فوضى منظمة [3] – الإيمان بالفكرة..
يقظة فكر | يونيو 25، 2010 | التعليقات: 0

عمار البلتاجي – يقظة فكر
القناعة: الإيمان بالفكرة ..
“إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، فهم عناصر أربعة: الإيمان، والإخلاص، والحماس، والعمل”. الرسائل ، حسن البنا
ونحن نخشى على هذا الإيمان اليقظ وهذه الحماسة الملتهبة وهذه التضحية المخلصة من أن تفتقد البوصلة التي توجهها وتحدد مسارها برؤية منهجية واعية غير مضببة؛ فقد ننزلق ونحن نحسب أننا نحسن صنعاً! إذا افتقدنا الرؤية الواضحة والبصيرة الواعية والخطة المُحكمة.
والإيمان بالفكرة، بهذه الصورة الواعية ليس مجرد مشاعر وجدانية، ودموع يتبارى الخطباء في إنزالها من المقل! دون تجسد عملي واقعي؛ فإذكاء نار الوجدان، وإشعال لهيب العاطفة في باطن الإنسان¹ يكون بالتوازي مع توجيهها في مسارات حضارية تساهم في بناء عوالم الأفكار والأشخاص والأشياء.
وننوء بالفكرة الصالحة أن تستهلك وتستنفذ في مطاحن الكلمات والعبارات والصنعة اللفظية المجردة؛ “فالفكرة في الحقيقة هي خطة لعمل نؤديه، وإما لا تكون فكرة. وإنما هي تشبه الأفكار وليست منها، إن الفكر لا يستحق أن يكون فكراً بمعناه الصحيح، إلا إذا رسم الطريق المؤدي إلى التغيير، وهي حقيقة التقت عندها كل مذاهب العصر.. الفكرة ليس لها في عصرنا معنى إلا أن تكون أداة لتغيير ما نود تغييره مما يحيط بنا: من مواقف في السياسة إلى شئون الاقتصاد أو في التعليم أو في نقد الفنون أو فيما شئت أن تغيره وهذا هو أول الإصلاح الفكري في حياتنا أن ندمج العالمين في واحد، فيكون عالم: الكلام هو جانب التخطيط لعالم العمل.“² ، ويكون تجسد الفكرة في الإنسان هو بداية تحولها لعالم العمل.
ومن ذلك يقول سيد قطب رحمه الله: آمن أنت أولا بفكرتك، آمن بها إلي حد الاعتقاد الجاد! عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون ، ويضيف قائلاً: كل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان! أما الأفكار التي لم تطعم هذا الغذاء المقدس فقد ولدت ميتة ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الأمام!.
ذاك.. ، وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة! لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائنا حيا دب على وجه الأرض في صورة بشر.
وفي معرض حديث مالك بن نبي عن الدور الحضاري للإنسان يشير إلى ضرورة توفر شرطان أساسيان في صاحب الفكرة، هما: الاقتناع والإقناع. فالاقتناع يعني أن يقتنع بالفكرة القرآنية أشد اقتناع. وأما الإقناع فهو أن يسعى إلى إقناع الآخرين بما يملكه من اقتناعه للفكرة القرآنية. وبذلك يمكن له أن يؤدي دوره الحضاري.³
ويوافقه سيد قطب -مضيفاً- إننا نحن إن “نحتكر ” أفكارنا وعقائدنا، ونغضب حين ينتحلها الآخرون لأنفسهم، ونجتهد في توكيد نسبتها إلينا، وعدوان الآخرين عليها! إننا إنما نصنع ذلك كله، حين لا يكون إيماننا بهذه الأفكار والعقائد كبيرا، حين لا تكون منبثقة من أعماقنا كما لو كانت بغير إرادة منا حين لا تكون هي ذاتها أحب إلينا من ذواتنا!.
إن الفرح الصافي هو الثمرة الطبيعية لأن نرى أفكارنا وعقائدنا ملكـاً للآخرين، و نحن بعد أحياء. إنّ مجرد تصورنا لها أنها ستصبح – ولو بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض- زادا للآخرين وريا، ليكفى لأن تفيض قلوبنا بالرضى والسعادة والاطمئنان!.
فــ”التجار” وحدهم هم الذين يحرصون على “العلامات التجارية” لبضائعهم كى لا يستغلها الآخرون ويسلبوهم حقهم من الربح، أما المفكرون وأصحاب العقائد فكل سعادتهم في أن يتقاسم الناس أفكارهم وعقائدهم ويؤمنوا بها إلى حد أن ينسبوها لأنفسهم لا إلى أصحابها الأولين!..
إنهم لا يعتقدون أنهم “أصحاب” هذه الأفكار والعقائد، وإنما هم مجرد “وسطاء” في نقلها وترجمتها.. إنهم يحسون أن النبع الذي يستمدون منه ليس من خلقهم، ولا من صنع أيديهم. وكل فرحهم المقدس!، إنما هو ثمرة اطمئنانهم إلى أنهم على اتصال بهذا النبع الأصيل!.. أفراح الروح ، سيد قطب
فالإيمان بالفكرة يكون بعد الاقتناع بها، ومع توافر الإخلاص والحماسة والتضحية يٌمكن الفكرة، وتأخذ مكانها في ميدان العمل.
______________________________________________
¹ – يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي عن باطن الإنسان الذي هو مستودع الإيمان: “إنه هو المنشأ لكل ما يصدر عن الإنسان من الأعمال، والسلوك في حياته؛ فالشيء يستقر داخل الإنسان؛ إيمانًا بفكرةٍ أو تصورٍ، أو إحساسا بمشاعر أو رغبات، ثم يتحول إلى حركة عملية بفعل قوى إرادية داخلية، وبقدر ما يكون الإيمان مستقرًّا والإرادة قوية، تكون أعمال الإنسان منظمة، وذات فاعلية، وعلى قدر ما يكون إيمانه متذبذبًا وإرادته ضعيفة يأتي عمله غير متقن، وأخلاقه وسلوكه متناقضة، ولا يكون لحياته نظام متزن”.
² – ثقافتنا في مواجهة العصر ، د زكى نجيب محمود
³ – دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين ، مالك بن نبي
شارك
اقرأ أيضا:
التصنيفات: التجديد التربوي • مختارات







