الإحاطة والرّسوخ.. [4] انعدام التوازن بين المقاصد والكماليّات
يقظة فكر | ديسمبر 14، 2010 | التعليقات: 4

يحيى نعيم – يقظة فكر
ضعف الرّسوخ في العلم ومظاهره
ثالثًا: انعدام التوازن بين المقاصد والكماليات:
هو اختلالٌ عظيمٌ في ميدان العمل الإسلامي, منشأه ضعف رسوخ العلم في فقه الكتاب والسنة, ومقاصد الرسالة الإسلاميَّة, والأحكام الشرعيَّة.
وكالعادة قبل الولوج لتفصيل صُوَره وآثاره الوخيمة في ميدان العمل الإسلامي, فإنَّه يلزمنا التعريف بمفهوم المقاصد والكماليات, ليتضح المراد من القول بانعدام التوازن بينهما.
يُعرّف الأستاذ علال الفاسي – رحمه الله – مقاصد الشريعة بقوله: “المُراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها, والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها”, وفي تعريف رائد علم المقاصد ومؤسس نظريّته الإمام الشاطبي رحمه الله مزيد من التفصيل إذ يقول: “تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها, وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: ضروريَّة, حاجيَّة, تحسينيَّة:
- فالضروريَّة: هي التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا, ويترتب على فقدانها اختلال وفساد كبير في الدنيا والآخرة. وبقدر ما يكون من فقدانها بقدر ما يكون من الفساد والتعطّل في نظام الحياة.. وقد ثَبَت بالاستقراء أنَّها خمسة, هي: حفظ الدين, وحفظ النفس, وحفظ المال, وحفظ العقل, وحفظ النسل, وهي التي جاء حفظها في كل ملة.
- أما المقاصد الحاجيَّة: فهي التي يتحقق بها رفع الضيق والحرج عن حياة المكلفين والتوسعة فيها.
- والمقاصد التحسينيَّة: فهي المصالح التي لا ترقى أهميتها إلى مستوى المرتبتين السابقتين, وإنما شأنها أن تتم وتحسن تحصيلهما, ويجمع ذلك محاسن العادات ومكارم الأخلاق والآداب”.
ويزيد الإمام الجليل في التبيان, فيقول: “وحفظ الشريعة للمصالح (المقاصد) الضروريَّة وغيرها يتم علي وجهين, يكمل أحدهما الآخر وهما:
- حفظها من جانب الوجود: أي بشرع ما يحقق وجودها ويثبتها ويرعاها.
- حفظها من جانب العدم: أي بإبعاد ما يؤدي إلى إزالتها أو إفسادها أو تعطيلها سواء أكان واقعًا أو موقعًا..
فإذا ما تأملنا ما سبق من تعريف وبيان, اتضح لنا مقدار ما نعانيه في ميدان العمل الإسلامي المعاصر, من اختلال في فقه الموازنة بين الضروريات والتحسينات من المقاصد الشرعيَّة. وإذا ما كانت الغاية المعلنة, والأهداف المعتمدة, لكافة التنظيمات والهيئات الإسلاميَّة, هي إقامة الدين والذبّ عنه, فهل يتأتى لها ذلك بصرف الجهود والطاقات في حفظ المقاصد الضروريَّة التي تُقام بها مصالح الدنيا والدين؟ أم بإهدارها على نحو ما هو كائن في طلب التحسينات, وما يترتب على ذلك من تشاحنٍ وتلاسن بين طوائف العمل الإسلامي, واتهامات متبادلة بتعطيل هذه التحسينات والشكليّات؟!
وفي ضوء ما قدّمه الإمام الشاطبي من تعريف للمقاصد الضروريَّة الخمس, وما ذكره العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور, من أنَّ مقاصد الشريعة العامة هي: “حفظ النّظام, وجلب المصالح, ودرء المفاسد, وإقامة المساواة بين الناس, وجعل الشريعة مهابة مطاعة نافذة, وجعل الأمة قويَّة مرهوبة الجانب, مطمئنة البال.. في ضوء ذلك هل يتصور أحد من أبناء الحركات الإسلاميَّة علي تنوع مشاربها, أنَّ ذلك ممكنًا في ظل الاستبداد السياسي, والنظم الديكتاتوريَّة التي تحتكم للقوانين الوضعيَّة, ولا تألوا جهدًا في محاربة الإسلام ودعاته؟!
فإذا كان الجواب بالنفي, فلم هذا الخطاب السكوني في مواجهة الظلم والطغيان, ولم التَّثريب على محاولات المدافعة السياسية عند فصيل أو آخر من فصائل العمل الإسلامي؟!
وهل تحقق الأمة المعنى الحقيقي للإقتداء بالنبي الكريم, من خلال الحرص على الكماليَّات والاهتمام بالمظاهر والشكليَّات, أم من خلال العمل الجاد الدءوب لإقامة الدين, وتحقيق مقاصده الضروريَّة, ومدافعة من يرموا لإفسادها أو يتسبب في تعطيلها, أو يؤدي لإزالتها؟!
ولا يعني هذا السؤال الحطّ من قدر الإقتداء بالهدي النبوي في الملبس والمأكل والمشرب, ولكن كما يقول الدكتور عمر عبيد حسنة: “إنَّ للدين مقاصد تتمثّل في تحقيق ضروريَّات لا تقوم الحياة إلا بها, وحاجيات لا تُحمى وتقام الضروريات إلا بتوفيرها, وكماليَّات وتحسينات تعتبر أمور جماليَّة, انعدامها قد لا يؤثر في قيام الحياة” واستقرارها على نحو ما يرضي الله ورسوله.
