أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / القواعد الفقهيَّة والسياسة الشرعيَّة

القواعد الفقهيَّة والسياسة الشرعيَّة

الكتاب: تحرير الإنسان وتجريد الطغيان.. دراسة في أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي
المؤلف: د. حاكم المطيري
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
الطبعة: الأولى – 2009م
عدد الصفحات: 711 من القطع الكبير
عرض: نهى سيد

تناولنا في الحلقات السابقة تقديم لكتاب “تحرير الإنسان وتجريد الطغيان”, ثم تناولنا الباب الأول, وكان عن “أصول الخطاب السياسي الإسلامي“, والباب الثاني وتناول  “سنن الخلفاء الراشدين في الإمامة وسياسة الأمة”,  والباب الثالث وتناول “المُحْدَثَات السياسية بين الخطابين المؤوَّل والمبدّل“, وفي الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة نتناول: “الباب الرابع: القواعد الفقهيَّة والسياسة الشرعيَّة“.

إذا كانت الفجوة واسعة جدًا وشاسعة بعدًا بين الخطابين السياسي المنزَّل والواقع السياسي الذي تعيشه الأمَّة اليوم, بحيث يتصوَّر الجاهلون استحالة عودته من جديد, فإنَّ ذلك لا يغيّر من كونه هو الفرض والواجب الذي يلزم الأمة كلها العودة إليه والعمل به, وذلك للأسباب التالية:

  • لكونه هذا ما أمر الله به في قوله تعالى: “قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي”، وقد ثبت يقينًا سبيل المؤمنين وما أجمع عليه الصحابة إجماعًا قطعيًّا من أصول الخطاب السياسي، فكل ذلك من دين لله وسبيل المؤمنين الذي طمسه الجبابرة والطغاة بمحدثاتهم، فلا عذر للعلماء في السكوت عنها ولا في ترك ما أوجب الله عليهم بيانه من الحق، مهما كان الواقع جاهليًّا، فإنَّ ذلك لا يُغيّر من الأحكام شيئًا، ولا يلتفت إلى أقوال المخذلين ممن يشيعون بأنَّ عودة خطاب الراشدين ضرب من الخيال، دون إدراك خطورة هذه الإشاعة التي تعني عدم صلاحيَّة الإسلام لهذا العصر، وأن في أحكامه ما لا يطيقه المكلفون، لا لشيئ إلا لكون علماء السوء ودهاقنة الباطل وضعفاء الهمم عاجزين في عصر الهزيمة عن شحذ عزيمة الأمة على تغيير واقعها.
  • لأن النبي (صلَّى الله عليه وسلم) هو نفسه الذي بشَّر بعودة الخطاب السياسي المنزَّل من جديد, كما في الحديث الصحيح (ثم تعود خلافة على نهج النبوة) وغير ذلك من المبشِّرات بالظهور والنصر المتواترة تواترًا قطعيًّا.
  • أنَّ واقع الأمم الأخرى أوضح دليل وأصدق شاهد على إمكان تحقيق ذلك، فمن رأى تبدل أحوالها، وكيف تغيرت أوضاعها لتصبح أحلام شعوبها واقعًا بعد كفاحها ونضالها, أدرك ذلك.
  • واقع الأمة نفسه وما يحدث من إرهاصات تنبّئ عن مستقبل مشرق لهذه الأمة، فأحوالها اليوم وتقدمها وتطور أوضاعها على اختلاف بلدانها مقارنة مع أحوالها تحت الاحتلال والاستعمار الغربي قبل قرن يؤكد أنَّه لن يمضي نصف قرن إلا وقد استعادت حريتها وسيادتها ووحدتها وقوتها.
  • أنَّ بعث الخطاب الراشدي في واقع الأمة السياسي اليوم لا يقتضي بعثه جملة واحدة، بل قد تحدث تدريجيًّا حتى تسترد الأمة فيه حريتها المسلوبة وحقوقها المنهوبة.

وفقه المقاربات هو ما سيتجلى في باب القواعد الفقهيَّة الشرعيَّة، وهذا باب مهم جدًا مكمل لأصول الخطاب السياسي الشرعي.

