أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / وجهٌ آخر للصراع بين “الفردوس المُستعار والفردوس المُستعاد”

وجهٌ آخر للصراع بين “الفردوس المُستعار والفردوس المُستعاد”

الكتاب: الفردوس المستعار والفردوس المستعاد
تأليف: أحمد خيري العمري
الناشر: دار الفكر المعاصر
الطبعة: الأولى 2006
عدد الصفحات: 592 صفحة
عرض: غادة صديق

“إنَّ معرفة المريض أنَّه مصاب بمرض السرطان بعد ظهور نتائج المعمل هو خبرٌ جيّد” هكذا يقول الطبيب الكاتب أحمد خيري العمري, مؤلف كتاب “الفردوس المستعار والفردوس المستعاد”, الذي قسمه إلى محاور ثلاثة؛ “وجه آخر للصراع”, و”ثوابت الأركان”, وينتهي إلى المحور الثالث باستشراف لضرورة وجود بديل للأفكار التقليدية السائدة التي انتهت مدة فعاليتها وصلاحيتها.

نعم هو خبرٌ جيّد لأنه سيستنفر طاقة الحياة داخل المريض ليواجه المرض بكل قوة, إما أن يموت – وسيكون ذلك خياره الوحيد إذا استسلم من البداية – أو يتجاوزه وينجو, وعندها سيصبح شخصًا آخر, أقوى, سيكتشف بداخله طاقات لم يعلم بوجودها, وهذا ما حدث معنا عند سقوط بغداد, التي عاصرها الكاتب بحكم كونه عراقي.

لقد كان سقوط بغداد في أيدي الأمريكان هو نتيجة المعمل بوجود سرطان ينهش في جسد أمتنا, ظللنا سنين طويلة ننكر وجوده و نزعم أن كل شيء على ما يرام, إلا إنْ واجهتنا الحقيقة التي لا مفر منها.

واكتشاف المرض الآن أفضل من إنكار وجوده إلى أن يقتلنا, لذا فأمامنا خياران؛ إما الاستسلام والموت, أو المواجهة. ولكي تواجه عليك أن تتسلح بدواء مضاد, ولا يتم اكتشاف أي دواء إلا بعد معرفة خصائص المرض.

إذًا فلمواجهة “سرطان الحضارة الأمريكية” يجب معرفة خصائصها لإنشاء الدواء الحضاري المضاد, بالضد تتميز الأشياء, وهذا هو لب الكتاب.

ثقافة الغازي

يبدأ الكتاب بالحديث عن “الحلم الأمريكي” الذي غزا العالم بمختلف ثقافاته وأديانه, حتى صار المقياس بل والصورة النمطيَّة “للتقدم”, ولو كان بإضافات إسلاميَّة!

الأمريكيون آمنوا بأنَّ بلادهم هي أفضل البلاد. حسنًا, لا مشكلة في أن يؤمن أي فرد في العالم أنَّ بلده وثقافته هي الأفضل, لكن الغريب أنْ يؤمن بقيَّة العالم من غير الأمريكان بهذا أيضًا حتى وإن لم يروها أو يعرفوا لغتها.

أصبحت أمريكا كالمعجزة التي أبهرت الناس حتى أعجزتهم عن الجدال والتشكيك فيها ودفعتهم للإيمان بها وبقيمها على أنها الأفضل.

صارت كما أسماها الكاتب “الدين الجديد”, لكنه دينٌ لا يصطدم أو ينكر الأديان الأخرى, بل يتصالح معها ظاهريًّا ثم يفرغها من قيمها ويستبدلها بقيمه, حتى تصبح مجرد شعائر ظاهريَّة مفرغة من معانيها. وهنا تكمن المشكلة, فهو يفعل ذلك بالتدريج دون أن نشعر, هو يحتل عقولنا قبل أن يحتل بلادنا.

عقولنا هي الساحة الرئيسية في الصراع. ليس معنى هذا ألا نقاتل, لكن حتى لو انسحب الأمريكان من أراضينا كليًّا, فما زالوا في عقولنا.

ربما سياسات أمريكا الخارجيَّة مكروهة عالميًّا لكن الحلم الأمريكي يعشِّش في عقول المليارات. علينا هزيمتها في عقولنا أولاً بإيجاد بديل, ثم ستصبح هزيمتها في الواقع تحصيل حاصل. تمامًا كما فعل الرسول – صلى الله عليه و سلم – مع أوثان مكة, حيث بقيت عشرين عامًا منذ بداية الدعوة, لكن الرسول حاربها في العقول أولاً, حارب قيم الأوثان والجاهليَّة بقيم الإسلام, وبعدها صار هدم الأوثان تحصيل حاصل.

وأوَّل ما سيتبادر للذهن بعد هذا الكلام: “ليس كل قيمهم سيئة, فلنأخذ ما يناسبنا ونترك ما لا يناسبنا!”, ربّما ظاهريا سيبدو هذا كلامًا منطقيًّا, لكن هذا يبدو تمامًا كجبل الجليد الذي لا نرى إلا قمّته الصغيرة الظاهرة؛ ظاهريًّا قد تتشابه بعض قيمنا لكن جذورها ودوافعها مختلفة تمامًا.

