أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / الإسلاميون وأساليب نقد الحضارة الغربية

الإسلاميون وأساليب نقد الحضارة الغربية

أنس علاء

اتَّبع المفكرون الإسلاميون في نقد الحضارة الغربية أساليب عدّة نذكر منها هنا أساليب ثلاثة, وهي:

  • الأسلوب الأوَّل يُمثله الدكتور عبد الوهاب المسيري متمثلاُ في نقد الحضارة الغربيَّة من داخلها, بعيدًا عن النصوص الإسلاميَّة أو الرؤيَة الدينيَّة عمومًا, حيث إنَّها لا تقع ضمن نقاط الاتفاق وبالتالي لا يمكن بناء الأساس النقدي عليها, اللهم إلا تنويهات بسيطة داخل سياق الحديث, وقد أبدع المسيري فيه باقتدار, وأثبت عبقريته, حيث إنه أثبت ما ستؤول إليه العلمانيَّة الغربيَّة بمنطق عقلي بحت – مرجعيتهم الأولى والأخيرة – وبيّن عتمة النهاية وسودادوية الخاتمة, بل الأدهى من ذلك أنَّه أثبت تضارب بعض نظرياتهم من داخلها, فما أثبته – الفيلسوف العلماني – في البداية ينكره في النهاية, وما أقرَّه في النهاية كان قد نقضه في البداية!, يظهر ذلك جليًّا في كتاباته خاصة (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة – النظرية).
  • الاتجاه الثاني مثّله على عزّت بيجوفيتش وهو طرح ظواهر كونيَّة أو نفسيَّة تعجز النظريَّات الغربيَّة عن تفسيرها اعتمادًا على المرجعيَّة التي تتبنَّاها تلك النظريَّات الغربيَّة، كعجز نظرية داروين في التطوّر عن تفسير الجانب النفسي الروحي للإنسان حيث إنه – الجانب الروحي النفسي – لم يتطوّر من الحيوان بل (خُلِق) ابتداءً في الإنسان، يتضّح ذلك في أشهر كتبه (الإسلام بين الشرق والغرب).
  • الأسلوب الثالث هو بيان سذاجة الفلسفة الغربية التي تدعو للضحك والسخرية في أغلب الأحيان والحزن على ما آلوا إيه, وعدم الخوض كثيرًا فيها حيث أنهم أعملوا عقلهم في غير محل الإعمال,  ثم التعمّق في المنهج الإسلامي والحديث عنه باستفاضة مع بيان أنَّ كثيرًا من القيم الغربية الحسنة مستمدة من الإسلام حينما مُكّن له في الأرض, حيث كانت أورويا والمجتمع الغربي لا يزال يتخبط في تيه الظلمات, وهو ما أبدع فيه الشهيد سيد قطب.

هناك علاقة عاطفيَّة تربطني بالشهيد سيد قطب, ليس تعاطفًا معه لأنَّه ظُلِم حتى شُنِق – كما يتعاطف معه الكثيرين وإن كانوا ذوي ميول غير إسلامية أساسًا -, وليس لتلك اللغة الأدبيَّة الرائعة التي يكتب بها – والتي أعجبت الكثيرين وإن كانوا من كارهي فكرته ابتداء -. إنها علاقة حب لا أجد لها مبررًا غير أني أحبه في الله. أحب صورته.. أحب كلامه.. أقرأ له من آن إلى آن فأشعر بسعادة ووضوح للمسار. سيد قطب, رغم جسده النحيل إلا أنَّه يحمل قلبا عجيبًا. يميزه أنه جمع بين الفكر والأدب فعبّر عن أعقد القضايا كالحاكميَّة والجهاد بأسلوب أدبي قوي أكثر من رائع.

