أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مختارات / خلل وأمل.. ما بين التَّكديس والفعاليَّة

خلل وأمل.. ما بين التَّكديس والفعاليَّة

إسلام العدل – يقظة فكر

“النماذج التي تذكرها هي حالات استثنائية في التاريخ، وهناك ملايين الحالات الأخرى لم تكن كذلك لم يذكرها التاريخ”

هكذا قالها لي في وسط نقاشنا عن دور المرأة في الحياة, ردًّا على استشهادي بالسّيدة أم عمارة نسيبة بنت كعب, فرددتُ عليه ببساطة قائلاً: “نعم لم يذكرهم التاريخ ذكورًا كانوا أو إناثًا على السواء” وابتسمت قائلاً: “فلماذا نرضى بما رضي به الملايين, ونرفض أن نكون من العظماء الذين يذكرهم التاريخ”.

ثقافة الوفرة

هذه الحالة نشأت – في اعتقادي – عن ثقافة الوفرة التي أثَّرَت على رؤية كلّ فرد لدوره ولدور غيره في مسار النَّهضة, فالإنسان الآن يرى أمامه من كل مُنتج أنواعًا كثيرةً متوفرة, ولأنه تحوَّلَ من كائن مُنتج – والحديث هنا عن الإنسان في عالمنا العربي والإسلامي – إلى كائن مستهلك, فأصبح حكمه على الأمور الفلسفيَّة منطلقًا من حياته في فلك عالم الأشياء الماديَّة كمستهلك.

فأصبحت رؤيته للنهضة رؤية المُستهلك وليس المُنتج, ولسان حاله يقول سيقومون بها.. وكأنَّ هناك من سيهبط لنا من الفضاء ليصنع نهضتنا الذاتيَّة, أو أنَّ المستوردين سيقومون باستيرادها من أسواق المدنيَّة الغربيَّة.

فلقد فقد الفرد قابليَّة الإنتاج الحضاري وغرق في استمتاعه في الاستهلاك الحضاري الوفير, فأصبحَ يَرضي بدورِ المُشاهد المُستمتع بما يُنتجه الآخرون, دون أن يتحمل تضحيَّات أو مخاطر الإنتاج بنفسه.

فعلي سبيل المثال أصبح الفرد يميل إلي العمل الوظيفي الروتيني أكثر من العمل الحر, لأنَّهُ يدعم ثقافة الوَفْرَة والتي يعتقد أنَّها توفّر حدًّا أدنى من الأمان ولا تتعرَّض فيها للمخاطر والتحدّيات, ولسان حاله يقول “مثلي مثل غيري ملايين”؛ فاختفت الرَّغبة في التميّز لأنَّ التميّز لن يتأتَّى بدون قُدرة على الإبداع والإنتاج,  فاختفت أو بالأصح قلَّت النَّماذج التي تقول بكل عزم: “والله لنزاحمنَّهُم على الحوض ليعرفوا أنَّهُم قد خَلّفوا رجال”.

ومع قلَّة هذه النماذج أصبحت مجتمعاتنا نفسها تعيش حالة من الوفرة البشريَّة المُستهلِكة التي لا تختلف كثيرًا عن وفرة البضائع المكدَّسة على الأرفف في أي سوقٍ عملاق.

ثقافة التَّكديس

وبما أنَّنا تحدَّثنا عن البضائع المكدَّسة فلابد أنْ ننتقل تباعًا إلى ثقافة التَّكديس, فهذا الإنسان الذي يعيش منتشيًا في عالم الوفرة  لابد أن تكون بالتبعيَّة لديه ما يُسمّى بثقافة التَّكديس, فهو لا يهتم سوى بجمع المنتجات دون فهم أو دراسة كيفيَّة إنتاجها, هذه الثقافة للأسف حوَّلته – أي الإنسان – إلى جزء من عملية التَّكديس على المستوى الرّوحي, فأصبحت طاقاته مُكدَّسة في داخله, ولا يهتم كثيرًا بفهمها ناهيك عن إحسان استخدامها, وبالطبع بعيد كلّ البعد عن إمكانيَّة تطويرها, وهنا تكمن مشكلتنا الحضاريَّة الأولى – في منظوري أنا على الأقل – مشكلة ضَعف الفعاليَّة.

وهذا يجعلنا نُعرّف الفعاليَّة على أنَّها: “تحويل طاقات الإنسان المكدّسة إلى عملٍ نافعٍ بأنسب الوسائل في عصره”,  وهو عملٌ مُعطَّل في مجتمعاتنا, والدَّليل على ذلك أنَّنا نُعاني من زيادة السكان بينما تستفيد الصّين من تلك الزيادة.

وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على مجتمعاتنا سنجد أنَّ نظرة كثير من الرّجال (أقصد الذكور) إلى المرأة أصبحت نظرة استهلاكيَّة تكديسيَّة إذا جاز التعبير, وأنَّها كائن خدمي ليستهلكه الرّجل أو يكدّسه في رف في منزله أو في إعلانات المنتجات بشكلٍ مبالغ فيه, متناسيًا أنَّ المرأة كالرَّجل لابد من تحويل طاقاتها المكدّسة إلى عملٍ نافعٍ (مع اختلاف نوعيَّته طبقًا لما يتوافق مع طبيعتها الأنثويَّة).. لا تكديسها هي نفسها فتصبح كلاًّ مُهملاً, ولا توفيرها كمنتج رخيص متاح للجميع فتصبح لا قيمة لها.

والحقيقة أنَّ هذا الواقع ينطبق أيضًا على الرجل إذا أصبح يستخدم كآلة في منظومة المدنيَّة وليس كإنسان له عقل مُبدع وروح تربطه بعالمٍ آخر, ويستخدم في بناء الحضارة. فأصبح الرَّجل أيضًا يتم استهلاكه على المستوى المادّي البحت في الأعمال اليوميَّة لتحقيق إنجاز محدود, وللأسف الشَّديد فإنَّ هذا الاستهلاك ولو بلغ أقصى حدٍّ له فهو لن يبلغ نصف الفعاليَّة لبقاء المدنيَّة بل ولا ربع الفعاليَّة المطلوبة لإيقاد شُعلة الحضارة من جديد (فارق بين المدنيَّة والحضارة).

وبين الاستخدام التكديسي للمرأة والاستهلاكي للرجل ينشأ الجيل التَّالي فنراه مكدَّسًا طوال فترة نشأته, ابتداء من الحضانة إلى الجامعة, ثم نراه مستهلِكًا مستهلَكًا بقيّة حياته, أو مكدَّسًا في أحد الوظائف الروتينيَّة, وتعاد الدورة, وبالتالي يكون جيل عاجزًا تمام العجز عن الفعل الحضاري.

يمكننا باختصار تلخيص هذا الخلل: أنَّ ثقافة الوفرة التي ترتّب عليها التوغّل في الاستهلاك وثقافة التّكديس التي ترتّب عليها التمادي في تعطيل الإبداع,  يترتّب عليهما انعدام الفعاليَّة أو ضعفها وهذه اللامبالاة تجاه الفعاليَّة أصبحت للأسف الشديد أحد المكوّنات لقناعاتنا, والتي بالتبعيَّة تشكل سلوكنا وتحدد أفعالنا.

ورجوعا لفكرة أنَّ الخلل في عالمنا المادّي يرتبط بخلل في عالمنا الروحي أو الفكري, فإنَّ أملنا الحقيقي يَتَمَّثل في إمكانيَّة إعلاء نسبة الفعاليَّة الشخصيَّة على مستوى الطَّاقات، وهذا العلو سيتبعه علو مضاعف لنسبة الفعاليَّة على مستوى الإنتاج.

وهذا في رأيي المتواضع يمكن أن يتحقَّق على المستوى الفردي لقلَّة من الرواد بالأفكار وحدها, والحكم والمقولات التي تشحذ هؤلاء, أمَّا على المستوى الجمعي فلابد من نماذج تتمثَّل فيها تلك الأفكار فيتفاعل معها النَّاس وتُصبح قدوات غيرها.

هذه النماذج الرائدة عليها أن تبحث عن الدّور الأمثل الذي يمكن أن تُؤدّيه في الحياة والمتصل برضا الله.. وهذا ما نعالجه في مقال آخر بإذن الله.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

8 تعليقات

  1. عبدالوهاب محمد

    رائع جدا .. جزيتم خيرا كثيرا

  2. هناك سبقونا علميا و ثقافيا و حتى أخلاقيا، و هنا بقيت حياة ( خلل و أمل ) ، و اختلال التوازن بين الحق و الواجب هوأنتج صراع الجري وراء لا شىء ، فكيف تكون الفعالية ؟
    ملاحظة بسيطة على ما جاء في المقال : أن الفرد أصبح يميل الى العمل الوظيفي أحسن من العمل الحر ، صحيح جل المواطنين يؤمنون و يأملون ان تكون فرصهم في العمل عند الدولة ، لكن بالمقابل فئة لا باس بها تشتغل في العمل الحر ، لكن ما هو هذا العمل ؟ نسبة عالية من العمل الحر هي في فتح محلات المأكولات أو محلات للملابس و يصل الحال الى بناء أبراج عالية من أجل ما نلبس و ما نأكل و الى غيرها …فهل ينقصنا ابداع و تميز في عرض المأكولات و الملابس ؟

