أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / المشهد لا يتكرر.. دقق النظر

المشهد لا يتكرر.. دقق النظر

م. وائل عادل

كثفوا العناصر الجديدة في الواقع

متى يتوقف التكرار؟! فالنوائب تنهمر علينا، ونتعامل معها بنفس ردود الأفعال، نندب حالنا كثيراً ونعمل قليلاً..  نتسائل عن دورنا ثم نذهب إلى وسائدنا، لنستيقظ على صوت دوي أزمة جديدة، وهكذا يتكرر المشهد.

ولكن مهلاً.. إن المشهد ليس مكرراً كما يُخيَّل للناظر. فهناك عناصر وشخصيات تتطور في المشهد الذي يبدو مكرراً، فالمشهد لا يتكرر بحذافيره!!

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. فهناك من صدمهم الواقع وتكرار أحداثه وجَنْيُ نفس النتائج، فتوقفوا عن القفز في المكان، وبدأوا يبحثون عن دور لم ينضج في أذهانهم بعد. انظر هناك ستجدهم في زاوية المشهد من بعيد أشبه بنقاط على الصورة.

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. فهناك مبادرات جديدة تقتحم المشهد، وتحاول التصدي للواقع حتى وإن قل بأسها واستقوى عليها الواقع. ألا تبصر الإطار الجديد والبرواز الرائع الذي زان المشهد وإن لم يتمكن إلا من احتواء سوى ضلع واحد من الصورة؟! لكنه يوماً ما سيحتويها إن اشتد عوده!!

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. فهناك أفكار ومفاهيم جديدة تطرأ على المشهد لتعيد صياغته كلياً من جديد، انظر إلى قلب المشهد ستجد الألوان بدأت تدب فيه على استحياء، بعد أن كنا نراه بلونين فقط.. أبيض وأسود!!

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. تقنيات جديدة تستخدم وأطر فعل جديدة تتخلق، المشهد الذي كانت تظهر فيه الأفيال دائماً تجر وراءها أكوام البشر في عربات تقتادهم إلى الفعل، تغير تماماً لترى الهاتف المحمول وشبكة الإنترنت تدعو الناس طواعية إلى المشاركة!!

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. فهناك أفراد ومجموعات لم يكونوا يهتمون بالشأن العام، لكن ما جرى هالهم، فأفاقوا وانتبهوا بعد أن أيقظت الأحداث قلوبهم وحفزت عقولهم. ألا ترى صورة المشهد في يد الكثيرين؟!

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. فهناك أفراد ومجموعات يئست وخرجت من دائرة الفعل وأُسدل عليها الستار، لتطوي مرحلة من الاستجابات الفاشلة للتصدي للواقع وتغييره. أدعوك أن تنظر.. ألا ترى القتامة زالت قليلاً من المشهد؟!

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. فهناك المنتفعون الذين كانوا يأكلون على مائدة هذا الواقع، ويجعلون منه سلعة يتاجرون به، أمسك الصورة جيداً وداعبها بأنفك، لقد زالت رائحة الزيت وانزاحت بقع الفول من فوق الصورة؟!

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. فبعض عناصر المشهد تبدو باهتة مهزوزة، بعكس ما كانت تظهر في كل مرة.

المشهد لا يتكرر بحذافيره.. أمسك الصورة ودقق النظر.. لعلك تكتشف أنها صورة مختلفة تماماً عن سابقتها.

بالتأكيد هناك كثير من السلبيات أيضاً تطرأ على المشهد مثلما تطرأ عليه إيجابيات، لكن في النهاية محال أن يكون مشهد في هذا الواقع مكرراً، نعم.. قد يبدو مكرراً في صورته الكبرى ونتائجه النهائية، لكن إذا تكثفت العناصر الجديدة فيه، وتطور أداؤها مع كل تكرار للمشهد، وزاد حجمها كماً ونوعاً؛ حتماً ستأتي لحظة التحول ومنع التكرار المتوهم. عندما نرى التكرار في نتائج المشهد فهذا لا يعني اليأس من التغيير، كل ما يعنيه أن العناصر الجديدة فيه تتطلب مزيداً من التكثيف.

تكرار المشهد يمكن الحديث عنه إن كنا نعني تثبيت عنصر فيه وتوجيه الحديث له، كأن يكون المقصود فرداً محدداً أو مجموعة بعينها أو حزباً أو حكومة.. الخ، هؤلاء نقول لهم كفى مساهمة في التكرار، ندب وبكاء مع كل أزمة، ثم نشاط لحظي، ثم خمول وعودة إلى محطة السكون.

أما عندما ننظر للمشهد الكلي فإننا سنجده مفعماً في جزئياته بالتغيير، وبالمحاولات والمبادرات، على تفاوت مستواها، عندها نقول أن المشهد لا يتكرر، ولكن نتائجه النهائية هي التي تتكرر. كالكيميائي في معمله، تبدو نتائج تجاربه الفاشلة مكررة، لكنه في كل مرة يضيف للتجربة عنصراً جديداً يأمل فاعليته، ويحذف عنصراً يتوقع أنه يعمل ضد النتيجة المرجوة، هو يرى المشهد متغير في كل مرة، وإن كانت النتيجة مكررة.

إن قدرة المجتمعات على الحذف والإضافة هي التي تمكنها من تغيير المشهد ومنع التكرار المؤسف للأحداث، وبقدر ما تكون جريئة على الإضافة يجب أن تكون جريئة على الحذف، والتخلص من كل عنصر من عناصر تجربتها يعطل إتمام التجربة بنجاح. هذا العنصر قد يكون فكرة مهيمنة أو وسيلة طاغية أو فرداً أو مجموعة أو مؤسسة ظهر فسادها أو أفل نجمها.

وإضافة وحذف عناصر للمشهد قد تعقبه نتيجة مفاجئة، فليس بالضرورة أن النتائج تتأخر، فعملية زراعة العناصر هي التي تتطلب جهداً، أما نتيجة المشهد فهي محصلة التفاعل الطبيعي لتلك العناصر مجتمعة. مشهد الختام هو نتيجة، ما يجب أن ننظر إليه بتأمل هو مشهد غرس العناصر في المشهد!!

لا يمكن أن نعيش بلا مشهد.. يجب أن تمتليء الشاشة بأي مشهد، وسواء كان المشهد ثابتاً أو نعته البعض بالمكرر فهذا أمر طبيعي، وهو ما يجب ألا يلفت الأنظار بقدر ما يلفتها عملية بناء المشهد الجديد وهي تشب من طور الفكرة إلى الطفولة إلى الفتوة والحيوية.

“المشهد يتكرر”.. نقولها لكل من يكرر نفسه مع كل أزمة، و”المشهد يتطور ويتغير”.. نقولها عند النظر للمجتمع ككل والكيانات الحية فيه.

نصيحة مجرب.. إذا أردت أن ترى الواقع يتغير.. وأن تتغلب على أسى تكرار المشهد، فاجعل لنفسك مكاناً في المشهد.. حينها ستمسك الصورة سعيداً قائلاً: “لقد تغير الواقع”.. وكيف لا.. ألست تسعى لتغيير واقعك أنت؟! وها قد نجحت!!

المصدر: موقع أكاديمية التغيير

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*