سنة التداول والعمل السياسي
يقظة فكر | أبريل 30، 2010 | التعليقات: 1

أمجد أبو العلا - يقظة فكر
قال تعالى :{وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} .
( داول ) كذا بينهم أي جعله متداولا تارة لهؤلاء و تارة لهؤلاء ويقال داول الله الأيام بين الناس أدارها وصرفها وفي التنزيل العزيز (وتلك الأيام نداولها بين الناس). ومنها دواليك أي من المصادر المثناة للمبالغة و التكثير تداول بعد تداول و مداولة على الأمر. هذا هو معنى التداول لغة كما جاء في المعجم الوسيط.
مبدأ العلم بالتداول لمن يريد أن يعمل في الحقل السياسي له معنيان أحدهما أن يعلم السياسي أن التداول هو سنة من سنن الله عزوجل في أرضه ، وأن المنصب أو الجاه لو دام لأحد ما وصل إليه، وأن سنن الله عزوجل في تداول الأيام لا تحابى أحدا فهي مبنية على مثلثين كما يوضح ذلك الدكتور عماد الدين خليل وهما:
- المثلث الأول يتكون من 1- سنة التداول 2- سنة التدافع 3- سنة التغاير
- المثلث الثاني يتكون : 1- الأجل المحتوم 2- الهلاك المحتوم 3- إرادة الله الغالبة.
ويقصد بهما أن التداول والتدافع والتغاير سنة حتمية في الكون لا يمكن تغييرها ولا تبديلها ، وأن التداول قد يحدث بأجل محتوم أو إهلاك محتوم ، وذلك لأن إرادة الله هي العليا.
إذا علم السياسي ذلك فإن ذلك يؤدى إلى الراحة النفسية حيث لا يكتوي بنار فراق المنصب أو المسئولية ، وأن يترك المنصب والناس تحبه وتدعو له، خير له من أن يتركه والناس تلعنه، كما إن ذلك يقلل من عملية التزلف والنفاق للحفاظ على الكرسي ، يقول الدكتور محمد عمارة “علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سنة التداول هذه هي التي جعلت وتجعل خط سير التاريخ يأخذ شكل “الدورات” فكما يتم التداول بين الليل والنهار كذلك يتم التداول بين العدل والجور وبين الصعود والهبوط وبين التقدم والتخلف وبين النهوض والانحطاط ” ، كذلك يعلم أنه مهما بلغت قوة الأنظمة المستبدة في احتكارها للسلطة فأنها إلى زوال، وما عليه إلا أن يعمل ويترقب الفرصة الحقيقية لإزاحة الديكتاتورية والفساد، وهذا هو المعنى الأول وهو مقصود معنوي أردت الحديث عنه بداية.
تداول السلطة أو الحكم أو المسئولية هو المعنى الثاني الذي أردت توضيحه للفاعل السياسي، فهناك مفاهيم سياسية وأحكام عالمية أصبحت اليوم تفرض نفسها وبقوة ، ولا يجوز التنائي عنها ومن هذه المفاهيم تداول السلطة، والمعارضة، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان وذلك ليس داخل الدولة فحسب ولكن داخل كل حزب وحركة ومؤسسة، كما أن الانتخابات قد أصبحت هي الفيصل الوحيد في الأهلية للحكم، وفى قياس مدى تقبل الناس للبرامج والمشروعات والشخصيات وتفضيل بعضها على بعض.
الانتخابات هي الحل السلمي لتداول السلطة حاليا ، وبغيرها تنشأ الصراعات، والحروب، والاقتتال الداخلي والخارجي أيضا، فعلى الفاعل السياسي أن يعي أهمية دورة التداول في المؤسسات لتقديم وجه مشرف للحزب أو للحركة أو المؤسسة، ولذلك فإن أكثر ما يسئ إلى المؤسسات السياسية في الوطن العربي هو أبدية الزعماء والرؤساء والمؤسسين وعدم وجود ما يسمى بالظاهرة الدورية كما يسمها مالك بن نبي رحمه الله.
