banner ad

الصدق والمصداقية

محمد صالح البدراني – يقظة فكر

في منظومة تنمية التخلف؛ من الطبيعي أن ترى هنالك كذب معتمد واعتراف به غير مخجل، يقول لك قائل أن الأمور لا تسير بغيره، وانظر لفلان الصادق كيف أُكلت حقوقه وهو عاجز عن حماية ذاته؛ لمحض كونه صادقاً ودوداً ليس غير شيء، لا أنكر هذا الواقع فهو واقع طبيعي في هذه البيئة، حيث يصدق الكاذب ويكذّب الصادق ويخوّن الأمين، ولست بصدد سرد محاسن الصدق ومساوئ الكذب فتلك أمورا أخلاقية تقاس وفق المتعارف عليه كأيّ قيمة أخرى يراها البعض مطلقة ويراها الآخر نسبية مثلها مثل الفضيلة، فهي مُثل تقاس إلى قيم وعند البعض قيم، لكن هنالك ما يعرف بالمصداقية، المصداقية لا تعني الصدق ولا تعني الخير بل هي تحقيق لصفة وقيم محمولة، تحقيق الوعود، تحقيق التهديدات، تحقيق الأقوال، فالمصداقية هي عملية نقل إلى الواقع لبرنامج أو هدف، والكذب مخالفة الحقيقة، قد يكون زيفا، خداعا، وكذلك إخلاف لعهود ووعود، في عالم السياسة، قد يرى البعض أن الكذب شيمة للسياسيين، لكن الحقيقة أن المصداقية من تحدد مستقبل السياسي، ليس بالضرورة أن يتمنى الخير وأن يكون هو ذاته من عناصر الخير، لكن مصداقية السياسي أن يحقق ما وعد من برامج، اكتنفها الشر أم أضاء منها الخير، الأمر ليس أمنيات وافتراضات، الناس ليست كلها ذلك المتمني الحالم، بل معظم الناس هم من المتمني القاعد يخترق الدرب السهل ويستصعب صعود الروابي مادام فيها تضحية.

اليوم القيادات عليها أن تفكر أنها تعمل لهدف وبهدف، وتصفيق الجمهور لا يعني أنه سيقف إلى جانب الحق أو الباطل الذي تطرحه، وإنما التصفيق هو تعبير عن وعود تخاطب الأمنيات والأهواء، والتصفيق هو لها وليس لك أيها السياسي المتكلم، في واقع العجز لا نطلب معجزات، لا نطلب صموداً، لا نطلب أن نكون مثاليين رغم أن عناصر الخير دوما ما تكون أسيرة مثاليتها وباختيارها، كمن يسجن قلبه لحبيبة يتمناها، برضاه، لكن الواقع وفقه الواقع ليس دائما يخاطب هؤلاء الناس، أو يستجيب لهم لمجرد أنهم أناس يطمحون نحو الأفضل… فترى هذا الصادق الأمين لا يحقق أيا من وعوده، فيفقد المصداقية ورغم أنه لم يقل للناس كذبا لكنه مارس خداعا بشعا مع نفسه حين صور لها الواقع ليس بفقه متين، وإنما قرأه من خلال الأمنيات التي لا يمكن أن تكون أهدافا وهي لم تفقه الواقع المراد إصلاحه ويتمنى أن يكون هذا الواقع عونا له على الإصلاح.

اليوم نحن نخاطب النخبة، والنخبة هي النخبة التي تقرأ فتتضح لها الرؤية التي هي أصلا في داخلها، بيد أني أتساءل، متى نخاطب العامي الذي تتحكم به الأهواء!، وهل يفيد الكلام وأنت بلا سلطة وتأثير، أؤكد لكم كي لا أكون مبالغا في النظرة التي قد يصفها البعض بالتشاؤمية وأنا أراها واقعية أن لا يصطلح معك إلا القليل، في كوننا المتحرك والمبني على الحركة تتوق النفوس إلى الاستقرار والثبات، لكن ذلك لا يتلاءم وديمومة الكون المرتبطة بدوام الحركة، فلست بذات الإحداثيات الكونية حتى ولو استلقيت وربطت نفسك بالأرض، علينا إذن أن نتعامل مع سنن الكون في التغيير لامتلاك تلك السلطة وبخطوط هادئة لكن بها مصداقية ونصدق مع أنفسنا لتكون لدينا مصداقية لذاتنا فلا ينالنا الإحباط والعياذ بالله، علينا أن نبتعد عن إطلاق الأحكام على الظواهر، وأن نكون أكثر ثقة بالثلة المؤمنة لنرى نتائج أعمالها قبل إسقاطها بحجة اختراق الثوابت التي لم تنبع من كلام الله وسيرة رسوله، فكل ما يحاول فعله هؤلاء ـ سلمهم الله من الفتنة ـ أن يغيروا التكتيك بما فقهوا، وهي تجربة صعبة تحتاج لدعم الثقة، وليس الإفراد لهؤلاء وإلقاءهم في آتون اليأس فهم بشر أولاً وأخيرا، والتجارب أمام الحصيف واضحة..

إذن الفهم، والثقة حين نتعامل مع الصادق ليكون له مصداقية تعود علينا وذاك جل مبتغاه، فمن يتعامل مع الله فلا يبغي إلا رضاه، الحق أقول لكم أن الاستقطاب موجود في كل ذرة بمكوناتها، لكن فاعلية الذرة بتوازن أقطابها وأنها حين تستكمل الكتروناتها تصبح خاملة الفاعلية إن بقت لوحدها لكنها إن استكملت نقصها من ذرة أخرى شكلت مادة معرّفة سكنت متناغمة مع السكون الظاهر للكون أم تحركت متناغمة مع جريانها نحو المستقر فسيكون لها دور في ديمومة الحياة.

إن هنالك أصوات عالية (فهلوة، شطارة) تعددت كلمات وصفها باللهجات، عالم منظومة تنمية التخلف ملئ بها وفاعلة، بالمقابل هنالك أناس حسبوا الصدق في كل الناس كأنفسهم ولم يحتسبوا للغدر عند أولئك، وأعتاد (الشطار) هؤلاء على استغلال أولئك الطيبين، لكن أولئك الطيبين ارتضوا الغفلة، وكم يفاجئ أولئك المستغلون حين يرون أنهم يقعون ضمن تخطيط العقول النيرة الهادئة حين يظنون أنهم يستغلونها فيفاجئون أنهم في مسيرة أهداف أولئك الطيبون الذين يفترضونهم لعبة وغفلة كما فهموا بتخلفهم الناس والحياة، آن الأوان أيها الناس أن نفرق بين الطيبة والغفلة فالطيبة صفة المؤمن الكيس الهين اللين الفطن، أما الغفلة فهي صفة المستسلم المنتظر ليحكم عليه لا أن يحرك هو الأحكام، ولكن بلا صراعات ومواجهات وتنفير الناس، بل بالتبشير لصناعة حياة جديدة بغير أسلوب أبواق التخلف صناع بطولات الوهم بالكلام. وحين يقول الحديث الشريف (كل ذي رأي معجب برأيه) فهو لا يصف حالة من الصمود والثبات وإنما يصف حالة الجمود والتخلف، واليوم يعتبر هذا الجمود اعتدادا بصحة المنهج عافانا الله وإياكم من خداع النفس وفقدان مصداقية المنهج.

شارك

التصنيفات: الفكر السياسيمختارات

المفتاحيات:

خلاصة RSSالتعليقات: (0)

Trackback URL

أضف تعليقك