banner ad

تركيا شارع يملؤه الاسلام .. وعلمانية تحاربه

إذا ركلك أحد من خلفك .. فاعلم أنك في المقدمة .

أماني يافا سنوار – يقظة فكر

قرأت مقالاً للبروفيسور عبد الستار قاسم يوصي به الجمهور العربي بعدم الإسراف في الخيالات والأمنيات المعلَّقة على الحكومة التركية، على إثر أزمة أسطول الحرية. وإن كنت أشارك الكاتب القدير بهذا الأمر من باب ألاّ نركن دوماً للآخر حتى يفكك مشاكلنا المستعصية على الحل، ومن منطلق أن التعقيدات التي تحياها حكومة أردوغان في الداخل والخارج أكبر من كل تصور، لكنني لست متشائمة في الوقت ذاته.. وأعلّق كثيراً من الأمل على دهاء الحكومة الأردوغانية وعبقريتها ومرونتها التي تستمدها دوماً من ضالة المؤمن التي أضاعها وضلَّ عنها جُل الإسلاميين في وقتها الراهن.

 

 

في البداية لا بد من عرض سريع لكمّ التناقضات التي تطفو فوقها الدولة التركية منذ إنشاء الجمهورية. فمن ناحية النظام السياسي التركي يمكننا اعتباره نظاماً ديموقراطياً بامتياز تتنافس فيه الأحزاب السياسية ويكون لصندوق الاقتراع وحده القول الفصل في تلاوة نتائج الانتخابات ، حتى وإن كانت تحمل الفوز وبنسبة ثلاثة أرباع البرلمان لحزب ذي جذور إسلامية في بلد فُصّلت علمانيته على مقاس محاربة الإسلام ومظاهره. وفي ذات الوقت فإن ذات النظام الديموقراطي يتأرجح على حافة الانقلابات الدموية التي تكررت سيناريوهاتها أكثر من مرة، وتحولت معها مؤسسة العسكر إلى حاكم ينوب عن الديموقراطية و يسيّر البلاد وفق الأحكام العرفية والقمعية.

 

أما من الناحية الثقافية، فليس هناك أوضح من التناقض الذي قلبَ البلاد بقيادة حفنة من اليهود المتأسلمين وحوّلها من رائدة أكبر خلافة إسلامية على مر التاريخ، إلى جمهورية علمانية، متطرفة في قوميتها العرقية، ومغالية في علمانيتها ومحاربتها للدين. وإن كان هذا الانقلاب قد حصل وانتهى سياسياً إلاّ أن التاريخ يثبت أن الشعوب لا تنقلب معتقداتها بتلاوة بيان أو بإعلان دستور، مما جعل النداءات إما الصريحة أو المبطَّنة بعودة الخلافة أو الأسلمة لا تخبو حتى يومنا هذاا.

ومن غريب الصدف أيضاً أن التناقضات التركية امتدت أيضاً لتشمل جغرافيتها الموزَّعة ما بين الشرق والغرب، ما بين قارّتي آسيا وأوروبا.

 

وفي ظل بحر التناقضات هذا استطاعت شخصية لها كاريزميا كأردوغان أن تخترق كوّة واسعة في جدار العلمانية الموالية للغرب، والمتحالفة حتى الغرق مع إسرائيل وأميركا، ليتلو بعد يومٍ من مجزرة أسطول الحرية خطابه في البرلمان التركي، الذي كان بوضوح ليس خطاباً لحزب العدالة والتنمية، إنما كان خطاب تركيا من يمينها إلى يسارها. بعد أن وقف جميع النواب الأتراك وصفَّقوا له طويلاً ، وبعد أن مرّ خطابه قبلاً على قيادة أركان الجيش وتمت مراجعته بالحرف والكلمة . فكيف لمثل هذه المؤسسة العسكرية التي تنصِّب نفسها حامية للقلعة الأتاتوركية معروفة الولاءات أن توافق على خطاب يقطر سماً تجاه إسرائيل ويعلن انحيازه التام لعدالة الحق الفلسطيني؟

