banner ad

فوضى منظمة [1]

سلسلة فوضى منظمة [1]

بقلم: عمار البلتاجي – يقظة فكر

تمر أمتنا الإسلامية بمرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد، وفترة حرجة، وأوضاع تدفع بأبناءها إلى اليأس والإحباط والتشاؤم وضعف الإهتمام بالصالح العام كنتيجة حتمية لموجات الإحساس بالضياع والتخلف واليأس والقنوط الذي أضحى واقعاً، يفرض على المخلصين البررة من أبناء هذه الأمة مضاعفة جهودهم لأجل الوصول لحالة الشهود الحضاري والحضور الفكري والثقافي والإنتصار في معركة الهوية، وهذا يستلزم مواجهة على جبهتين:

الجبهة الداخلية بهدف إصلاح الفكر المتأزم، ودعم تماسك البنية الداخلية الهشة بأدوات التشخيص والتقويم والمراجعة وتحديد أوجه الخلل وبواطن العلل وعلاجها بغذاء الولاء، ودواء السماء.

ومواجهة أخرى ليست أقل خطورة على الجبهة الخارجية، تتسم بالتنوع الشديد في أدواتها الحضارية، وتعدد أصعدتها وميادينها الثقافية والفكرية والسياسية والعسكرية والإقتصادية وحرب الهوية الشرسة وصراع القيمة والمنهج والإستلاب الحضاري الذي تعاني منه حضارتنا المنهكة ذات التاريخ العظيم مع العدو الخارجي وأذياله، والموارد الحضارية الوفيرة.

لذا فرض الإنحسار والتراجع الحضاري والإنساني على مستوى الأمة والأفراد في واقعنا المعاصر على المجاهدين بالكلمة المرابطين على ثغور الفكر وحصون المعرفة أن يتحملوا العبء الأكبر والمسؤولية الرئيسية ويدفعوا تبعاتها بالعكوف على مراجعة الذات الجماعية والفردية (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ)، وتحديد أوجه الخلل وبواطن العلل وتشخيص الأزمة بدقة أملاً في معالجتها، وهذا جهاد عظيم لا يقوم به إلا العظماء الذين ارتضوا المرابطة في ميادين الجهاد الكبير (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا).

ولمواجهة هذه الواقع الأليم تعددت الإستراتيجيات الإصلاحية والتغييرية التي تستند إلى الإسلام وعقيدته كفلسفة ومشروع إصلاحي، ونظراً لتعدد الأفهام وتفاوت الإدراك، تنوعت الإستراتيجيات الإصلاحية التي تدور في فلك التفسير الإسلامي للكون والحياة والإنسان وتبني إصلاح واقع المسلمين الحضاري المأزوم كهدف نهائي يصل بالأمة لحالة الشهود وإعادة البعث الحضاري.

وفي ظل غياب المشروع العام الذي يضم طاقات الأمة الفاعلة 1  ويجمع الجهود الإصلاحية ويستوعبها داخل إطار حضاري شامل ويقوم بتنظيمها وتوجيهها بأدوات الحشد والتعبئة والتنسيق والتكامل وتوزيع الأدوار بشكل تكاملي يصنع إصلاح وتغيير للواقع المأزوم، ومع تفتت الجهود الإصلاحية بدلاً من تضافرها، والإنشغال بالمعارك والصراعات الداخلية (الطاحنة أو الناعمة على حد سواء) التي تستنزف مقدرات الأمة وتهدرها في الميدان الخطأ، وبالتزامن مع دخول أمتنا مرحلة “القصعة” التي تتميز بالتداعي الخارجي والغثائية والوهن الفردي والجماعي… أضحت الحاجة ملحة لإستراتيجية إصلاحية جديدة تعتمد على التكامل الفطري والمنظم للجهود الإصلاحية المبعثرة وتوجيهها في الميدان الصحيح..

