أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / دكتاتوريَّة الشعوب ودكتاتوريَّة القلوب

دكتاتوريَّة الشعوب ودكتاتوريَّة القلوب

عبد الرحمان زغبي

الحمد لله أنْ جعلنا نشهد هذه الهبَّة في الوطن العربي، هبَّة كسرت جدران الصمت وهزَّت عروش الظلم. من قصورِ الفراعنة ما انهار ومنها ما ينتظر بعد أنْ تشقَّق.

كثير من الناس قالوا أنَّهم لم يتوقعوا أن تتغيَّر أحوال الأمة في ظرف شهرين، حتى أنَّ بعضهم جعل التظاهر غاية لذاتها فراح يكيل الشتائم لبعض علماء الأمة عندما حذَّروا من الفتن. بعضهم اجتهد ولعله أخطأ فله أجره، وربما أصابوا إنْ كان ما ينتج عن الثورة أسوأ من الحال قبلها، والوقت وحده هو الكفيل بالفصل.

نظرتُ إلى حال من تحدَّث عن الثورات من الخواص والعوام، فقلتُ لو أنَّنا نواجه دكتاتوريات أهوائنا بنفس ما نواجه به دكتاتوريات حكامنا لكان ذلك حقًّّا سبيل نهضتنا. وبعضنا قد جعل من أهوائه دكتاتوريَّات حقًا، ووجه المقارنة ما يلي:

1- تغيير القانون والنص: لعل أهمّ ميزة للدكتاتور في زماننا أنّه يغير الدستور كلما رأى أنَّه لا يسمح له بفعل ما يريد. فلو قال الدستور أنَّه يجوز الترشح للرئاسة مرتين على الأكثر، غيّر الدكتاتور النص ليسمح له بالرئاسة مجددًا. وهذا حال من لا يعجبه كلام الله أو كلام رسوله، فيدفعه هواه لليّ النص، إذ لا يمكن تغييره، فيفهم النص بحسب هواه فيسيء ويفسد. قال تعالي: “وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ”( المؤمنون: 71).

2- مما يميز الحكم الدكتاتوري عدم وضوح القانون، أو بالأحرى محاولة الدكتاتور جعله غير واضح حتى يلتبس على الناس فلا يعرفون واجباتهم من حقوقهم، وانظر لحال قوانين الدول الدكتاتورية والعادلة في العالم وانتشار قوانينها ووضوحها. وهذا حال من قاده هواه لترك محكم الكتاب والسنة، فتراه يبحث في المتشابه والضعيف من الحديث لعله يبرر فعله., قال تعالى: ” أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ” (محمد: 14).

3- استعمال الإعلام لتزيين العمل، فلا يمكن أن نتخيل دكتاتورا بغير إعلام رسمي مضلل، وانظر إنْ شئت لحال القذافي في أيامنا. وهذا حال الكثير ممن تزين له نفسه سوء عمله، فيراه حسنا، وحتى إن علم في قرارة نفسه أنَّ العمل سيئ إلا أنَّ الهوى والنفس الأمارة بالسوء تحاول أن تهون منه, وهو ما بينته الآية السابقة أيضًا.

4- المشابهة, فمن نفس الآية أيضا نقرأ قوله “اتبعوا”، ولم يقل تبعوا، والفرق أنَّ الأولى تعني المشابهة الدقيقة في التفاصيل، وقد رأينا كيف أنَّ بعض حاشيات الدكتاتوريين تتبعهم فيتكلمون بكلامهم، يفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم، وهو نفسه حال الذي انقاد وراء هواه الأعمى.

هناك عدة معان أخرى يمكن استقصاؤها، لكن أعجبني كلام جميل للإمام الماوردي الشافعي رحمه الله في تقييد الهوى وهو ذو صلة بموضوعنا، فيقول أنَّ الله جعل العقل للهوى قيدًا، فأحوال الناس بين من غلب هواهُ عقلَه، وبين من قيد عقلُه هواه. وذكر حالين: الأول أن يقوى سلطان الهوى فيضعف وازع العقل والفطرة، فيطغى الهوى، وأقول هذا مثال الدكتاتور المتفرد بالسلطة، طغى رأيه على رأي القانون ومؤسسات الدولة فتجبر، والثاني، على قوله، قلبٌ طغى فيه العقل على الهوى، لكن الهوى يسعى للالتفاف على العقل ليبلغ مناه، وأقول هذا حال بعض الدول الغربية التي رغم سواد القانون والعدل في الغالب، إلا أنها تحتل وتظلم دولا أخرى ليس ضد القانون وإنما بالالتفاف عليه.

فالله نسأل أن يعيننا على دكتاتورياتنا ودكتاتوريات قلوبنا.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. •●ღḞατṃά ™

    شكرا لمقالك الرائع أستاذي الفاضل
    أعجبني بحق
    أؤمن أننا دكتاتوريي أنفسنا قبل أن يصبح أحد دكتاتوري علينا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*