  3. فعليا .. لديك كل الحق
    هي تلك الفكرة بالأامن الاكثر استقرار ، دون النظر ايهما يأت بتطور يريده هو كشخص قبل ان يريده مجتمعه لتحدث النهضة

    اللهم انا نعوذ بك من العجز والكسل

    جزاكم الله خيرا

  4. محمد عز الدين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الكلام حلو وجميل بس لان انا قريته معظم الشباب معندهوش صبر القرايه عشان كده اتمنى انكم تفكروا فى عرض المقالات كفديوهات وياريت لو لكنه مصريه مش لغه عربيه حتوصل افضل وبسرعه للشباب

    ده راى المتواضع ومجهودكم رائع وربنا يجازيكم

  5. ربنا يكرمك يا إسلام
    وحلوه حتت اللامباله دي
    العرب عقلهم أصبح مثل البلاطه
    لأن نفس التكدس ده بره وكل يوم في تطوير وتعديل وإختراع مع كثرة ما لديهم
    نسينا عقولنا وأرحناها ولم نعد نهتم غير بالإستهلاك

  6. جزاكم الله خيرا
    و أبشركم أن فكرة النماذج الرائدة المذكورة في آخر المقال يتم استخدامها حاليا في برنامج (مجددون)

  7. اقولها وبكل اسف .. ان حياتنا باتت اليوم مسيـّـسة .. فحتى على صعيد التعليم .. كل شيء مسيس من الحكومات او الجهات (الي اعلى منا) وبناءا على ذلك .. فنحن لم نتلقى التوعية ولا الارشاد لنكون اعضاء وجنودا في الميدان .. بل دائما كنا نتعلم ان نكون كالمتفرج على تلك المباراة .. كل يشجع الفريق الذي يختاره .. هذا على المستوى الشخصي والفردي .. بحيث نكون طلاب مدارس نحلم بالجامعات ويكون حمل التكاليف شاقا علينا بحيث نريد مصدر الرزق باي شكل .. وحتى نجده نتعلم وندخل الجامعات وننتهي .. لنعيد الكرة باننا نريد ان نعمل في المهنة الميسورة والامنة والتي تحقق مصدر الرزق بشكل اكيد والتي لا يوجد فيها اي شيء من الابداع ولا من الصعوبة التي لم نعتد اصلا على تحملها فمذ خلقنا كنا ولا نزال نريد الاشياء “سهلة المنال” والمجردة من معاني الابداع والتفكير !
    اما على مستوى الجماعات والدول فأمريكا والصهيونية العالمية تسعى راء ذلك ونرى هذا المثال واضحا في الدول العربية !
    فمن الذي يسحب النفط الخام في معظم دول الخليج ؟ وكم من عامل اجنبي يعمل في دبي ودول الخليج ؟
    لو اننا اتكلنا على انفسنا وتشربنا حمل المسؤولة منذ الصغر لكن فتحنا تلك المشاريع والمؤسسات التي تستخرج النفط بحيث نستفيد منه نحن فقط وليس الغرب ! ولو اننا عملنا بايدينا لنعمر ارضنا لكانت دبي وقطر وغيرها من اغنى دول العالم ! ولكن العدو الرئيس الذي يتمثل امامنا بصورة “الام” هو الذي يؤخر ويعيق مسيرة التقدم والنهضة في العالم العربي والاسلامي
    وهكذا صارت الحكومات كلها لعبة بايدي امريكا واسرائيل بشكل او باخر .. بحيث صار الفرد مستهلك فقط ولا يفكر يوما بان يكون مصدر او منتج ! لانه لا وقت لديه في الحقيقة وبالفعل ! فهو بالكاد يكسب مصدر رزقه ويحمد الله عليه !
    واخيرا .. اعذروني على الاطالة ..
    وبارك الله فيكم على الموضوع القيم .. ولكنه يستحق اكثر من مقال
    حياكم الله ،،

  8. بارك الله فيك على افكر النير والثقافة التراكمية الممتازة

    اخي: لايمكن ان تكون حضارة ومدارسنا تعج بسياسة التجهيل للجيل الذي اصبح عنده وفرة باستخدام التكنولوجيا والكمبيوتر والنت والخلوي … كل ذلك دمر الطاقات والابداعات والنهوض بالنفس اولا ثم النهوض بالمجموع ثانيا..باختصار السياسات المتبعة الان في الوطن العربي سياسة التجهيل بالدور الحضاري المطلوب …انحرفت البوصلة وفقدنا الهوية…وشكرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*