أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / البرامج والمشروعات / جاسر عودة: الإسلام لا يعرف المقابلة الفاصلة المحسومة بين الديني والمدني

جاسر عودة: الإسلام لا يعرف المقابلة الفاصلة المحسومة بين الديني والمدني

يقظة فكر

يرى عضو اللجنة العلميَّة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بلندن الدكتور جاسر عودة أنَّ “ما حدث في ثورة 25 يناير هو قانون إلهي كما هو قانون طبيعي, وأنَّ الديكتاتوريَّة لم تتعلَّق بالنِّظام البائد فقط, فهناك أنظمة أخرى ما زالت مستمرة, كالأنظمة الأسريَّة والفرديَّة والمجتمعيَّة, فكل ما نُريد أنْ نتخلّص منه في بلدنا يجب أنْ نتخلّص منه نحن الأفراد”, جاء ذلك في محاضرة أُلقيت أمس السبت, نظَّمتها مؤسسة “يقظة فكر” بالتعاون مع المركز الثقافي باتحاد الأطباء العرب, بنقابة الأطباء بالقاهرة.

وكان الدكتور جاسر, الذي شغل منصب مُدير مركز مقاصد الشريعة بالمملكة المُـتّحدة لسنوات, قد تناول خلال محاضرته مقاصد الشريعة وبيَّن أنَّها توفر أرضية خصبة لبناء توافق على أسس مدنية, وأوصي بأولوية استكمال تطهير الجسد المصري في إطار الشريعة, وشرح معنى أولوية المدني على الديني, وأولوية مشروع المواطنة على مشروع الأسلمة, وبين أن الأولوية لحوار مع الحالة العلمانية مقارنة بالحوار مع التيار السلفي, وذكر أن هناك أولوية لإقرار مبدأ سيادة القانون على ما عداها من الإصلاحات القانونية.

درَّس الدكتور جاسر عودة مقاصد الشريعة وله فيها مؤلفات, ويعمل حاليًا أستاذًا لمقاصد الشريعة والسياسة العامة بكلية الدراسات الإسلامية بقطر, ويَعتَبِر  د. عودة أنَّ الكليات تهدف إليها الشريعة باعتبارها المدخل الأكثر لياقة لبناء حالة حوار تفضي إلى توافق، وهو التوافق الذي اعتبره د. جاسر “فائق الأهمية” لمصر في تلك اللحظة الحاسمة من تاريخها. وقد استخلص د. جاسر من قضية الكليات وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الشهداء حمزة، ورجل قام في وجه سلطان جائر؛ فأمره ونهاه فقتله” أن شهداء ثورة يناير تطابق شهادتهم التعريف الشرعي بكامل إحاطته, وشرح ذلك بأنَّ هذا القتيل قد استشهد لأنَّه وقف يطالب بالعدل عند سلطان جائر، فالعدل هو أحد الكليات الأساسية التي توختها الشريعة، وسعت لإقرارها في المجتمع الإنساني, فتوخي الشهيد للعدل جعله في واحد من أفضل مراتب الشهداء. وأكَّد د. عودة على أن نظريَّة مقاصد الشريعة لديها فقها للأولويات، تُرجّح فيه احتياجات الأمة على احتياجات الفرد، والضروريات على الحاجيَّات, والحاجيَّات على التحسينات أو الكماليَّات.

أولويات فقه المقاصد

في البداية أثار الدكتور جاسر سؤال: “لماذا نرتب فقها للأولويات لاحتواء جهود المصريين في هذه اللحظة؟”، وأجاب أنَّ خريطة المسالك التي تفرض نفسها على المصري العامل في المجال العام لا حصر لها، وكل واحدٍ منها يحتاج جهودًا كبيرة لتكريس شعور صانع القرار به، وهو ما يثير التساؤل حول قدرة المصريين على إدارة الموارد المتاحة لهم من الوقت والجهد والانتباه، وهو ما يدعو بدوره إلى ترشيد هذه الموارد، وهو ما يثبت الحاجة لفقه كلي يتوجه للأمة بقائمة محددة من الأولويات تكون هي محور تركيز هذا الجهد.

ووضع د. جاسر عودة “أولويَّة استكمال التطهير” على رأس الأولويات، وهي الأولويَّة التي عرَّفها بأنَّها “ما يتمثل في استكمال تطهير المجتمع من الجراثيم المرتبطة بالمرحلة البائدة، والتي أدت إلى إنهاك كل من المجتمع والدولة، مفضية إلى الوضع الراهن”. وتأتي حوادث الفساد والمظالم التي حدثت في إطار النظام القديم على رأس هذه الجراثيم, وفرق بين ما يُمكن تنفيذه على وجه العجلة لكونه لا يحتاج وقتا طويلا لتنفيذه، والذي تمثل في رد المظالم كالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وملاحقة الفساد الذي استشرى في بنية النظام البائد، ورأى أنّ كلا المطلبين يمكن التصدي لهم عاجلاً مقارنة بمطالب ضمن نفس الأولوية ينبغي التخطيط لإنجازها على المدى المتوسط والبعيد.