ولما قدّم الكاتب بأصول الخطاب السياسي الإسلامي العقائدي، ثم أتبعها بالأصول التشريعية، فقد حسن إكمالها بالقواعد السياسية الشرعية، والضوابط الجزئية، لتكتمل الأبواب، وهو باب واسع لا يمكن الإحاطة به، وإنما أورد منه الأهم فالمهم، مما يجعل عملية بعث الخطاب الراشدي أمرًا ممكنًا ببعث مفردات الخطاب، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من أصوله في واقع كل بلد، فمن هذه القواعد التي يجب مراعاتها والأخذ بها والتي غايتها تحرير الخلق وإقامة القسط والحق:

  1. تصرف السلطة على الأمة منوط بالمصلحة.
  2. سلطة الجماعة كسلطة الإمامة عند عدمها.
  3. حيثما تحقق العدل والمصلحة فثم شرع الله.
  4. لا عبرة بالإكراه ولا تسقط الحقوق بالغصب ولا بالتقادم.
  5. المشقة تجلب التيسير وإذا ضاق الأمر اتسع.
  6. رعاية الحقوق أوجب من إقامة الحدود.
  7. الأصل في الأشياء الإباحة والحل.
  8. الأصل براءة الذمم.
  9. الميسور لا يسقط بالمعسور ولا يترك المقدور بالمعذور.
  10. للوسائل والأدوات حكم المقاصد والغايات.

خاتمة

ولقد ختم المؤلف كتابه فقال: “فهذه هي أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي، وقواعده وضوابطه، وغاياته ومقاصده، وأجلّها تحرير الإنسانيَّة من كل صور العبوديَّة لغير الله تعالى رب العالمين، وتجريد الطغاة من الملوك ورجال الدين، من كل صور التأله البشري، وإبطال كل صور الظلم والطغيان، وأخطرها جور الملوك، وحيف ذوي السلطان”.

ويستطرد قائلاً: “وإنَّ المقاربة للوصول إلى تحقيق هذه الأصول هو من أوجب الواجبات الشرعيَّة، ولا تعني المقاربة إضفاء الشرعيَّة على ما كان مصادمًا لأصول الخطاب السياسي الشرعي المنزل، بل الباطل يظل باطلاً والحرام حرامًا والظلم ظلمًا، إلا أنَّ المقاربة قد تقتضي الأخذ بالأقرب الأقل ظلمًا من أجل الوصول إلى لأبعد الأكثر عدلاً، فلا يُرّد ما وافق العدل والحق وإن قل، بحجة أنه ليس الأكمل والأفضل، بل الواجب تحقيق المقدور، على أن لا يفضي ذلك إلى الرضا بتعطل المعسور ولا الرضا بالإجحاف والظلم بجميع صوره، وللأمة في حال الضعف من الأحكام ما ليس لها في حال القوة، فإذا كان من الواجب توحيد الأمة وإقامة الخلافة الواحدة والدولة الواحدة، فإن على الأمة اليوم أن تحقّق من الوحدة والاتحاد ما يقاربها إلى هذا الأصل، وكل عمل يؤدي لتوحيد الأمة ورص صفوفها، تحت أي إطار واتحاد سياسي أو اقتصادي أو عسكري”.

إنَّ الواجب العمل بكل وسيلة للوصول إلى غايات الخطاب – القرآني والنبوي والراشدي – ومقاصده، بكل وسيلة شرعيَّة، بحسب ظروف كل بلد، على أن لا تحول المقاربة دون السعي إلى تحقيق أصول الخطاب المنزَّل، ولا إضفاء الشرعيَّة والرضا والقبول بما سواه، تحت ضغط الواقع، إذ تظل الأحكام الاستثنائية مرحلية، يجب ألا تعيق الأمة عن السير نحو إقامة الكتاب وما جاء به من العدل والقسط والاستخلاف في الأرض، فإن موعود الله لهذه الأمة قائم إلى قيام الساعة، ولا يحول بينها وبين استئناف حياتها واستخلافها في الأرض سوى هذا الخطاب السياسي الشرعي المبدل، والطواغيت التي تزود عنه، وتتمسك به وتقاتل دونه، لتصادر على الأمة توحيدها وحريتها واستقلالها ووحدتها وحقوقها وثرواتها.

فقد آن للأمة أن تدرك سبيل الصلاح والإصلاح بعد أن بات مستحيلاً دون ثورة داخليَّة سياسيَّة وفكريَّة كبرى تقوم بها الشعوب التي طال ليل عبوديّتها، وفقدت معاني حريّتها، وضلّت طريقها، مع أنَّ الأمر بيدها لا بيد غيرها، والحق لها وحدها لا لغيرها، والسبيل أمامها ممهود والنصر لها موعود، فما من أمة من أمم الأرض نهجته إلا وحققت ما تصبو إليه من الحرية والعدل والنهضة، على اختلاف مللها ونحلها، كما هي سنن الله الاجتماعية في الخلق..