ولذلك فقد عرف شارل دباش التداول على السلطة بكونه ’’مبدأ ديمقراطي لا يمكن ـ وفقه ـ لأي حزب سياسي أن يبقى في السلطة إلى ما لا نهاية له, و يجب أن يعوض بتيار سياسي آخر’’. أما جان لوي كرمون فيعتبر أن التداول يدخل تغييرا في الأدوار بين قوى سياسية في المعارضة أدخلها الاقتراع العام إلى السلطة و قوى سياسية أخرى تخلت بشكل ظرفي عن السلطة لكي تدخل إلى المعارضة’’ ومن ذلك يتضح لنا أن هناك تداول كلي وهو تداول كامل للسلطة في الدولة على كل الأصعدة الرئاسية والبرلمانية ، وهناك تداول جزئي كأن يفوز بالانتخابات البرلمانية حزب معارض بينما تبقى الرئاسة كما هي ، وأخيرا هناك ما يسمى بالتداول عبر وسيط حيث يقوم طرف ما بترجيح كفة أحد طرفين يستطيع بموجبه الحكومة*.
هناك علامات أو أمارات في الدولة أو المؤسسة السياسية حتى توصف بتداول السلطة نذكر أهمها فيما يلي:
- تعدد الأحزاب والحركات والتيارات وحرية تعبير كل منها عن رأيه دون قيد أو مساءلة.
- الانتقال السلمي للسلطة فمثلا هناك بعض الدول كثرت بها الانقلابات العسكرية فهذه لا يمكن أن توصف بالتداول ، حيث أن انتقال السلطة مصحوبا بالقوة والعنف وليست بالرضا الشعبي.
- شهادة الأطراف المختلفة بوجود الحرية في التعبير عن الرأي وإمكانية التداول.
- الانتخابات وهى أحد الآليات الظاهرة المعبرة عن وجود تداول للسلطة ، وكلما كانت الانتخابات شاملة لكل المواقع القيادية كلما ارتفعت معها نسبة الشفافية ونسبة التداول في الدول أو المؤسسة، فمثلا في بلد مثل مصر حتى تكون نسبة الشفافية عالية وحتى توصف مصر بأنها لديها عملية تبادل للسلطة فعليها أن تكون هناك انتخابات رئاسية، وبرلمانية، وعلى مشيخة الأزهر، ورؤساء الجامعات، وعمداء الكليات، ورؤساء المجامع الخ.
كما أن الأحزاب وحتى توصف بالتداول فينبغي أن تكون الانتخابات على رئاسة الحزب ، وأمناء المحافظات ، والهيئات العليا، ومن يرغب بالترشح للانتخابات العامة، وكلنا قد شهد كيف خاض أوباما معركة شرسة مع كلينتون داخل أروقة الحزب ليفوز بترشيح الحزب الديمقراطي له ، ولم نسمع أحدا يقول إن هذا سوف يتسبب في شق الصف الداخلي للحزب، أو تشويهه لصورة الحزب، بل إن المؤكد أن ذلك قد حسن من صورة الحزب إقليميا وعالميا حتى فاز الحزب بالانتخابات الرئاسية.
- أن يرى المراقبون والجماهير تغييرا حقيقيا يحدث أمامهم لا شعارات، فما أكثر الدعوات بوجود التداول دون وجود تغييرا حقيقيا وانتقالا للسلطة.
- أن لا تكون هناك يد عليا على الانتخابات أو المجالس المنتخبة، بحيث تتمكن من ضرب عملية التداول من أساسها كما يحدث في بعض الدساتير حيث تعطي الصلاحيات لرئيسها بحل البرلمان مما يؤثر على مصداقية ونزاهة الانتخابات.
- أن تكون الانتخابات تتم وفق قواعد متعارف عليها ومتبعة حتى يتم وصفها بالنزاهة ، مثل الإشراف القضائي ، ووجود لجان للمراقبة، والنظر في الطعون ، وحق الأفراد في الترشح بمعايير معقولة ، لا أن يتم تفصيل قوانين بعينها لتمرير فرد ، أو مجموعة، أو فصيل بعينة دون الآخرين كما يحدث في كثير من البلدان.
* التداول على السلطة – عماد بن محمد
أمجد أبو العلا | Amgadrabea1983@yahoo.com
اقرأ أيضا:
التصنيفات: الفكر السياسي • مختارات








جزاك الله خير وجعلك خير لك ولامتك