فوضى منظمة2

والمراد منها هو تنظيم الفوضى القائمة كأمر واقع له مساوئ كثيرة وإيجابيات قليلة يمكن تعظيمها والإفادة منها كإستراتيجية مرحلية مؤقتة تهدف للخروج من الواقع المأزوم وتجاوز محن الفرقة والتفتيت والفوضوية الشاملة الهدامة للوصول إلى مرحلة أكثر تنظيماً ورشاداً والإجتهاد في الإنتفاع بها.

- فهي فوضى: لأنّ الفوضى أصبحت أمر واقع لا يمكن تجاوزه إلا بإستراتيجية مرحلية إنتقالية كتلك التي نقترحها ولأنها أضحت سمة مميزة في ظل غياب المشروع العام وغياب الرؤية الكلية -كما سبق ذكره- .

- وهي منظمة: لأنها معنية بالتعاطي الإيجابي مع هذا الواقع السلبي، ومحاولة تقليل الخسائر وتعظيم الأرباح الحضارية لتنظيم الجهود المبعثرة وربطها بأطر تنسيقية (لا أوعية تنظيمية) تساعد في تقليل الثغرات التي نؤتى من خلالها.. كإستراتيجية مرحلية تمهد لإعادة البعث الحضاري من خلال مشروع عام..

فتكون الفوضى المنظمة3: هي محاولة لم شمل الجهود المبعثرة وتحقيق إنسجام داخلي بين مكوناتها ووحداتها، للقيام بأدوار تكاملية تساهم الإطر والمبادرات التنسيقية في صناعتها بشكل (يتوافق ولا يتفق) مع البنية الأيديولجية لوحداته ومكوناته على المستوى الفردي أو الجماعي، لصياغة حراك داخلي يعتبر قوة رافعة تمهد لتحقيق أهداف المشروع الإسلامي النهائية.

قواعد الفوضى المنظمة العشرة
نتناول بمزيد من التفصيل أعمدة هذه النظرية وأركانها وأسسها في المقالات القادمة..
_____________________________________________________
 
 

 وهم –كأفراد- في تزايد مستمر وكبير ، وإحصاءات المتطوعين في الجمعيات الخيرية والأنشطة التطوعية والتنموية والثقافية تظهر طفرة عددية غير مسبوقة .. وتوجيه هذه الطاقات ومنع تبديدها وإستثمار إبداعها ولم شمل الجهود المبعثرة وتنظيمها في حراك إصلاحي متوازن منظم سيكون نقلة نوعية  . 

 2  المصطلح من كتاب الإستراتيجية الإسلامية 2010 (خطة مقترحة للنهوض بالأمة الإسلامية)، لمؤلفه: عباس آل حميد. 

3 تختلف تماماً عما طرحته وزيرة الخارجية الأمريكية  تحت عنوان (الفوضى الخلاقة أو اللاإستقرار البناء) وهو طرح يهدف لدفع التمدد الحضاري الغربي في المنطقة عن طريق تدمير حصون الاستقرار والتوازن والقوة في الشرق الأوسط ؛ لتهيئتها لتقبل النموذج الأمريكي بلا مقاومة

 

شارك

اقرأ أيضا:

  1. فوضى منظمة [4]
  2. فوضى منظمة [2]
  3. فوضى منظمة [3] – الإيمان بالفكرة..

التصنيفات: مختارات

خلاصة RSSالتعليقات: (11)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. ولاء رزق قال:

    جميل جدا المقال
    أفكاره واضحة

    لدى تعليق على الفوضى المنظمة
    وكلمة يتوافق ولايتفق

    جميلة جدا العبارة

    البحث عن التوافق بين الإطر والجهود المنوطة بتحقيق مشروع إسلامى شئ مميز جدا
    على عكس البحث عن الإتفاق فقط

    شئ آخر
    هل الإطر التنظيمية الموجود فى عالمنا الإسلامى
    أصبحت جزء من هذه الفوضى
    ولا يمكن لها بالقيام بما هى من الأصل نوت ان تقوم به

    أم أنت تقصد البعد عن الإطر التنظيمية
    بحيث يشمل المشروع الجميع ويحتويهم ويجمعهم

