banner ad

مازلت ابنك يا أبي

م. محمدصالح البدراني – يقظة فكر

هو شيخ كبير، قديم في العصور، كنوز يحملها في يديه وأجنابه، أصفاد تقيده حين بعد حين، يحب أبناءه ولا يجد لإعطائهم من له يعين، ما انفك يريد أن يوزع ثروات لا تنضب بين أبناءه بل حتى للبعيد، فمنهم من تناول المال لكن لم يوزعه وإنما بعثره على موائد وموائد خضراء كما يقال ورغبات ترف إلى زوال، ومنهم من أخذ المال إلى خزائن الغربة لم يعرف سر كلمات تفتحها فمات وانتهت أموال أبيه التي سرقها إلى مالك الخزنة الغريب، ومنهم من ضاعت عليه الأحوال فجلب الأغراب لينهبوا من أبيه الكريم ويكلمونه ضربا، قال أين أبنائي لينهضوني، تعالوا أيها المظلومون في عصر النكبة، فتقدم إليه جمع من أبناءه، حاول أن ينهض ليعينهم لكنهم أخذوا الأكياس وراحوا يضربون بعضهم بها، وتركوه مرة أخرى إلى الأغراب يمزقون جسده ويعتدون على الفقراء الآخرين..

غريب أيها الشيخ القديم الذي لا يحس أبناءك بالانتماء إليك، كل همهم ما عندك من أموال، يبعثروها، أو يسرقوها، ويتصرفون بروح العبيد، انتماءهم لمن يمزقك وأنت التكوين الفريد، وهل يكون رافعك من ولاءه لغيرك وهل يلملمك من شعاره التمزيق، وهل يدافع عن حريته من يستحلي نفسية العبيد.. حين تفقد معنى العبودية لله وتعبد الجاه والمنصب، وتعبد الإمارة على خراب وتتهم حصى النهر بالقذارة، وتحتضن جرذي المجاري، تكون قصة الألم والعقوق ورؤية المعاني المتيبسات من حسرات جحيم الغدر الأليم.

وهكذا تتحدث قصة من يهوى المعالي وهو من أهل الحضيض، ومن يعشق صورة السلطة، وهو لا يفهم ما مطلوب لها فيها، وكأن السلطة في مظهرها فملكتها حين تبخترت في الم الناس وتوعدت وأنت تخوض في دماء أهدرتها البشاعة وذئاب الليل المقيم، حين لا يملك المخطط بعد النظر فكيف سيكون التخطيط، حين تتصارع الناس على أمر ليس بيد أي منها فمن سيفوز بما يريد…. حين تنهب الأموال وكأن نهبها حق، وتتصافح الأيادي والأيادي القذرة، فلن تبقى يد نظيفة تحمي الشيخ الجليل. ويبقى الجوع يعصر بطون قومي ويبقى كنزهم نهبا، ويبقى إلى الهاوية يتجه المسير.

دعوني اليوم أصرخ ألماً رغم أني يجب أن لا أصرخ وأضرب في الصبر أمثولة، لكن ألمي يا سادتي لا يحتمل، وأنا قدرتي قدرة بشر، وأبي تمزقه أبناءه، وترعى ذئاب الجن على أحشاءه، وينادي ولا من مجيب.. أيام وتعود مأساة ما انتهت، على أمة ضاعت وما تحركت، على أيتام لم يجدوا مواساة، وهل يواسي اليتيم اليتيم، على أرملة لم تعرف معنى الترمل إلا انه وصف لفقدان طيف مر بها بعد زواج جديد، وتركها مثقلة ولا تعرف لم أثقلت وهل ذاك الطيف أكيد. على سجون بريء فيها ومجرم سجانها، على أناس ينامون وعلماؤهم يقتلون، على شهداء اسماهم الناس شهداء الكلمة، على مقبرة تتهم بالبراءة وأخرى تكلل بالعار على أناس لو أحبوا السعادة مثلوها لم يحسوها ليبدوها لذا على فهمهم لوصفها جسدوها فكانت أفراحهم تستحضر المأساة، ويتهم نساكهم بالمجون في واقع مجنون، هم لا يسألون لماذا يعاقبون، و لا يهمهم أن يعرفوا الاسباب، فقد ولد أجدادهم في الهم والهم منهم ينبع وفيهم يكون، تلك قصة لا تنتهي تبدأ حيث انتهت بشيخ ثري يُنهب وأولاده هم الجائعون، ومن ثار منهم اتجه للبطش وكتب في تعذيب أهله ملاحما وأبدع في قهرهم الفنون. فمن منا لأبيه انتمى؛ ومن منا له أباه يكون، فأنت متهم يا أبي وكلنا أبناء عاقون… لكن أبي لا يموت ليورث وأعلم أن فيه قلب حنون. من أجل ذاك أنا انتمي لك يا أبي مذ ولدت وحتى المنون، لان انتمائي أكون أو لا أكون.

شارك

التصنيفات: ومضات القراء

المفتاحيات:

خلاصة RSSالتعليقات: (3)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. بينما هو على هذا الحال يبكي ويتضور جوعا ويستغيث .. ولا أحد يسمعه فقد أنهكهم جمع المال وقل سرقته إن شئت .. هناك حيث النور يأتي الأمل ليمحو الألم يأتي الشروق ليمحو الظلام يأتي الضياء ولا يأس مع الحياة .. ولا شك هذا حال الأمة المرير ولكن سينجلي بعد حين ونحن اليوم في عصر كشف المستور !
    إحساس وشعور طيب استاذنا قلما رأيته

  2. ما أروعك من كاتب

    عشت مع كلماتك حتى كدت أبكي

    أسأل الله أن يوفقك إلى كل خير

  3. محمدصالح قال:

    ختامه مسك:اضافة معبرة عن توجه في فهم مسلك من المسالك مهم ونوع من الامل الحي الذي لابد منه بوركت

    الشاعر محمد ابو الفتوح: لاشك ان مثلك لايتذوق الكلمات فحسب وانما تلد الكلمات افكارا وصور ومشاهد تعبر عن خلجات وتصورات مضافة لتصورات كاتبها، شكرا لك لكلماتك الرقيقة الموزونة بدقة بوركت.

    لعلنا حين نصف واقعنا ونتألم فقد اضحينا امام باب مقفل للحلول وبانتظار الفكرة مفتاح الباب نضع حيثيات القضية عند ابناء الامة علّنا نجد الدليل او مسلكا آخر فنمضي بعون الله من جديد

أضف تعليقك