أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مختارات / الاشتباك الأزلي في أزمة المصطلح وتحديد المرجعية [1]

الاشتباك الأزلي في أزمة المصطلح وتحديد المرجعية [1]

بقلم: محمود مبارك – يقظة فكر

حتى المفكر سيد قطب نفسه الذي كان يستنكر الفلسفة لفظاً ومعنى ويرفض مصطلح الفلسفة الإسلامية ويراها علماً للجدليات الذي لا طائل منه سوى ترف العقل ـ كان فلسفياً ومفكراً من الطراز الأول, وتشهد كتاباته على ذلك غير أنه ومعه الشيخ الغزالي لم يأخذا نصيبهما من إنصاف المناهج البحثية رغم عمق نظرتهما للأمور.. لذا فإننا نستطيع القول بأننا نعيش أزمة مصطلحات منبعها زيادة مساحات الاجتهادات كماً وكيفاً.
فلا عجب إذاً في الاختلاف حول تعريف معنى الفلسفة الإسلامية وغيرها من معاني ومصطلحات كثيرة متنوعة, فقد اختلف العقل في تفسير المسلّمات والثوابت, فكيف بنا في المتغيرات والعلوم المستحدثة!!

ألم يخرج علينا مصطلحاً جديداً يسمى “العلمانية الجزئية” ينسف جزءاً مما جرت عليه العادة التاريخية في فهم “العلمانية”, ألم يحرف الشيوعيون الجدد معنى “الشيوعية” بممارساتهم العملية.
ومثال آخر أقرب, حول مفهوم “التجديد والإصلاح”, فليس لهما تعريف ثابت, ومن حق أي مطّلع وباحث ومجتهد أن يطلق لفظ “المجدد” و”المصلح ” و”الإصلاحي” على كل من يراه كذلك وفق تصوراته ومقاييسه, فمحمد عبده مصلح ورشيد رضا مجدد والأفغاني كذلك.

ولكن لا حرج في اختلاف مجتهد آخر برفض هذه التسمية على هؤلاء, ذلك أن هذه المفاهيم ليست لها مرجعية للقياس ولا حواسم في الاختلاف حولها, فكلٌ له تعريفه الخاص ومقاييس متنوعة وفق تصوراته وخبراته.

وعليه فمن حقي ـ مثلاً ـ أن أطلق لفظ “الإصلاحي” أو “المجدد” على (مارتن لوثر) فمجهوده ـ في رأيي ـ يستحق ذلك الوصف, في تنقيته للعقيدة المسيحية ودحض الخرافات التي لازمتها قبل مجيئه في القرن الخامس عشر, بمنطق ازدواجي مفيد بين العقل والروح, ومن حق أي فرد أن يختلف معي في نظرتي هذه, بنفس الحق الذي اختلفت فيه مع من أطلق على “جيفارا” لفظ المناضل العصامي.. وعلى نفس خط اختلافي مع من هضم حق كل من قطب والغزالي وهما من أبرز مجددي هذا العصر على بساطة تراثهم.

حتى في حياتنا اليومية, نرى تجليات هذه الظاهرة في كثير من ألفاظنا ومصطلحاتنا الدارجة, وتعبيراتنا ونظرتنا للأمور, حتى إننا لننفق أوقاتاً كبيرة أحياناً لتوحيد فهم المصطلح قبل أن نناقش آثاره وتطبيقاته وإسقاطاته وانعكاساته على الموضوع قيد المناقشة.

اذاً.. هو اشتباك أزلي ليس له حل سحري, لأن الحل الأسهل لهذا الإشكال هو إلغاء وظيفة “العقل” وغلق باب “الاجتهاد”, وهو مطلب غريب يتنافى مع الفطرة الإلهية في خلقه.
والسؤال عن الحل جد عسير, في توصيفه وتطبيقه ثم حفظه من الانحراف, لكننا نقول أننا نملك حلاً وسطاً يكمن في توحيد مرجعية فكرية ومصدر واحد يُعرض عليه أي اختلاف لنرضى بحكمه, وتعتمد هذه الفكرة على نقل محل الاختلاف من اختلاف حول المصطلح ذاته إلى الاختلاف حول تفسير بيان المصدر له.

إن نقل ساحة الاختلاف هذه ضرورية للخروج من دائرة “العقل المطلق” والاجتهاد منزوع الروح والإسقاطات الغير موفقة, والتأثر المبالغ فيه بالثقافة الغربية على ما فيها من إجحاف ومادية معارضة لخصائص التصور الإسلامي وحكمه ونظرته للأمور, ومن شأن “نقل الساحة” هذه أن ينتقل بالاختلاف المشار إليه إلى ساحة لها ضوابط وأصول وإسهامات موثقة, بدلاً من ساحة ليس فيها حكم ولا مراقب سوى العقل المجرد وستنتهي به إلى فوضى وتخبط.

والمقال القادم بمشيئة الرحمن نستعرض فيه هذه المرجعية الإسلامية وخصائصها.