 

تجربة العدالة والتنمية الوجه الجديد للأحزاب الاسلامية المحظورة ” السلامة والرفاه والفضيلة” تجربة تستحق الدراسة، بعد أن نقلت المشهد التركي خلال دورتين انتخابيتين من حالة استئصال للديموقراطية عام 1997 ( حين أجبر رئيس الوزراء نجم الدين أربكان على الاستقالة ) إلى وضعٍ تُجبر فيها المؤسسات الاتاتوركية على ركوب موجة الغضب الاردوغاني راضية أو مكرهة.

 

فبعد إعادة قولبة العمل الحزبي في إطار حزب العدالة والتنمية الناشئ حديثاً والأصيل جذوراً ، انشغل وجوه العمل الاسلامي ذاتهم الذين عملوا مع نجم الدين أربكان بالعمل والتطبيق أكثر مما انشغلوا بالمجادلات التنظيرية والايدلوجية أو حتى المراجعات الفكرية لمعلمهم نجم الدين أربكان، فبرعوا بسكب ذات المبادئ التي أريد لها أن تأخذ تركيا نحو مصالحة حقيقية مع الإسلام في قوالب عملية أكثر مواءمة وتقبلاً وأقل تهويشاً وتصادمية، دون أن تتأثر منهم الروح. وذلك من خلال معرفة الناس بهم ومعرفتهم بأردوغان على سبيل المثال خلال رئاسته لبلدية اسطنبول وتمثله حينها بأخلاق الإسلام بإنجازه ونزاهته ونظافة يده التي أخذت المدينة نحو التحضر اقتصادياً واجتماعياً وخدمياً ، دون اللجوء إلى الاسلوب التقليدي برفع شعار إسلامي لا يتم تطبيقه ، وفي ذات الوقت دون إنكار الباعث الديني الذي يقوده نحو النجاح حين يقول في مؤتمر صحفي أن لديه دائمة قوة تدفعه نحو الأمام ألا وهي “قوة الإيمان وكنز من التعاليم أوصى بها النبي محمد عليه السلام..” .

ولعل الواقع التركي المعقّد كان يتطلب كثيراً من الحكمة والنفَس الطويل في التغيير، وترتيب للأولويات ، مع ما يصاحبه من ألم تأجيل بعض القضايا الحساسة والمثيرة للجدل في المجتمع التركي إلى وقت آخر ترسم خطوطه لينتصر فيه الشارع الممتلئ بالاسلام على الدستور الذي يحاربه.

شارك

اقرأ أيضا:

  1. تركيا.. العدالة والتنمية
  2. تركيا … الغضب العارم
  3. صندوق الإنتخابات يضبط إيقاع الحياة في تركيا
  4. بين الدم الأحمـر والكتاب الأحمـر

التصنيفات: من بحر الحياة

خلاصة RSSالتعليقات: (1)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. تركيا بين قوة سياستها وتحد أهلها المسلمين للعلمانية التي نشأت وترعرعت بينهم، تركيا تقول اليوم لا لكل العالم الذي اعتبرها يوما مجرد دولة بين قارتين لا هي دولة عربية ولاهي دولة اوروبية بكل مميزات أوروبا القوية اقتصاديا.
    تركيا لم تقل يوما أنها ستنوب عن العرب والمسلمين في حل قضاياهم المصيرية ولعل أهمها قضية فلسطين المحتلة فلما كل هذه الإتكالية من العرب؟؟؟…..
    علينا كمسلمين عوض البحث عن النقائص التي لا يخلو منها مشروع تركيا الدولة أن نقوم بدراسة هذه التجربة دراسة علمية بغية الاستفادة منها سواء في بناء مشروع الدولة أو التعامل مع الغرب.

أضف تعليقك