ولا يمكن أن نأخذ قيمهم أيضًا – ظنًّا أنَّها قيمنا التي تركناها فاستخدموها ونهضوا – لأنَّنا لو قبلنا أن نأخذ قيمهم, لا بد أن نأخذ جذورها أيضًا – شئنا أم أبينا – وأكبر دليل على هذا هو التضارب الذي نراه بين التديَّن الظاهري والقيم الأخرى الغربيَّة, “أولئك الذين يرحّبون بالوحش القادم لالتهامهم لأنهم يتصورون أحشاءه أكثر رحابة من العالم بـأسره”.

ربما أحلام الرفاهيَّة “الأمريكيَّة” هي السبب في تصفيق البعض للديمقراطيَّة والعولمة (حتى لو لم يقتنعوا أو يفهموا تلك المصطلحات), إنَّّما اهتمامهم نابع من ورائها (كما يظنون)!

نظنَّ أنَّ لدينا خيارات ثلاث فقط:

  1. الاستسلام تمامًا للحضارة الغربيَّة, وهو أمر أصبح الآن مرفوضًا من الغالبيَّة.
  2. التقوقع حول الذات والزهد انتظارًا للآخرة, وهو أمر أصبَحَ مرفوضًا من قِبَل الكثيرين لأنَّنا أصبحنا أكثر وعيًا أنَّه مفهوم خارج الإسلام.
  3. وهو تيار الوسطيَّة والاعتدال الآخذ في الانتشار حاليًا وهو – وإن كان ظاهريًّا منطقي – وإن كان دعاته يفعلونه بحسن نية, هو أسلمة القيم الوافدة من الخارج.

ما البديل؟

هل حقًا يوجد بديل آخر؟, هل نبحث عن مدينة مثاليَّة لن تتحقق؟ لا, إطلاقًًا, بل نحاول أن نستعيد فردوسنا الذي كان موجودًا بالفعل وتحقق, كان واقعيًّا لا مثاليًّا!, كيف؟

لنعد للوراء قليلاً. لا بل كثيرًا. إلى سيدنا آدم, وسيدنا إبراهيم, بين الهبوط والعودة؛ عندما نسمع عن”جنة سيدنا آدم”, يتبادر إلى ذهننا الصورة النمطيَّة بجنة تشبه جنة الآخرة, وهذا مفهوم خاطئ. بل كان نموذج للفردوس الأرضي المفقود.

ما الدليل علي هذا الكلام؟

في سورة طه: “إنَّ لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنَّك لا تظمأ فيها ولا تضحى”(طه: 119،120), إذًا ليست جنة كل ما تشتهيه تجده, فإنَّ ذلك في جنة الآخرة, أمَّا جنة الدنيا ففيها الحاجات الأساسيَّة مكفولة للجميع, تلك هي الأولويَّة في فردوسنا الأرضي الذي نبحث عنه, “الإنسان” لا المادة هو الأولويَّة لا مكان للجشع والترف المبالغ فيه بل توازن.

وعودة إلى سيدنا آدم, وبالتحديد إلى “الشجرة المحرَّمة”, فما سر تحريم تلك الشجرة؟ هل كان بها ما يميزها أم كانت مثل باقي الشجر؟ ما الغرض من التحريم؟ الغرض هو فكرة “الكابح”, تمامًا كما في السيارة, مهما كانت فارهة, فلا قيمة لها بدون كوابح جيّدة, وإلا.. فالنتيجة معروفة.

نفس الفكرة للمجتمعات والحضارات, فكرة أن يوجد ضوابط وحدود لحماية المجتمع. إذًا كيف أغوى إبليس سيدنا آدم؟ “قال ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين”, لقد استخدم الشعارات البرَّاقة, نزعة التملك والخلود. لن يحاسبكما الله لأنكما لن تضرَّا أحد.

ألا يذكرنا هذا بشعارات هذا القرن؟ الاستهلاك والتملّك بسبب وبلا سبب الذي نسمع عنه صباح مساء في الإعلانات. فـ”أنتم لن تضرّوا أحدًا, إذًا لا بأس”. وهذا ظاهريًّا فقط وما خفي كان أعظم.

“فدلاهما بغرورٍ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين”, ما معنى “بدت لهما سوءاتهما”؟ هل معناها يقتصر على المعنى الظاهريّ فقط؟ لا, هناك معنى آخر ضمني. لقد خُلقنا من روحٍ ومادة. لذا لنا مميزات وعيوب. بنا خير وشر. ويجب على جوانب الشر أن تظلّ مغطاة. هناك حتميَّة أن تظل عوراتنا الإنسانيَّة مغطاة, لا أن تظهر خوفًا من الكبت كما يدعي الكثيرون, لأن النتيجة لظهورها “اهبطوا بعضكم لبعض عدو”, هل هناك دليل أقوى مما يحدث الآن أنَّنا أصبحنا أعداء لبعضنا بعضًا!. إذًا قصة سيدنا آدم ليست قصة في الماضي, بل قصة متكررة, وربما قصة كل منا.