    ؟؟؟

    ننتظر العواميد العشرة بشروحهم لأنهم فى غاية الأهمية

    موفق يافندم

  2. مصطفي النجار قال:

    ايه الجمال الفوضوي دا
    :)

  3. عمار البلتاجي قال:

    الأخت ولاء رزق :
    … لنتفق أنه من المتعذر الإجماع والإتفاق التام على رؤى تفصيلية تقود الحراك الإصلاحي في الأمة (جماعات وأفراد) ، لذا يجب أن يكون أمامنا مجموعة من الخيارات والبدائل (التي تندرج تحت مسمى توافق .. لا إتفاق إجماعي فهذا متعذر) كالتركيز على التعاون في المساحات الإصلاحية العملية المشتركة حتى مع وجود الخلافات الفكرية والإختلافات الأيديولوجية ….فيكون “التوافق” هو مساحة أوسع وأرحب وأشمل من مساحة “الإتفاق” الضيقة .
    أمثلة للمستويات التوافقية :
    -الإتفاق والتحالف .. وهذا صعب غالباً لصعوبة الإجماع على رؤية عامة وبرنامج تفصيلي لتفاوت الأفهام والمدارك والثقافات .
    -الشراكة والتعاون.. تنفيذ مشروعات مشتركة في المساحة التي يحدث فيها تلاقي
    -التأييد والنصرة .. الإكتفاء بالنصرة المعنوية والمادية دون التعاون العملي .
    -التقارب .. إزالة الحواجز النفسية والنزعات التعصبية بين الأفراد المنتمين لأيديولجيات مختلفة .
    -وأخيراً : كف الأذى!! وهذا أضعف الواجب وأقله !

    *******
    بالنسبة للإطر التنظيمية القائمة في العالم الإسلامي ..
    وهذه لها أدوار إصلاحية كبيرة -لا ينكرها إلا جاحد أو مكابر- ولم يدعوا المقال للإستغناء عنها! ، لكن ما تحتاجه أمتنا الإسلامية لا يتم -فقط- بالإكتفاء بها ؛ وإنما بإكمال مهمتها بالمبادرات الفردية التكميلية (كما في الرسم الإيضاحي الأول) والمشروعات والإجتهادات غير التنظيمية ، والإطر التنسيقية التي تجمع هذا وذاك في المساحات التوافقية المشتركة….

    وخلاصة القول ..؛ أن أمام المهتمين بصالح الأمة العام ,, ثلاث خيارات : إما أن ينشئوا مشروعهم الإصلاحي ، أو يكونوا -هم ذواتهم- مشروع إصلاحي لخدمة الأمة كأن يكون أحدهم شاعراً أو فناناً أو كاتباً مفكراً أو إعلامياً ، أو يشاركوا في مشروع قائم ويدعموه ويساهموا في إنجاحه وتحقيق أهدافه .

  4. شيماء ابوزيد قال:

    :) ))))) رائع موفق عمار

  5. إدريس قال:

    جميل ياعمار تحليل هادئ موفق إن شاء الله
    نعم ما وصلنا إليه في مصر من تدني في كل الميادين (وأقول كل وليس معظم) ليس بسبب إهمال ولا استهتار إني أدرك تماماً أن الاحتلال الأجنبي ما ترك بلادنا بقواته العسكرية؛ إلا وهو مطمئن تماماً أن الحكام “من أبناء البلد” الجدد سيحققون له مصالحه الاستراتيجية(بل وزيادة للدلالة على الكرم العربي الأصيل)، إما “اتفاقاً” باختيارهم بشكل مباشر، بعد صناعتهم، أو “تغاضياً” بتمهيد الطريق أمام الأسوأ، والأجهل، والأظلم؛ فتتحقق المصالح أيضاً، ولكن بشكل غير مباشر. فهناك من الدول التي فيها فساد سياسي ولكننا نراها متفوقة في مجالات أخرى كمثل الصين (ممنوع فيها الكلام عن الديمقراطية وحقوق الإنسان يتوسع الأمر إلى الانترنت)ولكننا نرى انه أكبر بلد مصدر وناجح اقتصاديا بشكل مبهر لكن الأمر في مصر فساد في كل المجالات سياسة ،اقتصاد، تعليم ، تجارة ،صناعة،……،……. حتى الكذب والخداع ليس لهم قدرة عليه. فهذا ليس من فراغ إن هناك من يلعب خلف الستار( أو أمام الستار) ليوصل البلد إلى ماهو عليه لكن التغيييييييييييييييييييير هو الحل. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

