بين قافلة الحرية وحذاء الزيدي.. أين نحن!!
يقظة فكر | يونيو 10، 2010 | التعليقات: 0
بقلم: سهير علي أومري – يقظة فكر
انطلقت قافلة الحرية باتجاه غزة تحمل على متنها أناساً اقتنعوا أنه لا شكّ هناك شيء ما يمكن فعله… شيء ما يجسد معنى قوله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ.. (60)” شيء يجسد معنى الاستطاعة بمعناها الحقيقي تلك الاستطاعة التي لا يكون للدعاء قبلها معنى مهما علت حناجر المستغيثين ومهما هطلت دموع المنكسرين بين يدي الله ترجو لغزة النصر والفرج القريب..
الاستطاعة التي ربما وعاها أجدادنا أيام الاحتلال الفرنسي والتي تجلت في مظاهر عديدة أذكر منها قصة مشهورة كان يرويها الشيخ محمد عوض رحمه الله عن والده، وكان الشيخ محمد وقتها شاباً ووالده شيخاً مسناً، كان وقتها عائداً من الجبهة ليزور أهله فقال له والده: خذني معك إلى الجبهة لأقاتل العدو، فقال له الشيخ محمد: إنك يا أبي شيخٌ مُسِنّ ولا تقوى على الخروج والقتال ادع لنا بالنصر من مكانك من هنا، فهذا وسعك وتلك استطاعتك، فقال له: لا يا ولدي خذني معك إلى الجبهة، وظل يطلب منه حتى اصطحبه معه، وخرجا متجهين نحو الجنوب قاطعين طريق الميدان ثم القدم باتجاه درعا سيراً على الأقدام حتى نال التعب منه ولم يعد يستطيع التقدم، فتوقف مكانه وانحنى على ركبتيه وقال لابنه: هنا يا بني موطن الدعاء… الآن يستجاب الدعاء …
فأين نحن الآن من هذا الموقف، وقد تراجع وعينا وإدراكنا وأخذناً حبوباً منومة لضمائرنا مخدرة لإراداتنا!! حبوباً منوعة تارة صيام وتارة قيام وتارة دعاء ونحن لا نعي ولا نريد أن نعي متى وأين يكون موطن الدعاء، وكيف نكون ممن يجاب لهم الدعاء!!….
والمؤلم أكثر عندما يقف المبررون والمروجون لجدوى الدعاء (فقط!!) بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بدر كيف قضى ليله يدعو ربه ويرجوه النصر فكان النصر، ناسين أن النصر كان بعد هجرة ترك المسلمون فيها الأهل والمال والوطن نصرة لدين الله وإعلاء لشهادة لا إله إلا الله… ثم كان دعاؤه أين؟!! هناك في العريش الذي أقامه لنفسه عند مياه بدر أي في أرض المعركة، وليس كحالنا ندعوه ونحن في بيوتهم ننام ملء جفونهم على أسرّتنا الوثيرة بعد ليالٍ حمراء نقضيها في الطعام والشراب، أو بعد متابعة ما لذّ وطاب من برامج وأفلام ومسلسلات ومباريات…. حتى إذا التقى أحدنا بالآخر قال له: ماذا عملت من أجل غزة فيجيب: قرأت خمسة أجزاء من القرآن ودعوت لهم على مدى خمس جمع بعد الصلاة…. وليت ما تلاه من القرآن كان غير آلة تسجيل تكرر الحروف المرسومة في كتاب الله، وليت الدعاء كان منهجاً يومياً يسلكه في حياته لنفسه قبل أن يكون تأميناً على دعاء الإمام بعد الصلاة….
ثم يسألني أحدهم لماذا لم يرسل الله تعالى على السفن الإسرائيلية عاصفة تدمرهم أو مطراً من نار ترجمهم أو زلزالاً يخسف الأرض من تحتهم ويحمي أولئك المساكين في قافلة الحرية..!! أليس ما جرى قدراً من الله أرداه لهم ولا رادّ لقضاء الله!!
