banner ad

العمل السياسي بين الصواب والخطأ والحلال والحرام

أمجد أبو العلا – يقظة فكر

يقول الإمام حسن البنا رحمه الله في الأصل الخامس من الأصول العشرين “ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوها عدة وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات، و الأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وفي العاديات الالتفات إلى الأسرار و الحكم والمقاصد”.

وتقول القاعدة الأصولية المتفق عليها “الأصل في العبادات المنع والتوقيف والأصل في العادات الإباحة والإذن” وهي تعني أنّ العبادات لا يمكن أن يُدخل عليها شيء إلا بأمر من الله عزوجل وما عدا ذلك فممنوع أن يدخل المسلم عليها شيء من اجتهاداته البشرية، وأن الأصل في العاديات الإباحة وتعني إباحة العمل والفكر والبحث فيما لا نص فيه بالتحريم، والعاديات هي الأمور التي تنظم الحياة العامة، والتي قررها الله عزوجل وأطلق للإنسان البحث في الوسائل والجزئيات حتى لا يحرم الأمة أجر الاجتهاد، وحتى يوسع على الأمة ويرفع عنها الحرج وهو ما أطلق عليه العلماء منطقة العفو، مثل السياسة والاقتصاد والقوانين واللوائح والطب والهندسة والبناء وغيرها من العلوم والتي حدها الله بسياج من المبادئ والأسس التي ينظم العمل على أساسها.

وبما أن السياسة هي أحد العاديات في الإسلام فإن الأصل في العمل بها الإباحة كما قرر ذلك العلماء، وهو ما أوضحناه سابقا ما لم يأتي بفعل مقصودا بالتحريم في ذاته وعلى ذلك الدليل القطعي من القرآن والسنة ولذلك يقول العلماء الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى: الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله ” أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” سورة الشورى.

والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معنى قوله ” كُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ” سورة يونس.

أين الخلل

إذا كانت السياسة مثلها مثل كثير من القضايا الأخرى كالعمل العام والعمل الجماعي والالتزام الحزبي والقرارات السياسية هي أحد العاديات، فإنها بذلك تصبح أمرا مباحا تخضع لقاعدة المباح كما قررها الشاطبي ” المباح من حيث هو مباح لا يكون مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك”. وحيث أن السياسة أحد العلوم الاجتماعية والإنسانية والتي تخضع للفكر الإنساني في إطار المبادئ والنظام الذي وضعه لنا رب العالمين فإن القرارات والإجراءات والاستنتاجات تختلف باختلاف العقول والثقافات والمرجعيات وطبقا لما قرره الشاطبي أيضا بقوله “الأصل في العبادات التعبد، وفي العادات التعقل” فإن العقل يقوم بعمل الموازنات والموائمات طبقا لما تراءى له من مصالح ومفاسد وقد تختلف العقول باختلافها لذلك وتقديرها لجلب المنافع وإقرار المصالح ودرء المفاسد.

يكمن الخلل في أننا عندما ندخل إلى العمل السياسي فإن قراراتنا وتوجهاتنا تتباين وتختلف تجاه الموقف الواحد، وهنا يحلو للبعض أن يطلق على المخالف له في ذلك بأنه قد ارتكب فعلا محرما، وذلك هو أحد إشكاليات التعامل مع البعض في الساحة السياسية حيث أنهم يخضعون التعامل السياسي لكلمة الحلال والحرام دون أي دليل أو حجة يستند إليها ، وأراه هنا يخالف قول الله تعالى “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون “سورة النحل.