  6. إدريس قال:

    ومن سمع الدكتور عبدالخالق فاروق في بلا حدود على قناة الجزيرة يدرك أن هناك دولة لها – دستور فساد- له مواده ومعاييره ومرجعياته ومصادره . وطحن البلد والمواطن هو هدفه الأسمى

  7. ابو محمود قال:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ”

    بارك الله فيكم أخونا الكريم

    كلام جميل جدا نسال الله التوفيق لكم وكم محتاجه الأمة الأسلامية لمثل هذه المواقع ولكم مني الف تحية

  8. Aya قال:

    رااائع للغاية..
    لكن أرى أن العرقلات أمام إيجاد مساحات التوافق هي أكبر من أن نوجدها هذه الفينة.. خصوصا وإن كانت مما نعتبره مبادئ!!
    على نطاق ما أرى من المؤسسات الإصلاحية عندنا.. تقتضي أهم سياسات المؤسسة عدم التعامل مع مؤسسات أخرى تقوم على ذات العمل.. فترى انعكاسات هذا التحدي السلبي كثيرة.. ومنها أن الأهمية تتركز على نجاح مشروعات المؤسسة وليس نجاح الفكرة التي تدَّعي القيام لأجلها..!
    هذا يوجِد الكثير من التعقيد في حالة نود فيها إيجاد توافقات مع آخرين يعملون في ذات الشأن..

    بالتوفيق إن شاء الله

  9. عمار البلتاجي قال:

    الأخ إدريس :
    أدعي أن أوجه الفساد التي تفضلت بإيجازها هي أعراض لمرض ومسبب واحد ، هو الأزمة الفكرية التي تتضح كأعراض في السياسة والاقتصاد والتربية والتعليم …. ، وأظن أن حقبة الإمبراطوريات الإستعمارية الكبرى في أفول ، وحالياً هناك الإستعمار الحديث غير المباشر منخفض التكلفة -كما تفضلت-
    ********************
    الأخت آية :
    الوضع الفلسطيني له خصوصية .. وتجربة (التعالي على الأيديولجيا) وصلت لطريق مسدود ، فلا يمكن تذويب الهويات والأيديولجيات المقاومة في هوية تحرر وطني متجاوزة للأيديولجيا والبواعث العقدية لأفرادها ؛ لكن يمكن التوافق حول مشروع تحرر وطني من الإحتلال الإستيطاني الإحلالي تحمله مجموعة حركات إصلاحية تتبنى تحرير الأرض من منطلق أيديوجيتها وبواعثها العقدية الخاصة (لا الذوبان في هوية واحدة فهذا متعذر تحقيقه) ، والتحرير هنا لا يكون الهدف النهائي لمشروعات حركات المقاومة ، وإنما جزء من رؤية أشمل وأوسع ، ويكون التوافق حينها حول أولوية التحرر الوطني هو المساحة المشتركة التي ينبغي التعاون فيها والعمل على تحقيق التحرير الكامل للأرض .

  10. عبدالرحمن يوسف قال:

    انا اتفق تماما مع انه لا بد ان تفعل المبادارات الفردية والعمل التنسيقي من غير ذوبان الهوية او ضياعها فلا بد ان يتحد الجميع علي تحقيق اهداف مشتركة حتي اذا كانت البواعث علي تحقيق الاهداف مختلفة

  11. عبدالرحمن يوسف قال:

    ولكن لست ابدا مع اخفاء البواعث واظهار الايدولجيات والافكار بوضوح علي العمل اثناء التنسيق او التحالف للوصول لاهداف يسعي الجميع لتحقيقها

أضف تعليقك