إمام العودة

ربما كان لنشأة سيدنا إبراهيم عامل كبير في أن يتبوأ ذلك المكان. لقد نشأ في الحضارة الآشورية وتنقل بين أعظم حضارات زمانه “المصريَّة, حضارات الشام”. كان يبحث عن الفردوس المفقود, لقد ظنَّ أنَّ هذا الفردوس هو فردوس الزرع والثمار – حيث كان أساس الحضارات وقتها الأنهار والزراعة – لكن بعد تجربته المريرة وجد أنَّ المادة وحدها لا تكفي, ففي بلاده أرادوا أن يحرقوه, وفي مصر أراد ملكها أن يغتصب زوجته, وفي الشام حيث قوم لوط وجد الشذوذ وقد أصبح طبيعيًّا.

إذًا ربما هناك مادة, لكن “الإنسان” في الحضيض. إذًا لابد من وضع بذرة جديدة لحضارة مختلفة للفردوس المفقود, ولكن أين؟, في وادٍ غيرَ ذي زرع؟, ومع من؟ مع هاجر وإسماعيل؟, ما دلالة كل ذلك؟ حسنًا لنبدأ بأمنا هاجر وسيدنا إسماعيل.

لم هي بالذات؟

أمّنا سارة هي من أصلٍ كريم النسب, أمَّا هاجر فكانت جارية, ذلك أوّل أساس في الفردوس الجديد, لا تمايز بالأنساب أو الألوان, البشر كلهم متساوون, لأنَّ الأولويَّة في هذا الفردوس “الإنسان”.

لنتعمَّق في الآية “ربنا إنّي أسكنت من ذريّتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم”, لننظر إلى كلمة “أسكنت”, مشتقة من السكن, كيف يمكن أن يوجد السكن المنشود في وادٍ غير ذي زرع؟

أمرٌ آخر “ليقيموا الصلاة”, لم يقل ليصلوا, بل ليقيموا الصلاة, فلم إقامة الصلاة في واد غير ذي زرع؟, ألا يمكن أن تتم في مكانٍ قريب حيث الزرع والطعام؟ وتعني إقامة الصلاة إقامة القيم المستمدة من ركن الصلاة في الفردوس المنشود على الأرض, قبل أن تصعد للسماء. ولذا كان يجب أن تبدأ في الصحراء, حتى تكون القيم مجرّدة, واضحة تمامًا, بلا أي تفاصيل تلهينا عن الأولويات.

بالطبع عند إقامة البناء التفاصيل مهمة, وهي متغيّرة بحسب الزمان والمكان, لكن المشكلة أنَّها تتراكم حتى تحجب القيم المجردة, وتصبح التفاصيل المتغيرة هي الحقيقة المطلقة والأولويَّة بالنسبة لنا.

لنكمل الآية “عند بيتك المحرم”, تلك القبلة التي نتوجه لها كل يوم خمس مرات دون أن ندري السبب حتى أصبحت شكليَّات!, وهي لتذكيرنا بتلك القيم, قيم الفردوس المنشود. لتذكيرنا بوجهتنا دائمًا في ظل المتغيرات.

وتكون النهاية “فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم”, تلك هي النتيجة بدلاً من “اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدو”. الملايين الذين يأتون من أقاصي الأرض كلّ عامٍ للحج, لا يجمعهم لون أو عرق أو دم. بل الفكرة.

نأتي لآية أخرى “وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم”, “يرفع القواعد”, أي أنها موجودة في فطرة كل منّا, ولم تشر الآية إلى أنَّ البناء انتهى, لقد أشارت إلى بدايته لكن لم تشر للنهاية, وهذا يعني أنَّ كل منا يمكن أن يشارك في هذا البناء. وسيأتي الرسول – صلى الله عليه وسلم – ليحوّل هذه الفكرة إلى واقعٍ ملموس حقيقي يمكن تنفيذه مرة أخرى. نعم هذا صعب و لكن ليس مستحيلاً.

ولكن حتى الآن ما زال البديل غامضًا. وبالطبع لن يتركنا الكاتب على هذا الحال, ففي الجزء الثاني من كتابه تحدَّث عن تلك الخطوط العريضة “خمسة مقابل خمسة”, وهو ما نناقشه في الموضوع القادم إن شاء الله.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

3 تعليقات

  1. جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع الرائع وارجو تكملته في المرة القادمة مع التركيز في نهاية الموضوع على كيف يتم بعث جديد بعث من الشباب المؤمن بفكرته والمؤمن بحريته والمؤمن بقدرته على التغيير مهما كانت الأسباب

  2. الكتاب شريته قبل فترة وما قريته
    بإذن الله يجيه الدور وأقراه قريب..

  1. تعقيبات: ذات » النجاح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*