بثقافة التسلية والرفاهية وثقافة اللامعنى والتى لا تعتنى بثقافة المقاومة ، لذلك فكل من يشارك في مساعدة أعداء الأمة على إيجاد أو تمكين ثقافة الضعف سواء في مؤسسات التعليم أو وسائل الإعلام فهو خائن لأمته ووطنه.

لقد أصبحت مؤسسات التعليم تُخّرج أجيالا لا تعرف عن حضارتها وتاريخها وعظمائها شيئا يُذكر ، أجيالا تحتاج إلى محو أميتها التعليمية والثقافية ، أجيالا فوضوية لم تنل حظها من التربية على حب النظام . حتى أن ديفيد بن جوريون مؤسس دولة إسرائيل يقول: ” سيكون أمن إسرائيل في خطر إذا رأيت العرب يقفون طابورا عند ركوبهم الباص “!.
إن مؤسساتنا التعليمية والإعلامية لا تشجع الأجيال على الحفاظ على وقتها وعلى حب القراءة وعلى حب الفهم لما تقرأه ، وحب العمل بما تفهم ، حتى عرف عنا أعدائنا ذلك ، يقول موشى ديان فى مذكراته :” إن العرب لا يقرءون وإذا قرءوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يعملون ” .

إن ثقافة القوة تعلم أصحابها أن يستفيدوا بما يقوله الأعداء عنهم بينما ثقافة الضعف تزرع في أصحابها التعالي الكاذب وعدم الاستفادة بما يقوله الأعداء.
ثقافة الضعف توهم أصحابها بأنهم المنتصرون دائما ولو بغير إعداد ونظام ، بينما ثقافة القوة تعلم أصحابها أنهم لا بد أن يجمعوا أسباب النصر المادية والمعنوية ولا يحملون غيرهم تبعة هزائمهم.
ثقافة القوة تثمر في شعوبها الجدية وحب العمل ، بينما ثقافة الضعف ترسخ السلبية وحب الراحة والكسل والهروب من التكليف والعمل.
ثقافة القوة تطبع شعوبها على الولاء لوطنها والاعتزاز بثقافتها وتاريخها ، بينما ثقافة الضعف تطبع شعوبها على ضعف الولاء لوطنها وثقافته وتاريخه وتنظر باعتزاز وإكبار لثقافة وحضارة قوات الاحتلال.
ثقافة القوة تمد عقول شعبها بالتفكير السليم وتزرع فيه الإرادة الفعالة ، بينما ثقافة الضعف تعمل على اغتيال الفكر وتدمير الإرادة فهي شعوب تنتج أقل مما تستهلك وتستورد أكثر مما تصدر.
ثقافة القوة تحصن أصحابها ضد أي تعبية سياسية أو اقتصادية أو ثقافية ، بينما ثقافة الضعف تعد وتمهد نفسية أصحابها بالترحيب بالتبعية السياسية والاقتصادية والثقافية.

إن ثقافة الضعف هى ثقافة غسيل المخ للجماهير المذهولة المخدرة لتهتف باسم قاتليها وأعدائها ، وهذه حقيقة ، فلقد حدثت مجاملة لرئيس الوفد الإسرائيلي عند استقباله في زيارته حيث هتف بعض العرب بحياة بيجن ، واستغرب رئيس الوفد ذلك الهتاف بحياة بيجن لأنهم لم يتعودوا ذلك السخف في إسرائيل . وإليك الواقعة كما يرويها الصحفي المصري الشهير محمد حسنين هيكل: ” لقد وصل الأمر إلى حد ترتيب مظاهرات ودية تستقبل إلياهو بن اليسار رئيس الوفد الإسرائيلي في مؤتمر القاهرة الفاشل ، حينما ذهب لزيارة معبد يهودي في وسط القاهرة ، وحينما زار قرية “ميت أبو الكوم” . وعاد بن اليسار من زياراته إلى فندق “ميناهاوس” ليقول للدكتور عصمت عبد المجيد رئيس الوفد المصرى في المؤتمر ، وعلى مسمع من عشرات الصحفيين المصريين والأجانب : إننى سمعت اليوم هتافا بحياة بيجن … إنني لم أسمع مثل هذا الهتاف في حياتي … ولا أظن أن هذا الهتاف يتردد أبدا فى إسرائيل “.
“ولقد كانت هناك سابقة سنة 1974 ، عندما عبئت الجماهير المصرية بغسيل المخ لكي تستقبل الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ، كما يُستقبل الأبطال وهو الرجل المتهم في بلده بجرائم سياسية وغير سياسية ، بما فى ذلك الرشوة “.

