تـذوق الفكر
يقظة فكر | يونيو 28، 2010 | التعليقات: 1
محمد صالح البدراني – يقظة فكر
حدثني أخ كريم عن رجل كان سفيها يشيع الهم والمشاكل فيمن حوله، يرتكب من الفواحش ما علم هذا الأخ وما لم يعلم، حين دخل المسجد في الحي وقد أطال لحيته واتبع السنة في مظهره وبدا على لسانه كلام الصالحين وسيرة السابقين، ووقف بصلاته وقوف الخاشعين، لكنه مع الأيام بدأ يتعامل بسابق سفاهته لنصرة رأيه من قليل علمه، وما يعتقد أنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وفي صفوف المصلين الحاضرين للفروض أجمعين، فما عرف الناس ما تغير من سلوكه ولا ما يحفظ من بطشه وجهالة كلامه، والنتيجة أن الناس راحت تنسل من مسجدها القريب لتذهب إلى مسجد بعيد ولا يبقى إلا من عليه الصبر على هذا الذي ما تغير فيه إلا محتوى كلامه وبقي سلوكه فما أدرك أنّ عليه أنْ يتعامل بسلوك ما اعتنق من جديد وأن سلوكه السابق لا يصلح لمسجد أو لأناس يعبدون ربهم وإن كانوا في علمهم متباينون.
لابد لنا أن نتحرى السلوك والآداب من جذور الفكر وما نحمله، وأن الأمور لم تأت غصبا ولو استخدم العنف غيره معه لأنكره في واقع ماضيه ولما وصل إلى المسجد لكنه للأسف لم ينتبه لأمره فأبقى ماضيه فاعلا في سلوكه، وهنا المسألة مسألة ذوق، وترتيب لطريقة الحكم على الآخرين، واختيار اللون، وأسلوب التعامل للوصول إلى الحقيقة، من ذات التوجه الذي ظن صاحبنا أنه عليه، يحضرني صديق رحمه الله، كان يشدد بالنصيحة لكنه ما كان يتجاوز الأدب ولا الذوق الرفيع فكان محترما مقدرا يحاوره الناس ويتجاوز عن زلاتهم حينا وحينا يتجاوزون عن زلاته ذلك أنه لم يكن ــ رحمه الله ــ يبغي إلا صدق النصيحة وليس لنفسه، إلا حين يزل فيعتذر ويستغفر ولا يستحي أن يستغفر أمام إخوانه فيكون لهم ذلك نوعا من اعتذار وغسيل ما يعلق لتكون محبة تظهر الجمال بين الأخوة حتى إن اختلفوا، فكانوا يقبلونه في صفوفهم وإماما لهم، ولما توفي حملته أكفهم، وترحم عليه الجميع، وحاولوا ما استطاعوا أن يعيلوا أهله من بعده كل قدر ما يطيق.
إذا ليس الفكر ولا الرأي ولا الفكرة، وإنما الذوق والإحساس بجمال ما يحمل الإنسان من فكر، يتفاعل لإصلاح ذاته وأسلوب طرحه، ومدى فهمه، وتبقى الرؤية وكيفية فهم الحياة معبرة عن ذوق الإنسان وكونه قدوة في حمل الناس إلى النظر للفكرة، أو الاشمئزاز والابتعاد عنه، فكثرة الخلافات تشكك حتى بالحقائق، ومتى كثر الخلاف فلابد على حملة الحقائق ــ وفق ما يرون ــ إعادة النظر إلى أنفسهم وفيها لأن هذا يخفي جمال النظرة الإسلامية للحياة وتبرز على السطح أشكال القبح التي يرسمها قصر النظر فيوصف الإسلام بما ليس فيه؛ وما أكثره حين يتعلق ذوي الأغراض بالإشارة إلى مظاهر شاهدة ورؤى واعدة بالثبور وعظائم الأمور، فيضر من حيث يريد أن يفيد، لماذا؛ لأنه أبرز للعصر لونا لا يلائم ذوقه بفهم لا يلائم ذوق الإسلام فكيف يريد أن يقبل، لا أعني التماهي أو التماشي أو التقريب ، بل أعني المناسب ولغة التخاطب، ومعرفة الإنسان متى يتكلم ومتى يصغي ومتى يعمل وكيف يعمل وتحديد الأهداف، بل المهم كيفية الوصول إليها والتناغم والتواعد بين السائرين لذات الهدف بطرق متعددة ليصلوا في وقت هو عند الله معلوما.
كثير منا يتحدث ( لماذا الإسلام مطلوبا )، لكن قليل من ينظر لكيف يطرح الإسلام، ومتى ينتهج هذا المنهج أو ذاك من تعاليمه في السلوك، فالقرآن وجد لكينونة الفرد والجماعة والدولة وللحالات المتعددة التي تمر بها الناس عبر سنن الكون في الصعود والهبوط التي يسجلها التاريخ، فلا يجوز لنا أن نبتر الأمر ونقيده ونتصرف كأننا دولة مستقرة في وقت لم يستقر الفرد ونفسه بعد، فإن سلكنا هذا المنهج فلاشك أن كل فرد سيبدو دولة وبفهمه الفريد.
شارك
التصنيفات: ومضات القراء









فلا يجوز لنا أن نبتر الأمر ونقيده ونتصرف كأننا دولة مستقرة في وقت لم يستقر الفرد ونفسه بعد، فإن سلكنا هذا المنهج فلاشك أن كل فرد سيبدو دولة وبفهمه الفريد.
صدقت كاتب المقال القدير
نحتاج لمصالحة مع رؤيتنا وذواتنا أولا ً كي نستطيع التعبير عنها بالجديد بعد أن باتت كورقة النبات الصفراء.
شكر الله لكم