ومن ينظر في تاريخ الأمم يجد ذلك جليًا واضحًا، وكل الأمم اليوم التي تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية وحماية حقوق الإنسان لم يتحقق لها ذلك إلا بعد الثورة على الظلم، ومقاومته ورفضها له، وعلى العكس من ذلك حال الشعوب التي لم تتصد له، إذ ما تزال ترسف في أغلال العبودية للأنظمة الاستبدادية، ولا يمكن للشعوب المستعبدة أن تحقق نهضة أو تحمل رسالة، ولا يمكن تحقيق نهضة إصلاحية قبل تحرير الشعوب من الظلم والاستبداد.

بل إن المفاسد التي ترتبت على الثورة على الأنظمة الاستبدادية في كل الدول التي شهدت ثورات شعبية أقل من المفاسد التي تعرضت لها الشعوب التي صبرت على الجور وخنعت له، وما تحقق من المصلحة للشعوب التي شهدت الثورات أضعاف أضعاف المصالح التي تحققت للشعوب التي رضيت بالظلم واستسلمت له.

إنَّه ليس للعالم الإسلامي نظام سياسي يلم شعثه ويوحد كلمته ويحقق أمنه، سوى نظام الخلافة، الذي يعبر عن وحدة الأمة وتوحيدها السياسي، الذي عاشت الأمة تحت ظله عزيزة كريمة حرة ثلاثة عشر قرنًا، والذي تحقق به موعود الله لها بالاستخلاف في الأرض، وتحققت لها به الفتوحات التي حررت شعوب الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية من طغيان ملوكهما، وقامت به حضارة إنسانية مدة ألف عام، وتعايشت فيه شعوب وقوميات وأديان في أخوة وعدل ومساواة وحرية.

وإنَّ من الأسباب التي تعيق الأمة عن تحقيق هدفها هو فهم الدين ذاته، ومعرفة أبعاده في الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة، فما زال أكثر علماء الأمة ودعاتها يخلطون بين مفهوم الدين ومفهوم التدين، فهم يدعون في الواقع إلى التدين لا إلى الدين بشموليته، ولهذا صاروا يولون كل اهتمامهم بتربيَة الأجيال وتعليمهم أمور دينهم دون وجود هدف أبعد من ذلك يسعون إلى تحقيقه، كما صار أكثرهم يدعو إلى العودة إلى الدين وتنفيذ أحكامه وإقامة شرائعه وأسقطوا الإنسان وحقوقه وحريته من خطابهم، فلم يعد الإنسان في خطابهم هو الهدف والغاية، بل الهدف عندهم هو الدين ذاته الذي لا وجود له دون إنسان يؤمن به ويعمل وفق أحكامه، كما إن التجارب الإنسانية تؤكد أن نجاح أي حركة اجتماعية إصلاحية مرتبط أشد الارتباط بمدى عنايتها بالإنسان نفسه واهتمامها به.

إذ تحرير الشعوب وتحرير إرادتها هو الطريق نحو وحدتها وقوتها، فالعودة إلى الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي هو الخيار الأمثل، والحل الأكمل، بل هو السبيل الوحيد الذي ليس أمام الأمة طريق سواه، فهو المخرج لها من هذا التيه الذي قرب فجره، وأزف نصره، فالتاريخ لم ينته بعد، بل هو أبو المفاجآت.

حَكَموا عليَّ بأَنْ أموتَ وما دَرَوا… أني بلغتُ من الخلود مُــرادي

ولسوف يُنشرُ يومَ نُـذكرُ في غدٍ … ما كان من جبروتهم وجهادي

ظَلَمـــوا وما عَلِموا بأَنَّ وراءهم … شعبـــاً وأنَّ الله بالمِرصـــــادِ

(د. خالد محي الدين)

لمشاهدة محاضرة الدكتور حاكم المطيري (مؤلف الكتاب) – بعنوان: تحرير الإنسان خطوة على طريق تحرير الأوطان, على (قناة الجزيرة الفضائية), فضلا اضغطوا على الأجزاء التالية:

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*