عند القراءة للشهيد سيد قطب ينبغي أن تنتبه لنقطة, فإذا كنت ممن يحبون أن يستفتح الكاتب كلامه بقوله “هذا رأيي الشخصي وهو ما توصلت إليه حتى الآن, وربما يتبين لي غيره, وربما تجدني أنقض ما قلت إذا تبيّن لي ما هو أحق منه” فسيد قطب ليس من ذلك الصنف.. سيد قطب واضح كالشمس, حاد كالسيف في معظم قضاياه إن لم يكن جميعها على الإطلاق, لا تنازل, لا انهزام, لا تقهقر. هذا هو المنهج وهذا هو الطريق وهذا هو الدين وهذه هي المعالم. من قَبِله فمرحبًا به ومن لم يقبله فأنا أخالفه الرأي. ناهيك عن لغته الأدبيَّة القويَّة الشديدة. فإذا كان المسيري قضى أغلب الوقت في إثبات سوء الماديَّة الغربيَّة ولم يوضّح لنا تمامًا ما نفعله أو نتبعه فإنَّ سيد قطب فعل العكس تمامًا لم يرهق نفسه في نقد الحضارة والفلسفة الغربيَّة بل تجاوزها سريعًا بعد ذكرٍ سريع للمساوئ ثم وصفهما بالسخف وتوجه مباشرة للمنهج الإسلامي. سيد قطب يمكنك أن تصفه فتقول “قُضِيَ الأمْر”.

“الحكم على الشيء فرع عن تصوّره” قاعدة هامة عامة يجب اتباعها عند الحكم على فكرة أو شخص, بل هي أصعب وأعقد عند الحكم على شخص, فهي تتطلب الإلمام ليس فقط بمعظم ما كتب بل بتجاربه الشخصية في الحياة سواء اعتناقه لأفكار سابقة تنازل عنها فيما بعد, أو تجارب قاسية في حياته (اعتقال, نفي…), كما تتطلب نبذة سريعة عن أقوال الناس حوله (قبول عام – رفض تام – قبول أو رفض من جهات بعينها معلومة الاتجاه….). فقبل الحكم على الدكتور مصطفى محمود يجب أن ندرك أنه كان ملحدًا ورأى الانغماس في الملذات حد التمرغ في الوحل.

وينبغي أن ندرك أن سيد قطب عاش في السجن فترات طويلة ورأى ما لم نره. وينبغي أن ندرك أن المسيري رأى نهاية الحضارة المادية بينما ظل البعض منبهرًا بثقافة الاستهلاك والإعلانات التلفزيونية والبهرج الكاذب. إذا أرهقنا عقولنا في التصوّر سنفسّر الكثير من الظواهر ونستطيع أن نفسّر حرقة وشدة لهجة فلان عند حديثه عن القضية الفلسطينية بعد أن نعلم (نتصوّر) أنّ جميع أسرته ماتت تحت الركام إثر قصف صاروخي إسرائيلي, بينما نفسّر برود فلان الآخر عند الحديث عن نفس القضية أنه لم ير ولم يسمع ولم يجرّب إذ أنه جالس في المكيّف صباح مساء. وبالطبع كلما زاد تصورك إحاطة زاد حكمك دقة.

فركن الإسلام الأول: “أنْ نشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله.. وشهادة أنْ لا إله إلا الله, معناها القريب: إفراد الله – سبحانه – بالألوهية, وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها.. وأولى خصائص الألوهية: حق الحاكمية المطلقة, الذي ينشأ عن حق التشريع للعباد, وحق وضع المناهج لحياتهم, وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة. فشهادة “أن لا إله إلا الله” لا تقوم ولا تتحقق إلا بالاعتراف بأن لله وحده حق وضع المنهج الذي تجري عليه الحياة البشرية, وإلا بمحاولة تحقيق ذلك المنهج في حياة البشر, دون سواه.. وكل من ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس, فقد ادعى حق الألوهية عليهم, بادعائه أكبر خصائص الألوهية, وكل من أقره منهم على هذا الادعاء فقد اتخذه إلها من دون الله, بالاعتراف له بأكبر خصائص الألوهية.. وشهادة أن محمدا رسول الله, معناها القريب: التصديق بأنَّ هذا المنهج الذي بلغه لنا من الله, هو حقًا منهج الله للحياة البشرية, وهو وحده المنهج الذي نحن ملزمون بتحقيقه في حياتنا وفي حياة البشر جميعًا”.