إنَّ ضعفَ رسوخ العلم بمقاصد الشريعة, واختلال التوازن في العلاقة القائمة بين العمل لتحقيق الضروريَّات من المقاصد لصالح التحسينات والشكليَّات, يُلقى بظلال كثيفة على فاعليَّة العمل الإسلامي المعاصر, ويثير عدد لا متناهي أيضًا من علامات الاستفهام والتعجّب, حال تأمل واقع التنظيمات الحركي, ويؤدي لسلبيات وخيمة ربما نستعرضها سويًّا في التعليقات اللاحقة, ومنها إجمالاً انتشار صور التديّن السطحي, والإخلال بترتيب الأولويَّات, وضعف القدرة على الموازنة بين درء المفاسد وجلب المصالح, وما يترتب على ذلك من الارتجاليَّة والتخبّطات.
شاركاقرأ أيضا:
التصنيفات: التجديد التربوي • مختارات








فالضروريَّة: هي التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا, ويترتب على فقدانها اختلال وفساد كبير في الدنيا والآخرة. وبقدر ما يكون من فقدانها بقدر ما يكون من الفساد والتعطّل في نظام الحياة.. وقد ثَبَت بالاستقراء أنَّها خمسة, هي:
1- حفظ الدين,
5- وحفظ النفس,
3- وحفظ المال,
4- وحفظ العقل, وهي التي جاء حفظها في كل ملة.
الخامسة ، حفظ العرض ، نسيتم ذكرها في المقال .
جزاكم الله خيرا
جزاكم الله خيراً أخي الفاضل…
الخامسة التي سقطت سهواً حسبما أوردها الإمام الشاطبي في نظريته هي حفظ النسل
,والسهو من طرفي حال صياغة المقالة لا من طرف الإدارة الموقرة
السؤال الذي يثيره تأمل ضروريات المقاصد الشرعية, هو كيفية تحقيقها في غياب الحكم الإسلامي والدولة المسلمة بمعناها المنشود؟!!
فإذا قلنا بضرورة الدولة والحكم الإسلامي لتحقيق هذه المقاصد وحمايتها, فكيف يتأتي لنا ذلك في صراعنا مع النظم المستبدة الحاكمة, والتي لا تألوا جهداً في الصد عن سبيل الله, والتنكيل بالدعاة وإهدار هذه المقاصد والوقوف في طريق تحقيقها؟؟
هل القول باعتزال السياسة, وتأثيم العاملين بها, كما هو الحال عند بعض الجماعات الإسلامية يعبر عن فهم صحيح لمقاصد الشريعة و واجبات العمل لتحقيقها؟؟
هل تتبني الجماعات التي تؤمن بالمدافعة السياسية الخيار الأمثل في إدارة الصراع مع النظم الرديفة المستبدة, أم أن استراتيجياتها تحتاج للمراجعة والتقويم والتجديد؟؟
العديد من علامات الإستفهام يثيرها الفكر المقاصدي مقارنة بواقع العمل الإسلامي , تبحث عن حوار جاد وتفتش عن جواب شافي فهل من مدلي بدلوه في غمار الفكر؟؟
دمتمـ بأطيب حال وأرضاه لرب العالمين
يحيى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتورنا العزيز الموضوع اكثر من رائع وادعوك لكتابة المزيد من هذه الموضوعات فالامة اليوم بحاجة ماسه لمثل هذا الطرح وانا اكتب حالياً اطروحة دكتوراه مشتركة مابين السياسه والمقاصد فاستميحك عذراً الاقتباس من الموضوع اعلاه لكن كيف انسبه لك حبذا لو كتبت لي عنوان كتابك الموجود به هذه المعلومه وتفصيله وكذلك ارجو منك ان لا تبخل عليه بما يجود به قلمك من مثل هذه المواضيع للاستفادة منها فانا مهتم جدا بها وحبذا لو تبعث لي ما تكتب على بريدي الالكتروني وسأكون لك شاكرا ولمعروفك ذاكرا
أقتبس من تلخيص فضيلتكم فى ختام البحث القيم من غلبة الشكليات على العمل للمقاصد الواجبة ، أن القائمون على الجماعات الإسلامية يغيب عنهم توظيف الطاقات من أجل هذه المقاصد ، حتى وإن لم يعيها الصف حفظا وتأصيلا .فمن الصحابة من لم يلق النبى صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحده لكنه أقام من الدين مالم يكن يعرف تأصيله . فغياب الحلم الكبير الممكن تحقيقه الذى يوظف الطاقات ويرمى فى ذات الوقت إلى تحقيق المقاصد الضرورية . فمشروع على بساطة فكرته وعلو قيمته مثل ” جمعية رسالة” ، وظفت طاقات حتى العامة ووجهتها فى تحقيق المقاصد الأصيلة للشريعة. ومشروع مثل قناة الجزيرة كان أولى به كوادر الحركة الإسلامية ولو أقاموه فى دول أجنبية للحظر عليهم. لا يحضرنى الكثير من الأفكار لكن أذكر أن أى صف وإن كان فى زمن النبوة فرغ ولو استراحة محارب شُغل بغير الأولى وربما بما هو أدنى كحادثة الإفك.
إن أهم وأفضل ما تتقرب به قيادة إلى الله، هو بتعبيد جندها بحلم يخطون فيه جميعا، قابل للتحقيق وإن كان بسيطا ، دون الغايات التى ينتمى لأجلها الأفراد للفكره . لكن احتياجهم إلى التوظيف يجب قصور الفهم ، ويوصل لهذا الرسوخ لكن بطريقة عملية. والله أعلم