الدعاة والتفاعل مع الأحداث.. وخطاب الشتات
يقظة فكر | يونيو 13، 2010 | التعليقات: 1
بقلم: مصطفى الحباب – يقظة فكر
يا له من واعي ومحرك للقلوب والضمائر.. ذاك الفيلسوف الشاعر محمد إقبال.. حين صاح بوجه العاجز واليائس وهزّه وقال له:
فلا تجـــــزع فهذا العصـــر ليـل وأنــت النــجم يشــرق كل آن ِ
ولا تخش العواصف فيه وانهض بشعلتك المضيئة في الزمـانِ
أعد من مشرق التوحيــــــد نوراً يتـم فيـــه اتحــاد الـعــالميــنا
و أنت العطر في روض المعـــــالي فكيف تعيش محتبسا دفينا
وأنت نسيمـه فاحمـل شـــذاه ولا تحمـــل غبــار الخــاملــينـا
وأرسل شعلة الإيمان شمــساً وصُغ من ذرةٍ جبـــــلاً حصينا
وكن فـي قمـة الطوفان موجـا ومُـزنـــا يمطر الغيث الهَتُــونا
• فنقطة الانطلاق تبدأ من نجم يضيء سماء الأمة وهو الداعية إلى الله إذا عرف دوره تجاه الأحداث وفهم أولوياته في كل مرحلة, وأخذ ينشر الوعي المطلوب بين إخوته ومن حوله وينفض عنه غبار الخمول والجمود…
فو أسفاه على دعاة لم يفهموا واجباتهم وأخذوا ينشرون (كيف يتعامل الدعاة مع وسائل الإعلام – وآليات للانفتاح والانغلاق ) وإخوته في غزة يعانون الويلات, والصمت العربي بدأ يدب في صفوف الدعاة! .. ونحن في مرحلة بحاجة ماسة إلى توحيد الخطاب وترتيب الأولويات.. فما بردت حماسة أسطول الحرية حتى رجعنا فورا إلى خطابنا التربوي المحذر والمخدر في بعض الأحيان وكأنّ الأمة لا ينفرج حالها إلا بكيف نتعامل مع وسائل الإعلام الماجنة الهادمة المخزية الفاسقة!! فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وكان مالك بن نبي يقول: “قبل كل استعمار هناك قصة شعب متخلف يرضى بالاستعمار ويغري الآخرين باستعماره”
والقياس يقول: قبل قصة كل انهزام هناك قصة مجموعة ساذجة تغري الآخرين بالركود.
أصحاب العقول.. والحدث
ومع ذلك فلا نجزع كما أوصانا إقبال.. وقبله القرآن الكريم أرشدنا إلى المخرج (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة-154-156
فنحن نوقن بالرجوع الأمر إلى الله تعالى ستغمرنا رحمة من الله وسكينة قلبية وطمأنينة روحية هي المشار إليها بالصلوات من ربنا. وبعد ذلك نفضات المخضرمين من الدعاة الذين تعمقت تجاربهم وهذبتهم الأيام وعركتهم المحاولات ونورتهم الحقائق العقلانية والخطط الإستراتيجية ليوحدوا الفكرة تجاه الحدث ويحتضنوا الشباب وحماستهم ويرسموا للدعاة الطريق.
فقد أجمع كثير من فقهاء الأمة أنّ هذا الوقت هو نصرة إخواننا المرابطين في غزة، ولا يجوز للدعاة أن يتخلَّفوا عن ركب النصرة، وعليهم أن يتقدَّموا الصف؛ ليتبوءوا مكانتهم الطبيعية، وليكونوا خلفاء حقيقيين لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في قيادة الأمة ومناصرة قضاياها.
فليس مكان الدعاة في دوائر ضيقة من العبادات والمعاملات، فتلك حياة عيش الذات كما وصفها سيد رحمه الله.
فحاضر الدعوة اليوم يظهر بوضوح جيل مجرب واعي قوله هو القول العتيق ونظره يمزج بين الوعي والمصالح السياسية والدعوية ومفاد التاريخ, وما خرج من رحم الحركة الإسلامية التركية, له الفعل الحكيم بولوج السياسة وممارستها بالتكتيكات الدبلوماسية ثم البدء تدرجيا في الإصلاح والسيطرة على شئون الحياة والصدع بالوقوف بجانب قضايا المسلمين وأهمها مناصرة أهل غزة وحكومتها الشرعية, ثم استجابة أجيال الصاعدين من شباب الصحوة الإسلامية والشباب الواعي المهتم بشأن أمته من ركب الطوفان والموج لكسر الحصار, وهؤلاء الشباب لو تركوا لهمس العاطلين الذين يضيعون الجهود ويشتتون الأفكار حول مفاهيم لا تتناسب في هذا الوقت, يصبح لدينا جموع شبابية يائسة من قيادتها وشيوخها, فيجب أن ترجع هذه الفوضوية إلى منهجية يشير لها بالبنان كما وصفت نفسها تلك القبيلة حينما قالت: “(نحنُ ألفٌ، وفينا واحدٌ حازم، ونحنُ نشاورهُ ونطيعهُ… فصرنا ألفَ حازم).
وبذلك تصبح كتلة الوعاة تقاس بالآلاف بل الملايين! .