تلك الكلمات الموجزات المزلزلات المقتبسات من كتاب “هذا الدين” يمكننا القول بأنها حجر الزاوية لفكر الشهيد سيد قطب.

فكر الشهيد تجده ملخصًّا متبلورًا في كتابه (معالم في الطريق) وربما يكون هو آخر كتابته, لكني بعد قراءة كتابه (هذا الدين) وجدت فيه خلاصة أخرى تستحق الذكر, الكتاب يقع في مائة صفحة من العيار المتوسط أو ربما أقل. كلمات مزلزلات كالمدفعية الثقيلة تضرب العقول والقلوب.

ومما تعرض له قطب في كتابه, أنَّ الإسلام منهج للبشر, فهم المأمورون بالسعي والاجتهاد لتطبيقه في واقعهم. والذي يظن أنه طالما أنه منزل من عند الله فلابد وأن يعمل في حياتنا كمفعول السحر, أو بكبسة زر هو إنسان لم يدرك ولم يفهم طبيعة هذا الدين. فهو منهج للبشر مرتبط بمجهودهم البشري في حدود طاقتهم البشرية, وحتمية انتصار الدين ليس معناها حتمية انتصار كل من يؤمن بهذا الدين ويعتقد به بين جنباته ولكنها حتمية انتصار للدين ولمن يبذل وسعه لتحقيق هذا الدين في شخصه ومجتمعه بل في الكون كله.. ولا عيب في الهزيمة إن خالفت تلك النفوس بعض الأوامر فهذا لا يعيب المنهج ولا يحكم بنقصانه في شيء بل هو درس يجب أن نتعلّمه كما تعلمه الصحابة يوم أحد حينما خالفوا الأمر فتعلموا أن النصر والهزيمة مرتبطان بمدى تحققنا وتخلقنا بالمنهج لا بالمنهج نفسه لكنهم لم يتعلموه بالكلام والعتاب بل تعلموه بالدماء والآلام, فتلك الدروس لا تُنسى.

ثم يشرع في وصف لماذا نحن ملزمون بتطبيق هذ المنهج الرباني. فيقول بداية نحن ملزمون بتطبيق هذا المنهج حتى نحقق لأنفسنا صفة الإسلام الذي ندّعيه, وهو ما ذكرناه أعلاه. ونحن ملزمون كذلك بتحقيقه لأنه المنهج الوحيد الذي يحقق للإنسان إنسانيته, فالبشر كلهم أمام الله سواسية لأنهم يعبدون إلها واحدًا أما في مناهج البشر فهم يعبدون بعضهم بعضًا كما قال تعالى ” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسبح ابن مريم ” لم يسجدوا لهم ولكنهم اتبعوهم في تحريمهم الحلال وتحليلهم الحرام, فتلك عبادتهم إياهم, فأنت عبد لله وتلك كامل الحرية أمام البشر, ففي المناهج البشرية – الرومان مثلًا – نجد العبد والسيد والسخرة والإذلال, بل حلبات المصارعة التي ساوت بين البشر والأسود ومن ينتصر منهم فله حق البقاء! أما الإسلام فأنت لست عبدًا إلا لله ولا فضل لأحد عليك إلا بالتقوى والعجيب أن تلك التقوى لا يستطيع البشر قياسها وبالتالي فأنت لا تعلم من خير ممن؟ فليس لبشر على بشر فضل إلا أمام الله ” ولقد كرّمنا بني آدم “.. كل بني آدم! ونحن ملزمون بتطبيق هذا الدين لأن واضعه يدرك الغاية الكبرى من الكون على عكس البشر فهم محددوا التجربة حتى وإن اجتمعت الأجيال سيظل الجهل حليفهم, والعقل البشري قاصر عن إدراك الحكمة النهائية ” وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا”.

