أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / كتب ومؤلفات / قراءة في باب الطبيعة الإسلامية للقانون من كتاب علي عزت بيغوفيتش “الإسلام بين الشرق والغرب”

قراءة في باب الطبيعة الإسلامية للقانون من كتاب علي عزت بيغوفيتش “الإسلام بين الشرق والغرب”

فتحية الحامدي – يقظة فكر

إن من أهم المبادئ الأساسية التي ترسم غاية القانون وتؤطر حركته هي الحرية, هبة الله للإنسان وحقه الفطري. والحرية, كما يقول الإمام الشيرازي: هي التي تحكم القانون وليس القانون هو الذي يحكم الحرية, وبتعطلها تنتفي غاية القانون وجوهره الذي قام عليه. والحرية باعتبارها حق من حقوق البشر الفطرية, والحقوق بإعتبارها مظهر من مظاهر الكرامة الإنسانية, فهما تتجاوزان الزمن والظروف والقائمين على حفظ القانون فتسموان إلى فعل الخلْق,والقانون الهادف إلى حفظ  هذه الحقوق هو النتاج البشري.

وهنا كما يقول علي عزت بيغوفيتش, تكمن العلاقة بين الحقوق والطبيعة والدين, و الاختلاف بين هذه الحقوق والمذاهب المادية. ويصح بشكل من الأشكال وصف بنتام للحقوق, وتحديدا للإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان, بأنه عمل ميتافيزيقي.

1. القانون وسلطة القوي:

حينما يصبح القانون ملكًا لفئة أو طبقة أو برلمان يعبر عن إرادتها هي بدرجة أولى فإن تتراجع الحرية كقيمة أولى في القانون ليُصبح حقا ما أحقته هذه الفئة. ويكون ذلك حتى في الحركات التي تنادي بحقوقها فتُغيِب الفرد في المجموعة وتحُل المصلحة الجماعية بدل الحقوق الفردية, كما في النظم الاشتراكية. وقد عبر عن ذلك إرنست بلوك في وصفه للحقوق الطبيعية في الماركسية “لا يكمن القبول بأن الإنسان حرٌ و مساوٍ للآخرين بالميلاد, فلا يوجد حقوق فطرية ولكن حقوق يتم الحصول عليها من خلال الصراع”. وتبعا لذلك فإن الطبقة المنتصرة هي التي تُعلن مصالحها قانونًا, والقانون هو بذلك إرادة الطبقة الحاكمة. والرأسماليون إذن لم يكونوا على خطأ عندما قاموا بتكديس رؤوس الأموال وإنما أخطأ العمال بمقاومتهم وانتهاك قانون الطبقة الحاكمة. فينتفي المعنى البديهي للقانون كوسيلة الضعيف في مواجهة القوي. وكما يقول إرنست بلوك “كل دكتاتورية هي تعليق للقانون”. وبالرغم من محاولتها إرغام القانون فإنه يبقى مستقلا عنها وتنجح في اختراقه عبر القرارات والإجراءات الإستثنائية كالبرقيات السياسية وخطب الزعماء التي تُصبح كالدستور في أهميتها.

القانون إذن يبدأ حيث تنتهي السلطة, حيث يُمنح الضعيف والآخر حق الاختلاف مع القوي. تلك المسافة خارج السلطة هي المحك الذي تُختبر فيه الحركات و النظم.

هذا الجانب الاجتماعي والسياسي للقانون باعتباره حاميا للضعفاء, ولكنه يحتوي أيضا على معايير أخلاقية كالمساواة والعدل وغيرها من القيم, ما أسماه الكاتب بالوحدة ثنائية القطب للقانون, شأنه بذلك شأن الإنسان خارج الأنساق المادية.

2. القانون و الجانب الأخلاقي:

يمكن اعتبار بروز القانون في المجتمعات تعبيراً عن حركة نضوج ثقافي وتوازن في طموحاتها الاجتماعية مع الطابع الديني. فقد أسهمت القيم الدينية التي جاءت بها عبر التاريخ كقيمة النفس البشرية وحرمتها ونية القلب والحث على إقامة العدل وحرية المعتقد وغيرها في تطوير القوانين, فلا يمكن إقامة قوانين لا تتجاوب مع معتقدات المجتمعات بدون كما لا يمكن قيام القوانين من دون اعتبار للمصالح والسلطة والجانب المادي. ويستدل الكاتب على ذلك بتتبع المراحل الثلاث الرئيسية للقانون عبر التاريخ, الروماني، الإسلامي والأوروبي. ففي القانون الروماني كان لفلسفة الرواقية المنادية بأهمية الاستقامة والتعقل في الكمال الفكري أثرٌ كبير في تطوير القانون وذلك في فترة بانتيوس Pantius أكبر الرواقيين في روما سنة 150ق. م

وقد قام هوجو جروتيوس بتلخيص أفكار كُتاب القانون الكاثوليك والبروتستانت وأُثبت أن القانون معتمد على الأخلاق والدين ومستقل عنهما في آن. أثنى على هذه التفرقة كُتاب مثل ورنر Werner وأهرنس Ahrens, في حين احتسب آخرون مثل كرشمان Kirchmann إثبات ارتباط القانون بالأخلاق سلبًا. ويأخذ الكاتب مثال القتل من غير قصد كدليل على الأخذ بالمعايير الأخلاقية الغير مادية, فنهتم حينها بإثبات النية وما يجري في القلب لا واقعة القتل في حد ذاتها.

