“يقظة” تحرير موتى الأحياء
يقظة فكر | أغسطس 21، 2010 | التعليقات: 1
بقلم د.حسن يوسف الشريف – يقظة فكر

لم يعُدْ الاحتلالُ فى عالمنا المعاصر هو الاحتلال العسكري للأراضي والمدن فحسب، بل برزت أنواعٌ جديدةُ هى أخطر من احتلال الأراضي والمدن ، إنَّهُ الاحتلالُ السياسيّ والاقتصاديّ والفكريّ ، إنَّهُ احتلال التَّبَعِّيَّة .
والاستقلالُ عن الاحتلالِ والاستغلالِ يحتاجُ إلي تجميع قُوى الإرادة نحو المقاومة ، فلابد من وجود إرادة قبل أنْ يوجد الفعل ؛ فإذا وُجدت الإرادة وُجد الفعل ، ولكنْ الحرُ هو الذى يرفض الذل ؛ فَتتحرك إرادته نحو مقاومة الاحتلال والإذلال ، أما غير الحر الذى ماتَت الغيرةُ فى مشاعرهِ وأحاسيسهِ ، فهو لا يشعر بإيلام الهوان والإذلال والاحتلال ؛ بسبب موت كرامته .
وكما يقول المتنبي :
ومنْ يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
هذا الصنف الذى فقد إرادته فلا مقاومة ، وهذا الذى قَبِلَ الاحتلال لعقْلهِ مقابل البيع أو الإيجار !! ، أما الأحرار فعقولهم ترفض البيع أو الإيجار !!
فالاحتلالُ بشتى أنواعه ( المادية أو المعنوية) يسعى فى التفاوض معك لكى يمتلك عقلك ؛ فيمتلك إرادتك ، أى تقبل واحداً من اثنينِ : البيع أو الإيجار لمركز كرامتك ، وهو العقل ، وإما الحرب ، فمتى ستبدأ هجومك على الكسل والغفلة ؟! .
إنَّ الغفلة والكسل هما أبرز قادة الاحتلال الفكري، فاحْذر أن يستولوا بقواتهم على أرض عقلك وقلبك ، وإنْ كان الاحتلال قد وقع ، فقد وجبت فى حقك فريضة المقاومة ؛ لتحرير عقلك من نفسك وهواك ، أعنى من الغفلة والكسل .
إنَّ تحرير عقولنا واجب قومي ، يُمْلِيِهِ علينا واقعنا العربي المنْهار ؛ حيث لا توجد وحدة سياسية ، ولا وحدة اقتصادية ، ولا وحدة عسكرية .
لقد بدأنا السيرَ فى طريقِ الوحدة منذ أكثر من ستين عاماً ، عندما أنشأنا جامعة الدول العربية ( 1945 م ) ، ولم تنجحْ إلى الآن ، رغم امتلاكنا لكل مقوماتِ الوحدة الفاعِلة ، ونجحت أوروبا فى تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية ، رغم قيام حروبٍ عديدةٍ بين أقطارها ، وتعدُد لغاتها ، وقومياتها .
إنَّ العقولَ العربية التى تخافُ الوحدة ، عقولٌ محتلةٌ ؛ تحتاجُ إلى تحريرها مِن الخوف .
إنَّ العقولَ التى لا تعرف أن أمنها القومي مُهدَّدٌ بالخطر ؛ بسبب سياسة الضعف العربية ، هى عقول يحتلها الجهل بالواقع ؛ ولا بد من تحريرها مِن الجهل .
إنَّ العقولَ التى لا تَرى الوحدة العربية السياسية والاقتصادية هو أعْظمُ هدفٍ استراتيجي عربي ، سيُحقِّق الاهتمام والتركيز والحركة والفاعلية ، هى عقول محتلة ؛ تحتاج إلى تحريرها من الغفلة والكسل .
هل مات الإحساس ؟
نخشى أنْ يكونَ الإحساس العربي بالواقع قد مات ، ونرجوا أن يكون نوماً لا موتاً ؛ حتى يمكن إيقاظه ، ونحن مطمئنون إلى أنّها حالة نومٍ أو غفلةٍ وليست موتاً ، ولكنْ للأسف إنّها غفلة شديدة ، تحتاج إلى جهدٍ شديدٍ حتى تتم اليقظة ، ثم النهضة ، ثم الحضارة ، والذى يدلُ على شدِّة الغفلة العربية أن التاريخ المتتابع للأمم يخبرنا بأن الأمم تنهض نحو التقدم والحضارة حين تشعر بالخطر المرعب ؛ فتسيطر عليها فكرة الخلاص من هذا الخطر ، كما يذْكر المفكر العربي مالك بن نبي : ” عندما نُسائِل التاريخ ، نجد أنَّ الحضارات تشكَّلت ضمن ظروف هيمنت عليها فكرة الخلاص ، وسيطرت على وعْى الإنسان ، حتى غير اتجاهه ، وهذه الفكرة لا تُشكِّل صياغتها ولا تصبح حاسمة إلا أمام خطرٍ مرعبٍ ” (القضايا الكبر ى ، مالك بن نبي ، ص58) .