لقد نسي هذا السائل كما نسي الكثيرون غيره أن لله تعالى في أرضه سنناً وقوانين، وأن زوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من أن يخلف وعده أو سنةً من سننه، فقد قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) ” وقال تعالى” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)” إنها سنن النصر والاستخلاف في الأرض سنن التمكين والحياة الآمنة… إنه الإيمان بالله ونصرته في أنفسنا في حياتنا في لقمة عيشنا في شوارعنا في بيعنا وشرائنا في سهراتنا وعلاقاتنا إنه نصر الله فينا واستجابتنا له كي يستجيب هو لنا
” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)”
إذن لم تكن قافلة الحرية ليُنكَّل بها وغزة لتُحاصَر وفلسطين لتُحتَل والعراق ليُعتدَى عليها والحبل على الجرار إلا لسنن إلهية قضاها الله وبيّنها في كتابة… إنها السُّنة الإلهية التي اقتضت للمسلمين أن يُهزموا يوم أحد عندما خالفت ثلةٌ من الرماة أمر رسول الله فنزلوا عن الجبل ليجمعوا الغنائم…
والسنن الإلهية التي اقتضت لنا الهزيمة والهوان اقتضت لأعدائنا النصر والغلبة ليس لأنهم يجاهدون في سبيل الله أو ينصرون الله بل لأن الله تعالى القائل: “مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)”
سيقول قائلٌ الآن: طالما أنه لا سبيل لنا للجهاد ولا للقتال ولا معنى للدعاء طالما أن حالنا هو هذا إذن فلنترك الدعاء ولنجلس في أماكننا نتفرج على ما يحدث فلا شيء نملكه والأمر ليس بأيدينا…
ولكنني أقول: بل الأمر بأيدينا وسيكون للدعاء معنى عندما يكون في موطنه وبعد بذل الاستطاعة… الاستطاعة كما فهمها والد الشيخ محمد عوض وكما فهمها منتظر الزيدي وكما فهمها أبطال الحرية الذين اعتلوا صهوة قافلة الحرية، ولم ينتظروا المجتمع الدولي ليفك الحصار عن غزة… استطاعة نملكها في طاعة الله فيما أمرنا وإعلاء كلمته في حياتنا، ثم في بذل ما بوسعنا لنكون أمة تشكل مركز ثقل في المجتمع الدولي لا تقف وهي تحتمي به، وتركع له كي يفعل لأجلها شيئاً، وهي تستبشر أنه لا شك هذه المرة قد وعى وأدرك مدى شراسة عدونا وقبح أفعاله وجرائمه، وكأن المجتمع الدولي لم يعرف هذه الحقائق من قبل، أو كأنه يريد أن يذعن لها أو يعترف بها منذ صبرا وشاتيلاً إلى قافلة الحرية…
وإن أخشى ما أخشاه أن تمضي هذه الحادثة فتضيع دماء شهدائها وبطولات أحيائها في ساحات الملاعب ومع ركلات الكرات وتصفيق الأكف وصياح الحناجر لتغدو ذكرى من ذكريات تاريخنا المؤلم لا تعني لمواطننا العربي بقدر ما تعني له نتائج مباريات مونديال 2010م بل ليغدو المونديل مناسبة قومية ووطنية وفرصة ثمينة نثبت فيها للمجتمع الدولي أننا شعب منفتح نحب منتخباتهم ونتعاطف مع لاعبيهم ونعلي أعلام دولهم في شرفات منازلنا وفوق سياراتنا وحتى نزين بها ملابسنا، ولا فرق إن كانت الدولة التي نشجعها قد أعربت عن أسفها فقط تجاه ما فعله العدوان الإسرائيلي على قافلة الحرية أو صمتت دهراً لتنطق أنها إنما تحمل الجانبين المسؤولية أو غيرها من المواقف… لا يهم المهم أننا شعوب تحب كل شعوب الأرض وتفتح قلبها للمجتمع الدولي الذي لا شكّ سينصرها في قضيتها ويعيد لها حقها وأرضها ولو كلف الأمر تعاطفاً وتضامناً لعشرة مونديالات قادمة أو ربما عشرين!!
كله من أجل القضية يهون!!
شارك
اقرأ أيضا:
التصنيفات: من بحر الحياة