يُمكننا القول بأن القوانين الوضعية عبر التاريخ تتكيف من مكانة القيمة الخُلقية بين المجتمع وإجماع الناس عليها, وكلما ارتقى الجانب الإنساني والأخلاقي في المجتمع كل ما ضاقت المسافة بين القانون والأخلاق. كما أن القوانين الوضعية التي تمس جوانب أخلاقية تكون عادة مختلفة بين المجتمعات باختلاف قيمهم.

3. العقوبة أم حماية المجتمع:

يتناول الكاتب مسألة العقوبة التي يقررها القانون في حق المذنب, والتي هي معضلة قديمة قِدم قانون العقوبات. كثُر الجدل حولها عبر التاريخ وأيهما أولى العقوبة باعتبار الإنسان مسؤولًا وحُرًا أم حماية المجتمع باعتبار الجريمة نتاج ظروف معينة جعلتها حتميةً. وقد برزت أول ما برزت في كتاب حمورابي, أول كتاب للقانون في التاريخ, في حين ظهرت فكرة حماية المجتمع لأول مرة عند اليونان القدماء.

اختلف الفرديون والوضعيون حول هذه المسالة, فالفرديون الذين يشددون على استقلالية الإنسان عن المؤثرات الخارجية يرون بأنه يختار تصرفاته ومسؤول إذن عن أخطائه. أما الوضعيون فيرون بأن الإنسان هو جرء من الطبيعة يخضع للمؤثرات الطبيعية ويتصرف تبعًا لها فهو ليس بخير ولا شر. ولكن مسار القانون وتطوره عبر التاريخ يؤكد لنا عدم دقة الأخذ بأحد القولين دون الآخر بتحميل الفرد المسؤولية كاملة دون المجموعة والعكس. وفي الواقع لا يمكننا إيجاد قوانين تقوم فقط على أساس العقاب أو حماية المجتمع إنما هو حديث عن النسبة أقل أو أكثر. يقول الإمام الشيرازي في هذه المسألة “لا بُد أن يكون القانون متوسطاً بين إعطاء الحاجة بقدر  وسلب الحرية بقدر, فمن الواضح أن كل قانون يسلُب بقدره من حرية الإنسان”.

وقد تطورت القوانين عبر القرن التاسع عشر وأصبحت أقل تطرفاً لصالح المجتمع كما يؤكد مارك أنسل أحد أبرز رواد حركة حماية المجتمع “في التشريع, خلال الفترة بين الحربين العالميتين, انتصر الطريق الوسط بين المذهب الكلاسيكي للذنب ومذهب حماية المجتمع”. وتكون العقوبة بقدر الجريمة وتدابير الحماية بقدر الخطر. ولكننا قد نقع في التقصير إذا اعتمدنا تدابير تكون على حساب حريات الأفراد دون أن يذنبوا, ولنا المثل قديما في حملات التطهير الستالينية التي أبادت ملايين الأشخاص بدعوى تطهير المجتمع, وحديثا قوانين مكافحة الإرهاب التي تُدني من سقف الحريات الشخصية.

ويرى علي عزت بيغوفيتش أن تاريخ العقوبات أثبت أن تجريم المذنب لم ينتج عنه فقط أحكام قاسية بل أيضا تفسير إنساني جدا للقانون, فالعقاب هو حقٌ إنساني يؤكد مسؤوليته ويحفظ بالتالي كرامته. يقول الكاتب في هذا السياق بأن المسؤولية وبالتالي المعاقبة ليس لهما مكنا في مستودعات المذاهب المادية, وإنما مناداة هيجل والمذاهب المادية بالعقوبة والقصاص إنما هي محاولة شاحبة لتقليد حكم الله.

4. علاقة الديني بالأخلاقي في القانون الإسلامي:

نجد في الإسلام نوعا من وحدة الهوية بين القانون والدين, ونرى أن أغلبية رجال الفكر الديني قد فصلوا في كتبهم عن الفقه وأصوله أبواب متنوعة تشمل عدة تشريعات والاجتهادات فيها, على سبيل المثال الإمام أبو يوسف الذي كتب وضع كتابا عن المالية “كتاب الخراج”, والشعباني الذي كتب عن قانون الحرب وغيرهم. يقول ألفريد كريمر Alfred Kramer “إن العرب هم الأمة الوحيدة خلال القرون الوسطى التي استطاعت في تطويرها للقانون أن تحقق إنجازات باهرة تقف بعظمتها مباشرة مع الأعمال التي حققها الرومان, صُناع القانون في العالم”. وفي الحقيقة, هناك العديد من القيم الدينية التي جاء بها الإسلام وأسهمت في تطور القانون كعدم مؤاخذة الناس بذنوب غيرهم, إختيار الإنسان لأفعاله, القصاص والدعوة إلى العفو والتجاوز, المساواة بين جميع البشر في الاحكام, الدعوة إلى إعمال العقل وغيرها.

