أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قصة قصيرة : ” الحالة السيريالية “.. من واقع الحياة

قصة قصيرة : ” الحالة السيريالية “.. من واقع الحياة

بقلم: م.  محمود مبارك – يقظة فكر

يا إلهي” .. رغم عفويتها كرد فعل لما حدث إلا أنها لم تخرج من جوفه , حين سقطت منه دواة الحبر على وريقات هامة تعب أياماً في جمعها ..
لم يكن أسوأ تصور عنده يصل إلى هذه الدرجة التى سيفقد بها هذه الأوراق في ثانية واحدة.. وقف مستنكرا سهوه للحظات معاتباً نفسه.. ثم ما لبث أن تحول الاستنكار إلى تأمل عميق وشرود في عالم آخر ..
“ما هذه اللوحة الفنية البديعة التي شكلها الحبر على الورق”.. جلس يحدث نفسه بعدما التقط إحدى الورقات التيى غطاها الحبر .. ” يا الله .. ما أروع هذه القطرات التى تشكلت على الجانب الأسر من الورقة “.

” سبحان الله! أذرع أخطبوط يلتف حول فريسته في مشهد قوة يعبر عن واقع الحياة ” ..

” وهذه الخطوط المتوازية .. ما أجملها، تلك التي تجسد مسارات المعيشة اليومية وسط العواصف ” ..

انظر إلى تلك القطرة الوحيدة في أسفل الورقة .. ما الذي أجبرها على هذه الوحدة خارج منظومة هذه اللوحة الفنية البديعة “.. فلوحات الفن التجريدى لا تترك مساحة لانفراد عنصر من العناصر ..

وما هذه البقعة في الجانب الأيمن “.. إلى ماذا تشير .. ليس لها ملامح واضحة .. كيف ذلك .. لابد وأنها تشير إلى شيئ ما .. إلى ماذا ؟ إلى ماذا ؟؟ ” نعم نعم !! إنها بالتأكيد تشير إلى الكرة الأرضية .. كيف فاتنى ذلك .. بدونها لا تكتمل هذه اللوحة الإبداعية النادرة!

دقائق طويلة مرت في هذه الأحاديث الداخلية .. قبل أن ينتبه إلى نفسه .. لحظات من التفكير العقلي .. أو هكذا يظن ..
ثم أحاديث النفس تطارده مرة أخرى: ” لا بد من عرض هذه اللوحة الجميلة على كل البشر ، ليروا روعة هذا الفن “

خرج إلى أصدقائه يدعوهم لمشاهدة فنّه الراقي وإبداعه اللامحدود .. لم يجد إسماً يسمي به لوحته سوى ” الفن التجريدي ” .. ربما ليقينه أنه اسم غامض لن يسأل أحد عن معناه , وإن سئل فإن أي إجابة منه صحيحة اعتماداً على جهل السائل ..

ازدحمت غرفته بالزوار من الأصدقاء .. كان يوجههم دائماً إلى التفكير في اللوحة فقط .. وعدم الإنشغال بكيفية إجرائها أو رسمها!

لكل جزء في اللوحة الصغيرة تفسير فني وواقعي عنده ، قدرة فائقة في الربط و التنسيق بين المكونات، واندهاش الجميع من عمق لمساته ومعانيها الراقية التي تجسد ملامح الحياة ، جعلت أحاديث نفسه تأخذ منحىً آخر بعد سيول المدح التي تلقاها من المحيطين ..

” لماذا لا أعرض لوحتي هذه على الفنانين في معرض يضم كبار المبدعين أمثالي”
هاجس خافت ظل يطرق على باب قلبه بهدوء .. كلما ازدادت الطرقات كلما ازدادت الفكرة رسوخاً ..

” ما المانع .. لا شيئ يضر “

قرار جاء على أرضية كبيرة من الاقتناع بالذات ومساحة أكبر من الثقة بإبداعها.
..
..
” سيد خالد .. “

صوت جاءه من الخلف قاطعاً كل حبال التفكير وشرود النفس، لم يترك الصوت له مجالاً فأكمل: ” لدي سؤال بسيط يا سيدي .. هذه الكلمات في خلفية لوحتك .. هل تعبر عن إبداع ما ؟؟ أنا متأكد أنها لم تأت جزافاً .. لماذا لا تضع لوحة أخرى بجوارها لتشرح لمريديك هذا الترابط النادر بين النص والصورة “

” عفوا .. عفواً “

قاطعه الفنان ..” دعنى أراجع هذه الكلمات على انفراد”

وقف أمام لوحته الوهمية مصدوما وكأنه يراها لأول وهلة: ” يا إلهي .. يا إلهي .. ماذا حدث لورقتى الهامة !! “

ما هذا .. !! ماذا يحدث ؟؟ .. من هؤلاء الناس ؟؟

ظل يصيح في هيستريا .. لم يشكّ أحد الحاضرين برهة في صدق صراخه الذي يختلف عن صياح إبداعه الأول ..

انصرف الحاضرون بهدوء قاتل .. هدوء لا ينم عن معجبين من لحظات كانت عبارات مدحهم تهز أحياء المعمورة بأسرها

وجلس خالد وسط غرفته واضعاً كفيه على وجهه شارداً.

ما الذي حدث ؟؟ ما الذي حدث ؟؟ .. مازال يسأل نفسه!

.. دون رد
.. دون رد

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

3 تعليقات

  1. الوهم احد امراض العقل فى الزمن المعاصر ربما نمنح انفسنا شيئا من الوهم لعدم قدرتنا على مواجهة الواقع لكن لن تبقى الا الحقيقه فى نهاية المطاف لا محاله
    اسلوب احد اسمائه الجرى فى المكان
    رائعه قصتك ورمزيتها الجميله

    خارج النص
    يا ريت الاخوه اصحاب الفن التجريدى فى الموقع يقراو هذه القصه 🙂
    طبعا اقصد المبدع صلاح
    تحياتى لكل المبدعين

  2. عمار البلتاجي

    يا أيها المبدع …
    قل لي بربك كيف رسمت هذه اللوحة الفريدة ؟
    وكيف نسجت خيوطها البديعة؟
    وكيف أقترف قلمك هذا الإبداع الرائع وهذا الفن العميق؟

    أتذكر من لوحتك كلمات صديقي العزيز عن مفهوم القراءتين في “إقرأ” الأولى ، ومفهومها عنده أن القراءة الأولى تكون قراءة الآيات وتدبر معانيها ومراميها ، والثانية تكون “قراءة الكون” في ضوء الآيات والربط بين آيات الكتاب وآيات الكون وأفعال البشر وأشياء الجماد ..

    أعترف لك بالسبق وأقر لك بالفضل ..
    م محمود 🙂 …. تحياتي ،، لإبداعك العميق !

  3. أخي أحمد 🙂 نعم قرأتها وأعجبتني كثيراً ، لتمكن التجريدي من قلبي! ،، صممت لوحة لها وهي التي تراها!

    ننتظر قصص أخرى منك أخي محمود

    ربما أجمل رمز لها ، هو الصراع بين الوهم والحقيقة! والخيط الفاصل هو الإدراك.

    سعدت بكم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*