فوضى منظمة [2]
يقظة فكر | يونيو 09، 2010 | التعليقات: 1
بقلم: عمار البلتاجي – يقظة فكر
بعد التقدمة السابقة والتي شخّصت الداء بالأزمة الفكرية والتصحر الثقافي؛ فأسباب العلل فكرية بحتة، أما الأعراض فتتضح في الجوانب السياسية والاقتصادية والأخلاقية والعسكرية والإستراتيجية والمادية والمعنوية…
وأظن أننا بحاجة إلى إعادة تعريف هويتنا وتأصيل مرجعيتنا بصورة أكثر اقتراناً بالواقع من خلال تجديد روافد الفكر الإسلامي – باعتباره مرجعية الأمة الحضارية في فترات الشهود الحضاري والبعث النهضوي – وتجديد روافد عروبتنا وقوميتنا وانتماءنا [الإنساني – الإسلامي – العربي – الوطني].
وهذه يلزمه الإجابة على سؤال الهوية من خلال إعادة بناء وتشكيل ثم صياغة المرجعية الإسلامية التوافقية التي تبتعد عن مساحات الخلاف وتركز على رؤى الحراك النهضوي (التوفيقية التجميعية) على مستويات الإستراتيجية والتكتيك والممارسة التنفيذية (لا الأيديوجيا والفلسفة والبواعث العقدية المباشرة)؛ ونفترض للوصول لهذه المرحلة إعادة تطوير بنية العقل الإسلامي بحيث يولي أهمية وأولوية واعتبار للرؤية المقاصدية الإسلامية¹ وهي المعنية بتحقيق مقاصد الشرع في قضاء مصالح العباد، كفكرة محفزة تستوعب النخب المختلفة والجماهير (الإنتمائية واللاانتماءية على حد سواء)، بدون الوقوع في فخ التماهي والمرونة التنازلية على حساب الهوية المتأصلة والمتجذرة في عقل ووجدان الجماهير.
ولأن المشروعات الإصلاحية بشكل عام والإسلامية منها على وجه الخصوص تقوم على نخبة وفرقة تحمل الفكرة وتصوغها وتنطلق منها البرامج والخطط التي تتبناها الجماهير وتشارك في تنفيذها، فهناك دوماً نفير لـ “طائفة” من كل “فرقة” تقود التغيير والإصلاح وتوجه “( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (التوبة الآية: 122).”.
لذا وجب على هذه الطائفة أن تكون لها رؤية محيطة بالفكرة الشاملة التي تنتظم الجزئيات العديدة والمسارات المختلفة للخروج من حالة التخلف الراهن.
وقد كان لمالك بن نبي فضل السبق في تحليل سبب التخلف الراهن، حين أدرك أن العالم الإسلامي يهدر طاقته في حل مشكلات جزئية متغاضياً عن المشكلة الكلية التي تحتوي كل تلك المشكلات، ألا وهي “مشكلة الحضارة”؛ لذا انتقد العاملين في الحراك الإصلاحي بسبب افتقادهم للرؤية الواضحة التي تصوغ المشروع وتضع ملامحه ومعالمه وأسسه وقواعده الكلية وجزئياته التفصيلية “الرؤية تحدّد المنهج والوجهة”
لذا يجب أن تتضح معالم الرؤية الشاملة حتى تتكون حلول ورؤى إصلاحية كلية قادرة على التعاطي الإيجابي الشامل مع المشكلة الأم، لا المشكلات الجزئية التي ينفق على علاجها تصورات جزئية متناقضة ومرتبكة وقاصرة لا تحدث إصلاح.
الرؤية:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: من الآية 108).
ولعل ما أوجزه الشهيد حسن البنا في هذا المقام فيه كفاية وغناية؛ فأضع القلم وأكتفي بالنقل:
“إن القائمين بكل نهضةٍ موفقةٍ نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدود عليه يعملون، وهدف محدود إليه يقصدون، وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه ما امتد بهم الأجل وأمكنهم العمل، وحتى إذا حِيل بينهم وبينه، وانتهت بهم تلك الفترة القصيرة فترة الحياة في هذه الدنيا خَلَفَهم من قومهم غيرُهم يعملون على منهاجهم، ويبدءون من حيث انتهوا، ولا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا, ولا يخربون ما عمَّروا، فإما زادوا ما عمل أسلافهم تحسينًا, أو مكنوا نتائجه تمكينًا, وإما تبعوهم على آثارهم، فزادوا البناء طبقةً، وساروا بالأمة أشواطًا إلى الغاية؛ حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، وينصرفون راشدين ويخلُفهم غيرُهم، وهكذا دواليك حتى تتحقق الآمال، وتصدق الأحلام، ويتم النهوض، ويثمر الجهاد، وتصل الأمة إلى ما إليه قصدت وعملت”.
ويكمل رحمه الله في موضع آخر فيقول:
“إنَّ تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره..” رسائل الإمام الشهيد حسن البنا
على هذه الأركان الأولية التي هي من خصائص النفس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تُبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً”
والرؤية تشمل ثلاث مستويات رئيسية هي:
أ- الغاية والباعث: الذي يدفع الأفراد والمؤسسات للانخراط في الحراك الإصلاحي وتحمل توابعه واستحقاقاته.
ب- الرسالة العامة المطلوب تحققها:
ورسالة المشروع الإسلامي هي هداية البشر إلى الحق وإرشاد الناس جميعاً إلى الخير وإنارة العالم بشمس الإسلام.
ج- البرنامج الإصلاحي التفصيلي:
وهذا هو خطة العمل الإصلاحية التي يستند عليها الفرد أو المؤسسة ويعتبرها إطاراً فكرياً-حركياً للعمل، ويشترط أن يرتكز البرنامج الإصلاحي على الثوابت والقيم، ويراعي الواقع والظروف المحيطة وفي الوقت نفسه يقدم رؤية لتحقق المطالب والآمال والطموحات.
فالرؤية الواضحة ركيزة للحركة الفعالة وضرورة لمواجهة ترويض الوعي وتغييب الإدراك..
______________________________________________________________
¹ يمكن التعبير عن المقاصد بالآتي:
• نفي الضرر ورفعهِ وقطعهِ.
• الكليات الشرعية الخمس (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال).
• العلل الجزئية للأحكام الفقهية.
• مطلق المصلحة سواء أكانت هذه المصلحة جلباً لمنفعة أم درءا لمفسدة.
اقرأ أيضا:
التصنيفات: بوابة يقظة فكر • مختارات




أرى أن يتم تأجيل بقية الاجزاء حتى الانتهاء من الامتحانات..