ونحن ملزمون بتطبيق هذا المنهج لأنه المنهج الوحيد الخالي من الأهواء والأغراض والمطامع الشخصية, فالله – سبحانه وتعالى – لن يحابي بشرًا على بشر أما المناهج البشرية فقلما ما تخلو من المطامع والأهواء الشخصية لأن البشر ضعاف النفوس فضلًا عن أن بعضهم نفوسهم خبيثة فيستخدمون سلطتهم التشريعية لخدمة شخصه أو أسرته أو قبيلته أو جنسه أو… إلخ ” إن الله لا يظلم مثقال ذرة “. ونحن ملزمون بتطبيق هذا المنهج لأن واضعه هو واضع نواميس الكون وبالتالي تجد انسياقًا روحيًا بينك وبين الكون من حولك على عكس المناهج الوضعية التي أشقت البشرية بعد أن خالفت سنن الكون فانسحقت النفوس وتمزقت, ورأينا الأمراض النفسية والقلق والاضطراب يهتك بنفوس المجتمعات الغربية مع قمة التقدم التكنولوجي المادي ومستوبات الدخل الخرافية لأن سنن الله غلابة, والدكتور عبد الوهاب المسيري هو خير من يظهر جوانب الضعف بل والدمار المتمثلة في المناهج الغربية من علمانية وغيرها ولكنه حين يقعل ذلك يفعله من منطلق ليس إسلامي بحت بل من منطلق الإنسان كمخلوق مُكرّم من قبل الخالق. لذلك كله نحن ملزمون بتطبيق هذا المنهج.

والإسلام اليوم أمامه فرصة عظيمة للسيادة بعد أن عجزت المناهج الغربية وباتت تتخبّط يمنة ويسرة تبدي صمودًا كاذبًا. فالإسلام يعضده رصيد الفطرة.. رصيده في نفوس البشر جميعًا – مسلمهم وكافرهم – فالضمير لا يموت.. قد يخبو ولكنه لا يموت وتلك من رحمة الله. وكما يعضده رصيد الفطرة يعضده كذلك أثره الذي تركه في نفوس البشر – مسلمهم وكافرهم – يوم أن ساد وحقق حضارة لم تتكرر. كذلك تعضده تلك الإشراقة اللامعة يوم أن ساد فكان المسلمون هم النواة الأولى للعلوم التي اعتبرتها الكنيسة في الماضي إلحادًا وهرطقة وتم القتل والتعذيب وظهر المستنيرين الذين كرسوا علمهم للانتقام من الكنيسة. وكما يعضده رصيد الفطرة ورصيد التجربة يعضده كذلك رصيد القيمي الذي أرساه في المجتمع يوم أن ساد بعد أن كانت مستنكرة في الجاهلية كحقوق الإنسان ( موقف ابن القبطي مع ابن عمرو بن العاص ). ومن القيم الإنسانية واحدة فبعد عصبيات القبيلة والعشيرة والبيت جاء الإسلام ليجمع القبائل والشعوب متعارفين لا متناحرين ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا “. ومن القيم اجتماع البشر على رابطة العقيدة بعد أن كانوا يتجمعوا على رايطة الجنس والعرف واللون واللغة. فجمعهم على أسمى ما في الإنسان.. ما يعتقده ويؤمن به.

إن الإسلام اليوم أمامه فرصة عظيمة ربما تفوق فرصته يوم الجاهلية الأولى يعضده رصيد الفطرة ورصيد التجربة ورصيد القيم التي أقرها وظلت مستمرة بعد أن تزحزح الإسلام – أو تمت زحزحته – عن الصدارة وحلت محله المادية الغربية المهلكة.

ولكن حتى لا يغتر المسلمون, فإن كانت الجاهلية التي لاقاها الإسلام يوم أن نزل على محمد جاهلية هوى وعصبيات قبلية وسذاجة وجهل وفتوة، فإن الجاهلية التي يلقاها اليوم هي جاهلية علم وجدال ومراء وتعقيد واستهتار. ولكن رجاؤنا أن الفطرة التي أشقاها الضرب في التيه قد بدأ يبدو عليها التعب والحنين إلى الله من جديد.

“وكان حقًا علينا نصر المؤمنين”.. قضي الأمر

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. فالضمير لا يموت.. قد يخبو ولكنه لا يموت وتلك من رحمة الله….

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*