تحركات الأحرار .. ترسم المسار
هكذا تتحرك الدعوة بعقول الحكماء الذين يفهمون زمنهم ويعيشون مرحلتهم وينورون ظلام الأمة الخطوب الذي التف عليها أعداؤها من داخلها وخارجها، فيأتي دورهم لقيادة الحياة كما قادها الأولين، ولهم في ذلك قدوة, فدونهم العز بن عبد السلام، فقد قاد الأمة وجيشها للدفاع عن مقدساتها في مرحلةٍ من أصعب مراحلها، حتى إن أحد مؤرِّخي الغرب حين أرَّخ لهذه المرحلة وضع سؤالاً واحدًا: ” هل ستقوم لدين محمد قائمةٌ ؟!،ثم بعد مرور قرابة العامين فقط, استعاد المسلمون مكانهم- بفضل الله- بعدة عوامل، كان منها دور الدعاة بطبيعة الحال، فعاد المؤرِّخ الغربي غير المسلم يطرح سؤالاً آخر: “هل سيقف أمام دين محمد أحد؟!!!
نعم .. فنحن لا نجزع، بل الأمل بالله عظيم, ثم نبذل لهذه الأمة بدفع حتى لو أغلى الأثمان .. فنبدأ:
- أولا: بالعمل الدؤوب، والحرص على الجهاد بكل أنواعه المشروعة, والنفوذ السياسي كما فعلت عصبة أوردغان، عبر أعمال مؤسسية كثيرة، ومؤتمرات، وندوات، ومطبوعات، وإعلام، وما كل ذلك سهل، لكنه ليس بمستحيل، ويمر عبر توجيه الشباب نحو البناء الحضاري، ويقوده أديب ومؤرخ وفقيه وسياسي وفنان وخطيب المسجد.
- وثانيا: صياغة رأي عام مؤثر.. يدفع للتحرك الإيجابي ويتبناه جمع وفير ويضحِّي من أجله الكبير والصغير..
- ثالثا: ربط قضيتنا بالأمر الإعتقادي فالناس تدغدغهم العواطف التي تنبع من ديننا الإسلامي , فنحن كمسلمين نعتبر القدس أرضًا مقدسةً ووقفًا لنا، ولا يجوز شرعا لأي فردٍ أن يتنازلَ عن شبرٍ منها، كما أن دفاعنا عن أهل غزة وحماس تقرَّب إلى الله، بنصرة الظالم ( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ).
- رابعا: ترويج شرعية مقاومة المحتل في جميع الأوساط والدوائر التي يتعامل معها الداعية وإبراز النماذج المشرقة من المجاهدين والمقاوِمين عبر العصور، وبيان دور التيار الإسلامي في هذا الجانب وتضحيتهم فيه.
- خامسا: الرفد المعنوي والدعم المالي.. فواجب الدعاة توضيح مكانة المال وأهميته في نصرة إخواننا في كل مكان وخاصة أهلنا في غزة؛ لما يعانونه من حصار ظالم لم يحدث في التاريخ ودول الجوار تعيش في رغد وهناء “فرُّب درهم سبق ألف درهم”، ولا ينبغي أن يقتصرَ دورُنا على التبرُّع فقط؛ ولكن أيضًا نحثُّ غيرنا على التبرع كما ذكرنا ,ثم الترابط العاطفي الذي يحسس إخواننا أنهم ليسوا وحدَهم في صراعِهم مع يهود، وإنما نحن معهم نستشعر بهم ونسمع أصواتهم وأناتهم.
- سادسا: تربية البيت على حمل قضايا المسلمين ومن أهمها القضية الفلسطينية بأن تظلَّ حاضرةً في ذَهْنِ أبنائنا منذ الصغر حتى تُحرَّرَ الأرض بإذن الله, ثم معرفةِ التاريخ المشين للصهاينة مع إخواننا في فلسطين، وتعريفهم بكلِّ جرائمهم البشعة قديمًا وحديثًا؛ حتى تعرف الأجيال مدى بشاعةِ وجرم يهود عبر العصور المختلفة.
- سابعا: استئناف ثقة الأمة من جديد وبقدرتها على صد أنواع الظلم وما فعله نفر من أسطول الحرية لهو دليل واضح على ذلك فالنصر حقيقة واقعة مهما طال فلا يدب الشك في ذلك, فإن الله ورسله هم الغالبون، وأن هذا هو الكائن الذي لا بد أن يكون،
وأخيرا: بترقب القدر بعد تقديم تلك الأسباب ترقباً ايجابياً، فإنه حق، “والله يعاقب الدول والظلم الجماعي كمثل معاقبته الأفراد، وليس من شرط ذلك أن تنزل حجارة من السماء عليها، ولكن يضلهم فينتخبون المصلحي السارق، والأحمق والطائش، فيُردي قومه، وتتخبط سياسته، فتكون الثغرات التي يلج منها الضعيف” (محمد أحمد الراشد /نص خاص), فيكون الانهزام والسقوط وكشف القناع للناس من تخاذل هؤلاء الشرذمة فتكون انتفاضة لإزالة هؤلاء المتشردين من أعداء الدين.
• هذه مجرد خواطر ومشاركة عاطفية لمن كتب سابقا في أساليب الدفاع عن قضايانا.. حركني لذلك ضعف حالي ومحاولة اعذار نفسي أمام الله ومن ثم المساهمة في نصرة إخواننا المسلمين المضطهدين والله ناصر العاملين.
_________________
* رئيس تحرير مجلة الأمة – السعودية
شارك
اقرأ أيضا:
التصنيفات: بوابة يقظة فكر • في التربية والبناء • مختارات




أدعوكم إلى قراءة ملخص لمقالة علمية عن فكرة أن الأحزاب تُنجح مشروعات سياسية من خلال بناء انقسامات اجتماعية جديدة:
http://bit.ly/cYbGIS