وقد توسطت التشريعات بين العقوبة وحماية المجتمع ولن عدم تجريم القُصر وإعادة تعليمهم. يقول مارك أنسل “لقد تقبل القانون الإسلامي في القرن الرابع عشر مبدأ عدم مسؤولية الطفل, وأمر فقط بإعادة تعليم القُصر من سن سبع إلى سن البلوغ, ولا تتصف هذه الإجراءات بصفة العقاب, هكذا لكي يتعامل الإسلام مع الجانحين الذين نضجوا ظهر في الإسلام نظام يعتبر في بعض جوانبه اتجاه نحو حماية المجتمع”.

وفي الإسلام, الأصل في الحوافز الإنسانية أنها خيِرة مفطورة على الأعمال الخيرية حتى من دون تدخل القانون والسلطة, ففي الإسلام حيز كبير من الأعمال التي حث عليها دونما إجبار وأخرى حث على تركها دونما تأثيم لمن يقوم بها, من قبيل المندوبات والمكروهات. هذا المجال الواسع من الأفعال المخيرة تُسهم في نمو الوازع  والحث على إيتاء الخير الدنيوي والأخروي وترك الشر والأذية.

والإنسان حرٌ بطبيعته في عقيدته, لا يُكره على دينٍ, إنما مُنع أذية الآخرين. يقول الإمام الشيرازي “لا حق للقانون بالتدخل في شؤون الناس إلا بالقدر المقرر في الشريعة وإلا كان خلاف قاعدة تسلط الناس على أموالهم وأنفسهم.. إن الإنسان يتطلب الحرية في كل شيء أقر له الإسلام ذلك باستثناء ما فيه إضرار نفسه وإضرار الآخرين”.

فإذا كان الإنسان حُرا في معتقده بموجب التشريع الإلهي, أفلا يكون حٌرا في القانون.  فضلاً عن كونه من البديهي أنه ليس في مقدور السلطة مراقبة الناس في كل تفاصيل التشريعات, سيتوجب ذلك شرطيا على كل فرد وعلى كل شرطي شرطيٌ آخر.

****

هذا التفريق بين الواجبات الدينية و الأخلاقية من جهة والأوامر القانونية إذن من بديهيات العقل ويمكننا استنتاجه أيضا من العديد من التشريعات والواجبات الشخصية التي مجالها حساب الآخرة وليس فيها عقوبة في حال عدم إتيانها كالصوم وأكل لحم الخنزير, وذلك على خلاف التشريعات التي في تركها ضرر بالغير وقد أنزل الشرع فيها حدودا وجزاء دنيوي. مثالٌ آخر عن التمييز القائم بين الشرع والقانون مسالة الآداب فقد نهى الدين عن الكذب ولكننا لا نجد قانونا ينهى عنه إنما يعاقب مثلا على شهادة الزور كشكل من أشكال الكذب.

وقد ترك التشريع الإسلامي مساحةً واسعة للقانون ليحكم حسب الحيثيات وظروف القضية والجاني عبر التعزير حيث تُترك للقاضي صلاحية الحكم في المسائل فُرادى حسب الحالة وهو ما يُسمى في القانون الوضعي بتفريد العقاب Individualisation de la peine.

كما يمكن أن يكون القانون مفصلاً لمبدأ قرآني ومجسدا له في الواقع, لنا على سبيل المثال القانون السوري وبعده التونسي, في قانون الأحوال الشخصية ومسألة التعويض للزوجة في حالة طلاقها دون مبرر, كشكل من أشكال إحلال الحكم الشرعي.

“أوْ تسريحٌ بإحسانٍ”, “وللمُطلقات متاعٌ بالمعروف حقًا على المُتقينَ”. ومن ذلك أيضا جعل الوصية للأقربين واجبة في بعض الدول العربية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الانتقال بين الديني والقانوني أي الإلزام عبر قانون لا يجب أن يكون بلا ضوابط, حتى لا يتداخل الديني بالقانوني ويتقلص مجال الحرية الشخصية والوازع الداخلي اللذان هما مهمة الدين و الأخلاق.

يبقى المبدأ القرآني الهام بالحث على التيسير مراعاةً للضعف البشري إلى جانب أهمية الاجتهاد والاستنباط لاستيعاب تلون الرقعة الواسعة للأمة الإسلامية حافزان مهمان لتطوير القانون وجعله في حركة مستمرة.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

2 تعليقان

  1. يقول الإمام الشيرازي “لا حق للقانون بالتدخل في شؤون الناس إلا بالقدر المقرر في الشريعة وإلا كان خلاف قاعدة تسلط الناس على أموالهم وأنفسهم.. إن الإنسان يتطلب الحرية في كل شيء أقر له الإسلام ذلك باستثناء ما فيه إضرار نفسه وإضرار الآخرين”.

  2. ابن عبدالمحسن

    مقال مميز شكراً للكاتب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*