Print Friendly

ما رأيك؟ :)

comments

3 تعليقات

  1. ازمة المصطلح لا تحتاج الى حل قطعى فقد حكمت عليها من العنوان بأنها أزلية، لأن الأزمة- فى احد جوانبها- تكمن فى توظيف المصطلح لمصالح أيديولوجية ضيقة تمنع الفكرة”المصطلح “من أخذ حيزها فى عالم الافكار  بمعنى ان الأفكار المطروحة تصبح ذات أبعاد حركية اكثر منها معبرة عن اجتهادات عقلية
    فهم المصطلح و انتاجه هو نتاج تغير الظروف و اتساع مدارك العقل البشرى بالاضافة الى الاعتماد على التجربة البشرية المتغيرة ، و هى أشياء بالضرورة لا تعرف الاستقرار و الأصل فيها التغير
    الأزمة تحولت من ظاهرة نخبوية الى ظاهرة شبه شعبية نتيجة العولمة و تطور وسائل الاتصال فهى لم تكن نوع من الترف الفكرى بجانب أن المرجعية الاسلامية نقتضى التنوع و الاختلاف و الا تحولت الى استبداد فكرى يستمد مشروعيته من الدين بجانب انه مازال هناك أسئلة كثيرة لم يعرف لها جواب قطعى مثل سؤال الدولة و سؤال الحرية
    المعضلة ليست فى المصطلح لأنه لا يوجد مصطلح محايد و فهو يعبر عن تراكمية فكرية و اجتماعية محددة حسب مستخدمه ، المعضلة فى تنظيم الحوار بين المسلمين و فى المناخ الذى يحكم النقاش ، فمن وجهة نظرى أن ” تحديد المرجعية الاسلامية ” لا يحل شئ بل يزيد الأمر تعقيدا لأنه يقول بأن الاسلام له حدود ثابتة جامدة و هذا مناف للحقيقة يكفى للمرجعية أن تكون “الكتاب و السنة”و بعدهما يجتهد الانسان فى فهمها ليكون تصوره “الاسلامى ” ، ثم يكون للمجتمع الحق فى اختيار التصور الذى يناسبه

    عرض طيب للأزمة … وفى انتظار استكمال الفكرة فى المقال القادم

  2. لابد من التفرقة بين ( المصطلح ) و ( المفهوم ) , و لكل ( مصطلح ) ( مفهوم ) , و الناس يختلفون على مفاهيم المصطلحات لا على المصطلحات نفسها , لذلك لابد من تحديد مفهوم كل واحد للمصطلح قبل النقاش , أما المرجعية فهي لعرض المفاهيم عليها , لا مجرد المصطلحات .
    المثال الذي ضربه محمد فتحي عن الاختلاف حول الديموقراطية , نابع من الاختلاف حول المفهوم لا المصطلح , فمن ناظر للديموقراطية أنها فلسفة وضعية تجعل الأغلبية هي واضعة القيم و التشريعات دون مرجعية من وحي أو مقدس , آخر يراها مجرد آليات للاختيار بالترجيح بالأغلبية , و لا يلزم افتقادها للمرجعية الثابتة , لذلك نجد البون الشاسع بين من يراها حلا يقبله الإسلام و من يراها كفرا أكبر .
    مثال آخر : الاستحسان الذي اعتبره الإمام مالك تسعة أعشار العلم , بينما اعتبره الإمام الشافعي تلذذا و حكما بالهوى و تشريعا من دون الله , فكل منهما يتحدث عن مفهوم مختلف لنفس المصطلح
    و مثال الشهيد سيد قطب الذي ذكره الأخ محمود في نقده للفلسفة و منهجها – كما في خصائص التصور الإسلامي – فهو نقد للفسلفة باعتبارها منهجا لبحث علاقة الإنسان بالكون و مركزه فيه و دوره فيه بمعزل عن الوحي , و غيره سيرى الفلسفة من العلوم القابلة للصبغ بالصبغة الإسلامية لأنه رأى فيها منهج بحث يصلح لقضايا أخرى .
    و هكذا , لذلك كثيرا ما يكون الخلاف ( لفظيا ) أو ( مؤداه واحد ) كما يكثر ذلك في تراثنا
    لذلك الإمام البنا في عشرينيته الأصولية أكد على ضرورة البحث عن مفاهيم المصطلحات و عد الانخداع بالألفاظ
    و الله أعلم

  3. الإصطلاح لفظ إصطلح عليه أهل فن معين يحمل دلالة معينة ،مثال ذلك أهل الديمقراطية كمصطلح حين وضع وضع أزاء حكم الشعب للشعب بالشعب بينوا الياتها بانها حكم الغالبية ان اجتمعت الغالبية على شىء صار قانونا واجب الطاعة لذا الواجب على كل من يتخذ مصطلاحا للتعبير عليه اخذ دلالة واضعيه فالا فليضع لفظ وبأذاء معنى معين مغاير لاى لفظ اصطلاحى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*