إن ثقافة القوة تمد شعوبها بكل أنواع الأسلحة المادية والمعنوية والنفسية كما تفعل إسرائيل مع شعبها ؛ النساء والرجال وحتى الأطفال رغم حديثهم عن السلام المزعوم ، بينما ثقافة الضعف تنزع من شعبها كل الأسلحة حتى السلاح النفسي ، يقول الأستاذ هيكل: لا أعرف ما الذي كان يدعونا إلى تلك الحملة المركزة لـ”غسيل المخ” للشعب المصري تجاه الصراع العربي الإسرائيلي … كان قصدنا فيما أظن أن نجعل الجماهير المصرية في إطار تستطيع فيه قبول المبادرة ولكن المشكلة أن العيار زاد عن حده ، فإذا نحن نصل إلى نزع سلاح الشعب المصرى . إن أول سلاح يملكه أي شعب تجاه أي عدو هو سلاح الرفض. وتجريد أي شعب من هذا السلاح قبل أن يجيء سلام حقيقي معناه أن هذا الشعب أصبح منزوع السلاح نفسيا بينما الحرب مستمرة “.

ثقافة القوة هي البيئة التي يشيع فيها جو الحوار والحرية والشفافية بين الحكومة والشعب ، فلا تضليل ولا قمع ولا استبداد ولا فساد سياسي أو اقتصادي بينما ثقافة الضعف ترسخ علاقة الخوف بين الشعب والحكومة وعلاقة الاستغلال السيء للمنصب لتحقيق المنافع والمصالح الشخصية.
ثقافة القوة تناصر مبدأ التداول السلمي للسلطة وأن السلطة مؤسسة الهدف النبيل وليست وسيلة لجمع الثروة والكسب الغير مشروع ، وليست السلطة حصانة ضد سيادة القانون. ولا أداة للإرهاب والقمع ضد المعارضة ، وعكس ذلك هو الثمار المرة والفاسدة لثقافة الضعف.
قوة وتحديإن ما نراه من ضعف في المواطن العربي المعاصر – إلا من رحم الله – والذي يظهر في صور متعددة مثل السلبية والاسترخاء وعدم ممارسته لحقوقه وواجباته وذهوله عن التفكير في مصالح أمته واستغراقه في مصالح ذاته ، إنما يقف وراء هذا الضعف سببان:
الأول: ضعف ثقافـة القوة.
الثاني: قوة ثقافة الضعف.

إنه لا بد أن نهتم بمؤسسات الإعلام والتعليم والأمن والعدالة بأن نوفر لها أنزه وأنبل العناصر وأن تُربي على أفضل وأشمل المناهج التي تضيء العقول والقلوب بثقافة القوة والعدالة ، ثقافة البذل والسخاء ، ثقافة الجهاد والتضحية من أجل مصلحة الوطن ، ثقافة الزهد في حب الرئاسة والمال والسلطة ، ثقافة تجعل المبدأ قبل المصلحة والحق فوق القوة ، والعدل أساس السياسة ، والأمة فوق الحكومة ، واجب كل مخلص في العالم العربى ألا يشترك في تحقيق المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية والتي تهدف إلى تجفيف منابع ثقافة القوة وأن يحل محلها ثقافة الضعف ، بل العكس هو واجب المرحلة، أي تطهير مؤسساتنا التعليمية والإعلامية والأمنية من ثقافة الضعف ورموزها ، حتى تستطيع إخراج المواطن العربي المعاصر من سلبيته واسترخائه ، ومن تقصيره في ممارسة حقوقه وواجباته ومن عزلته السياسية ومن استغراقه في مصالح ذاته ، ليصبح عنصرا قويا فعالا ،سليم التفكير وحر الإرادة ، وإيجابيا نافعاً لأمته وأسرته ونفسه، إن الشعوب التي ترفض ثقافة الضعف وتتمسك بخيار الصمود وامتلاك روح التحدي للاحتلال وقوى الاستكبار، فسوف تنتصر، فها هو التاريخ يحدثنا عن انتصار غاندى وشعبه على أكبر دولة احتلال في التاريخ، وتفوق اليابان على من دمرها بالنووى.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. “ثقافة القوة هي البيئة التي يشيع فيها جو الحوار والحرية والشفافية بين الحكومة والشعب ، فلا تضليل ولا قمع ولا استبداد ولا فساد سياسي أو اقتصادي بينما ثقافة الضعف ترسخ علاقة الخوف بين الشعب والحكومة وعلاقة الاستغلال السيء للمنصب لتحقيق المنافع والمصالح الشخصية.
    ثقافة القوة تناصر مبدأ التداول السلمي للسلطة وأن السلطة مؤسسة الهدف النبيل وليست وسيلة لجمع الثروة والكسب الغير مشروع ، وليست السلطة حصانة ضد سيادة القانون. ولا أداة للإرهاب والقمع ضد المعارضة ، وعكس ذلك هو الثمار المرة والفاسدة لثقافة الضعف” باااعتقادي هذه هي مشكلتنا الحقيقة حكوماتنا لها التأثير الاكبر علينا فهي تعمل بمثابة المربي للناس..أما اذا كان الخلل في الحكومات فسيصبح الخلل معمماً على أغلبية الشعوب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*