وهنا يجب أن ينتبه السياسي إلى أن كلماته هذه لا تزيد الأمة أو الحزب أو الجماعة إلا تفرقا، فلا يقبل أحد قال برأيه في مسألة ما محل اجتهاد أن يوصف فعله أو رأيه بالحرام، دون أي دليل أو سند من ، مما يزيد من حدة التعصب والتحزب كل إلى رأيه، وليس ذلك في السياسة فقط بل في أغلب مجالات العاديات كما قررها الشرع فهناك بعض الأحزاب أو الحركات إذا حدث خلاف بينهم رأينا أن كلمة الحرام هي السائدة، وإذا حدث انشقاقا فقد أتى بابا من أبوب الكبائر، في الوقت الذي لو تم فيه استبدال كلمتي الحلال والحرام بالصواب والخطأ لكان أوقع أثرا وأكثر نفعا وأقل خلافا، حيث لا تظهر الآخرين بمنطق المخالف للدين وهو شيء مؤلم على النفس ومؤثر حقا.

وحتى لا يظن البعض للنظرة الأولى أنني أقلل من دور الدين في حياتنا السياسية فإنني هنا أقرر أحد مبادئ العمل السياسي، والتي أرشدنا إليها الإسلام كما تناولناه ، فالإسلام قد حدد القواعد والمبادئ الرئيسية للسياسة، و يمتلئ القرآن بالحديث عن ظلم المستكبرين والطغاة مثل فرعون ، وقد تحدث الإسلام عن العدل والشورى والعدالة الاجتماعية كأحد وظائف الدولة الإسلامية، وكل هذا لا علاقة له بما أتحدث عنه هنا من حيث اختلاف العقول والمشارب والأفهام وسعة الصدر والأفق والطموح.

واضرب مثالا على ذلك بقبول الحزب الإسلامي في العراق للدخول في العملية السياسية والتي ينظمها المحتل الأمريكي للبلاد، فقد قام كثيرا من السياسيين والحركات الإسلامية بتحريم تلك المشاركات على أساس التعاون مع المحتل، وقد كان هذا رأينا ومازال ذلك، ولكن عندما تستمع إلى قادة الحزب وحديثهم على أن من يده في النار ليس كمن يده في الماء، وأنهم بذلك كمن يمشى على الجمر ويمسكها بيديه في العراق، وأن الدخول في العملية السياسية لم يكن ترفا ولكنه اجتهاد قد جعل هناك وضعا أفضل للسنة في البلاد، و أنهم ليسوا ضد المقاومة بل يعتبرون أنفسهم ويعتبرهم البعض زراع المقاومة السياسية للاحتلال، كما أن حماس في فلسطين قد وصلت إلى هذا الحل أخيرا وارتضت أن تدخل الانتخابات تحت الاحتلال الإسرائيلي واتفاقية أوسلو، وهنا نقول أن كلمة الصواب والخطأ كانت يمكن أن تكون أفضل وأوقع من كلمة الحلال والحرام والتي تم تبادلها عبر وسائل الإعلام المختلفة.

ومثال ثاني على ذلك هو النموذج التركي حيث نرى كيف قام بعض الإسلاميين بتحريم فعل حزب العدالة التركي من مبدأ العمل تحت مظلة العلمانية في ، و كان على رأس منتقديهم أستاذهم التركي أربكان، ثم ما لبث إلا وأن عاد الجميع ليمتدح أفعال الحزب على المستوى العربي والإسلامي حتى من غير الإسلاميين، وهنا نردد ونتساءل ألم يكن من الأفضل أن تحل كلمة الخطأ محل كلمة الحرام فيما حدث مع حزب العدالة والحركات الإسلامية ولولا أن الأتراك لم يبالوا كثيرا بما قيل لزرع ذلك فجوة بينهم وبين كثير من الحركات والتي لا تجد مكانا اليوم تلجأ إليه لعقد مؤتمراتها وتجمعاتها إلا في تركيا وتحت سمع وبصر حكومة حزب العدالة والتنمية.

شارك

اقرأ أيضا:

  1. إجابات كتاب “قواعد ممارسة العمل السياسي”.. د. جاسم السلطان
  2. الحوار والعمل السياسي
  3. التعددية السياسية والعمل السياسي
  4. التحالفات السياسية والعمل السياسي
  5. الخطاب السياسي وأثره في تحريك الشعوب

التصنيفات: السياسة .. تحت المجهربوابة يقظة فكرمختارات

خلاصة RSSالتعليقات: (0)

Trackback URL

أضف تعليقك