بين الديني والمدني

أفرد دكتور جاسر عودة لهذه الأولوية مساحة واسعة في كلامه, ربما لكونها من القضايا الجدلية بين المتدينين وغيرهم في المجتمع المصري, ويرى أنَّ كثيرًا من الأطروحات الثقافيَّة والسياسيَّة في مصر قبل الثورة كانت تضع “الديني” في مواجهة “المدني”، وهو وضعٌ – برأيه – غير صحيح، حيث يرى أنَّه ليس كل وضع ديني يناقض المدني، بل إنَّ الإسلام كدين لا يعرف هذه المقابلة الفاصلة المحسومة بين الديني والمدني، ويرى أن بعض المساحات في بعض الأطروحات الدينية تنشئ هذا التعارض مع الوضع المدني، لكنها مساحة بالغة المحدودية لا ترقى لمستوى التعميم على الدين,. ويوضح د. عودة قوله بأنَّه في الدين الإسلامي هناك ما هو ديني خالص, كما هو في العبادات, وهناك ما هو ديني يساعد في المدني.

ويرى د. عودة أن المدني ينبغي أن يحظى بأولوية المصريين في طرحهم نحو مصر “الجديدة”، سواء أكان مصدر هذا المدني ديني أو علماني. ويُرجّح رؤيته لهذه الأولوية تأسيسا على ضرورة تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الفرد, لذا فإنه يطالب بضرورة بناء توافق على مشروع النهضة المدنية، والنأي بهذا المشروع عن خلافات السياسة وتقلباتها، سعيًا نحو مجتمع محصن ذي مناعة في مواجهة أمراض ما قبل 25 يناير، ضامن لبقائه معافى وبعيدا عن الاستجابة لمحاولة أخرى للتسلط عليه.

المواطنة والأسلمة

جاءت بعد ذلك ضمن خارطة الأولويات التي حددها الدكتور جاسر عودة “أولوية المواطنة على الأسلمة”, واعتبر أن الأسلمة “مشروع لعرض الإسلام وقيمه وشرعه على المجتمع، حتى يقرر طواعية قبول هذا المشروع أو رفضه”, ويرى أنَّ الأساس في مشروع الأسلمة “أنْ يكون المجتمع المعروض عليه المشروع وطن صحيح غير معتل الإرادة, غير فاقد القدرة على تقدير قيمة البدائل وصحتها وحسن مآلها, لذلك فقد وضع د.عودة استرداد المجتمع لعافيته في رتبة تفوق في أولويتها رتبة عرض مشروع الأسلمة عليه, فواسترداد المجتمع لعافيته هو ما يسميه د. عودة بـ”مشروع المواطنة”.

ويضرب د. عودة مثلاً بما شهدته الساحة الفلسطينية قبل عدة أشهر من طرح حركة المقاومة الإسلامية “حماس” لقضية مشابهة لهذه القضية، تتمثل في التساؤل: “أيهما له الأولوية: التحرر أم الأسلمة”، وذكر أنَّ الخيار الذي حاز القبول هو خيار أولوية تحرير إرادة الشعب من الاحتلال.

العلماني والإسلامي

وجاءت الأولوية التالية التي تمثل “أولوية الحوار مع العلماني على الحوار مع الإسلامي”، فيرى د. جاسر عودة أنَّ “الحوار مع السلفي لا يقدم إثراءً حقيقيًّا للخطاب الإسلامي، بل يغلب عليه تعديلات شكلية في خطاب الطرفين، ولا تسهم في تحريك الموقف بصورة تخدم المجتمع الأكبر بصورة قويَّة”, أمَّا الحوار مع الجانب العلماني فهو يؤدي – حسب رأيه – للتفكير في نقاط تلاقي اجتماعية ومدنية تثري الفكر الإسلامي، وتزيد مساحة التوافق حول مشروعات مدنية تصب بقوة في صالح مشروع الثورة. كما أنه يوسع دائرة التقارب ويزيد من الرقعة المشتركة بين فرقاء الوطن.

وجاءت الأولوية الأخيرة ضمن ما استعرضه الدكتور جاسر عودة من أولويات المرحلة القادمة من الثورة “أولوية سيادة القانون على ما عداها من إصلاحات قانونيَّة”, وذكر أنَّ هذه الأولوية تُعيد وصل مصر بأصل العدل باعتباره مقصدًا كليًّا ساميًا من مقاصد الشريعة. ويُبرر إدراجه هذا الموضوع في سلم أولويات المرحلة القادمة بأنَّ “القانون في المرحلة البائدة كان مُغيَّبًا عن التطبيق، فتسبب ذلك في إفساد الحياة العامة والخاصة قبل الثورة، فلا أولويَّة لأيَّ طرح قانوني قبل إقرار هذا المبدأ الهام من مبادئ إقامة الحياة في المرحلة القادمة على أسس سليمة.

يذكر أنَّ هذه المحاضرة هي واحدة من المحاضرات التي تعدها مؤسسة يقظة فكر بالتعاون مع المركز الثقافي باتحاد الأطباء العرب, وقد أقيم على هامشها معرضًا لبيع إصدار يقظة فكر الأوّل, كتاب “مهارات لصناعة العقول”, الذي ألفه كاتب الموقع الدكتور حسن يوسف الشريف, والذي تناول فيه مجموعة من القضايا الهامة, حيث يطوف بنا حول عدد من المعاني الضرورية والتدريبات الشيقة لتحرير العقول وصقلها بالمهارات اللازمة لإيقاظها وبعثها الفكري لتقوم بالدور المناط بها تحقيقه من إدراك الحقائق, إدراكًا يعيد للإنسان توازنه النفسي ويدفعه للمشاركة الفاعلة في صناعة الأحداث.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*