فهل لا يحس العقل العربي بالأخطار المرعبة ؟!! ، والتى تُحيط به من مؤامرات الاستعمار الاسرائيلى الأمريكي فى العراق وفلسطين والسودان والصومال ولبنان وغيرها من هذه المخاطر ، فيبدأُ المقاومةَ لتحريرِ عقلهِ من الغفلةِ والكسلِ ، ولا ننسى أنَّ بعض العقول قد
تستيقظ من الغفلة فتعى المخاطر من حولها ، ولكنْ لا تَكِّدُّ وتُتُعِب نفسها فى التفكير فى كيفية التغلب على هذه المخاطر ، لا تعجب من هذا !! ، فهؤلاء هم الذين سيطَّر الكسلُ على عقولهم ، رغم وجود الوعى عندهم ، إنهم كما يسميهم الإمام أحمد بن حنبل ( أصحاب العقول المستريحة ) .
شرطان لابد أن نحققهما حتى نُحقق التحرير الكامل لعقولنا :
الــأول : الخروج من الغفلة بتحقيق اليقظة ؛ لنعى ما حولنا من مخاطرٍ ومشاكلٍ .
والثاني : حركة العقل للتفكير السليم فى التغلب على المخاطر والمشاكل التى تحيط بنا .
وهنا يبرز سؤال : إذا استيقظنا من غفلتنا وبدأنا نفكِّرُ فى الخلاص من المخاطر التى تحيط بأمتنا فإنه سيواجهنا مشكلة خطيرة وهى : إنَّ الشعوب العربية فى وادٍ ، وحكومتنا فى وادٍ آخر ، فهناك عزلةٌ بينهما ، فكيف نعمل على وجود الاتصال بينهما ؟ ، حتى يكون الطرفان كأنَّهما وحدة واحدة ، وكيان واحد ، أو بمعنى آخر : كيف نمد الجسور بين الحكومات والشعوب العربية ؟ ، وهو سؤال هامٌ وخطيرٌ يحتاج إلى إيجاد تجمُّع بين “المفكرين العرب” ليقوم بهذا الدور ، وسنُفْرد لهذا الموضوع دراسة خاصة ، وأما الآن فعلينا أنْ نبدأ “حملة تحرير العقل العربي” ، وليكن شعارها : “لا تكن ميت الأحياء” .
لا تكن ميت الأحياء :
إنَّ الذى يفقد مشاعره فلا يُسَّرُ بانتصار الخير على الشر ، ولا يتألمُ لانتصار الشر على الخير ، فهو حقاً ميِّتُ الأحياءِ .
إنَّ الذى لا يسعى لتقويةِ كل ما هو خير ، وإضعاف كل ما هو شر ، فهو ميتُ الأحياء .
إنَّ الذى لا يرى أنَّ الغفلةَ والكسلَ هما أخطر أعدائه ، فهو ميتُ الأحياء
إنَّ الذى لا يستشعر المخاطر المرعبة التى تحيط به ، ولا تَتَملَّكه فكرة الخلاص من هذه المخاطر ، فهو ميتُ الأحياء .
إنَّ الذى يُسلِّم نفسه لقيادة الهوى ، ويظنُ أنَّ عينَ الهوى بصيرة لا عمياء ، ويرفضُ قيادة العقلِ ، فهو ميتُ الأحياء .
إنَّ الذى يرفض أنْ يتعلم ماله من حقوق ، وما عليه من واجباتٍ ، فهو ميت الأحياء .
إنَّ الذى يرفض أنْ يُضيء طريقه بنور الشرع والعقل ، أو يقبلُ أحدهما ويرفض الآخر ، فهو ميتُ الأحياء .
إنَّ مَنْ يُسيطِر عليه اليأس ، ويفقد الأملَ والرجاءَ ، فهو ميتُ الأحياء .
وصدَق الشاعر :
ليس من مـاتَ فاستراحَ بميتٍ إنما الميت ميت الأحيــــاءِ
إنَّما الميتُ من يعيش كئيباً كاسفاً باله قليل الرجاءِ
هذه هى بعض صفات موتى الأحياء ، فإذا لم تكن منهم فعليك أنْ تتحركَ لإنقاذهم ، وما أكثرهم فى عصر العولمة المتوحشة والرأسمالية المفترسة
Dr_hyms@yahoo.com
شاركاقرأ أيضا:
التصنيفات: من بحر الحياة




كلام في الصميم. لكنه يكوي القلب حين تكون الحكومة ممن يحتل الشعب ومعاون في احتلاله.
حسبنا الله ونعم الوكيل