banner ad

عبقرية الإرهاب ..

عبد المجيد تمراز – يقظة فكر

قد أكون أحد هؤلاء الأفراد الذين يشهدوا كل يوم تلك التناقضات الغريبة في الخطاب السياسي وحراكه بشأن الإرهاب.. وبعض الأمور التي تتم وفقه بطريقة غير منطقية.. فعندما يفتش الناس عراة أو يعذبوا في السجون أو يُقتل مليون إنسان بسبب أهداف اقتصادية، لا يعتبر إرهاب.. وعندما يدافع الناس عن بلدهم وعرضهم ضد الغازي أو عندما تريد فك الحصار عن بلدك ليجد لقمة العيش.. هذا كله يعتبر إرهاب.. هكذا بدأت أتأمل هذه المسرحية حتى مللت منها.. وبحثت عن حقيقة ما يسمى “إرهاب” حتى وجدت بين يدي كتاب للدكتور جلال أمين اسمه (خرافة التقدم والتخلف) شرح فيه هذه الظاهرة يقول:

[لابد أن الفكرة بدأت باكتشاف أن هناك حاجة ماسة لتخويف الناس. كان هذا الاكتشاف وحده اكتشافا عبقريا إذ ليس من السهل أن نتبين لأول وهلة الفوائد العظيمة التي يمكن تحقيقها من وراء . الخوف يوحد بين الناس, ويلهيهم عن المعارضة, ويجعلهم أسهل قيادًا ويضعف من قدرتهم على استيعاب البديهيات, أو إدراك التناقض بين الأقوال والشعارات ويجعلهم أكثر استعدادًا لقبول الأوامر والتنازل عن الكثير عن حرياتهم.

إن إدراك الزعماء السياسيين للفوائد التي يمكن أن يجنوها من تخويف رعاياهم قديم الطبع ولا بد أنه استخدم من قديم الزمان من جانب الزعماء الديكتاتوريين والديمقراطيين على السواء وزاد استخدامه في القرن العشرين في الاتحاد السوفييتي وعلى الأخص في عهد ستالين وفي ألمانيا وإيطاليا على يد هتلر وموسوليني وفي بريطانيا على يد تشرشل وفي الولايات المتحدة على يد روزفلت فخوَف ستالين شعبة الرأسمالية وخوف تشرشل وروزفلت شعبيهما من الشيوعية وخوف هتلر وموسوليني شعبيهما من الشيوعية و الرأسمالية على السواء بعد الحرب العالمية الثانية لفترة كادت تقرب من نصف قرن خلال ما سمي بالحرب الباردة ولكن بسقوط النظام الشيوعي في دولة بعد أخرى من منذ أواخر الثمانينات كان لابد من العثور على مصدر جديد لتخويف الناس بل لابد أن البحث عن هذا المصدر الجديد قد بدأ حتى قبل سقوط الشيوعية إذ إن الأمر يحتاج إلى وقت, وقد يفقد مصداقيته ويصبح مفضوحا إذا استبدل سبب التخويف بين يوم وليلة كان لابد من بدء العمل على تنمية مصدر جديد لتخويف الناس منذ بدأ عصر الوفاق بين المعسكرين في أواخر الستينات وقد أخذ الترويج لهذا المصدر الجديد شيئا فشيئا خلال السبعينات والثمانينات وأعلن رسميا أنه مصدر الخوف الرئيسي خلال التسعينات ولم يبدأ القرن الواحد والعشرون حتى أصبح هو المصدر الرئيسي للخوف لدى الجميع والمحور الجديد للسياسة الخارجية والداخلية على السواء وهذا هو "الإرهاب"].

ويقول مبيناً سر نجاح اختيار هذا الاسم “الإرهاب”:

[لابد أن نلاحظ كم كان اختيار الاسم موفقاً .. فكلمة الإرهاب بعكس كلمة الشيوعية مثلاًَ أو الرأسمالية أو النازية أو الفاشية لا تشير إلى مصدر الخطر ، ولا تصف طبيعته أو مكوناته ، بل تشير إلى نتيجته وهي التخويف..

(الشيوعية مخيفة) و (الإرهاب مخيف).. فالعبارة الأولى عبارة ذات معنى ولها مبتدأ وخبر يصف مبتدأها، أما العبارة الثانية فلا تقول شيئاًُ على الإطلاق، إذ أن الخبر (مخيف) لا يضيف شيئاً إلى المبتدأ (الإرهاب) فكلامها لهما معنى واحد، وكأنك تقول الشيء مخيف مخيف.

كذلك فإنك إذ تشير إلى شخص بأنه (إرهابي) لا تخبرنا بشئ عن سبب الخوف منه أو عقيدته أو مصدر أفكاره أو عن صفاته الشخصية أو نوع الأعمال التي يقوم بها، إنك فقط تشير إلى أثر هذه الأعمال وهو إثارة الخوف والرعب.

أقول إن اختيار هذا الاسم الجديد (الإرهاب) للتخويف كان (موفقاً) لهذا السبب بالضبط.. أي عموميته وخلوه من المضمون، ومن ثم إمكانية استعماله في ظروف متباينة جداً ولوصف حالات لا يجمع بينها شئ إلا الرغبة في إثارة الخوف منها، وكأن الفرق بين هذا الاختراع الجديد (الإرهاب) والمصادر القديمة لإثارة الرعب (الشيوعية، الفاشية، النازية..) هو كالفرق بين التليفون المحمول، يمكن استخدامه للوصول إلى أي شخص في أي مكان، وتغيير طريقة استخدامه لمواجهة أي(احتياجات جديدة)].صـ125-127

هكذا يكشف لنا دكتور جلال أمين كذبة بعض الإدعاءات السياسية بهدف الإرهاب للوصول إلى أهداف خاصة.. فعلينا الوعي بذلك وهذه من أهم الأحداث التي تجري على الساحة.. ولا ننسى مدرسة التكرار التي تخزن في العقل الباطن هذا الخوف من الدعايات والمقولات.. لكن لسنا ننفي أن هناك بعض المتطرفين حقيقةً الذين يعيثوا في الأرض فساداً فهذه مسألة.. والإرهاب الذي يروج له بطريقة عنيفة ولأهداف خاصة وبالذات بعد أحداث 11 سبتمبر (حدث 11 سبتمبر منحنى تاريخي تغير بعده العالم) مسألة أخرى.. والفارق بينهم المعرفة والوعي.

شارك

اقرأ أيضا:

  1. عبقرية الثورة المصرية
  2. ابن خلدون.. عبقرية وريادة

التصنيفات: من بحر الحياة

خلاصة RSSالتعليقات: (0)

Trackback URL

أضف تعليقك