أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / خمسة مقابل خمسة.. محاولة لاكتشاف الفردوس

خمسة مقابل خمسة.. محاولة لاكتشاف الفردوس

الكتاب: الفردوس المستعار والفردوس المستعاد
تأليف: أحمد خيري العمري
الناشر: دار الفكر المعاصر
الطبعة: الأولى 2006
عدد الصفحات: 592 صفحة
عرض: غادة صديق

كما أسلفنا (من قبل) فلابد من اكتشاف خصائص المرض “الأمريكي” من أجل معرفة البديل, وبالضد تتمايز الأشياء, فإذا سألنا سؤال: “ما هي أركان البناء البديل لدينا؟”, ستكون الإجابة: الفروض الخمسة في الإسلام, وهو صحيح تمامًا, ولكن علينا أن نغوص قليلاً داخل هذه الأركان لنعرف القيم التي تحتويها وإلا صارت شكليَّات وصارت كأركان البناء المفرغة من الداخل لن تصمد أمام أي ريح (ربما هذا يفسر لنا لم رغم كثرة المصلين والمؤدين للفروض لم يتغير الحال كثيرا. العيب فينا لا في الأركان).

مجددًا سنعرف القيم عن طريق الآخر الضد, وذلك بالنظر في الوصايا العشر الأمريكية:

  1. you cannot argue with success لا تستطيع أن تجادل النجاح.
  2. live and let live عش ودع غيرك يعيش.
  3. time flies when you are having fun الوقت يطير عندما تفرح.
  4. shop till you drop تسوق حتى الموت.
  5. just do it فقط اعملها.
  6. no pain, no gain لا ربح بلا عناء.
  7. enough is enough ما يكفي يكفي (لا تطل الصبر علي حقوقك).
  8. time is money الوقت مال.
  9. rules are made to be broken وجدت القواعد لتخرق.
  10. God helps those who help themselves الله يساعد من يساعدون أنفسهم.

للوهلة الأولى سنجد أنَّ بعض هذه القيم جيّدة وتتناسب مع ديننا, ولكن كما قلنا سابقًا, ربما كان السطح متشابه لكن الجذور ستجعل المعاني مختلفة تمامًا “لاحظ أنَّ الله جاء في آخر الأولويات, وبعد قليل سنجد أن “الله” في أمريكا يُنظر له بشكلٍ مختلف عن نظرتنا له سبحانه وتعالى”.

أولاً: الماديَّة:

والماديَّة هي أول ركن في الحضارة الأمريكية, ولفهم هذا الركن, علينا أن نرجع إلى الوراء قليلاً, إلى وقت اكتشاف القارة الأمريكية, فحين بدأت الهجرات, كان الدافع الرئيسي لهذه الهجرات – رغم مخاطرها التي أودت بحياة الكثيرين – هي المادة. الحلم بالمال والكنوز والحياة الرغدة حتى أطلقوا عليها “جنة عدن على الأرض”!

ربما لو قارناها بالهجرة إلى المدينة لوجدنا اختلافًا جذريًّا, فقد كان الدافع لهجرة المدينة هو “فكرة”, ولم يكن المهاجرون واثقين إذا كان بالإمكان تحقيقها أم لا – الأغلب لا ولننظر وقتها إلى التعذيب والاضطهاد الذي كان على أشده في مكة – ورغم ذلك هاجروا!

وبالعودة إلى الماديَّة, فليس معناها أن تؤمن بالمادة, إنَّما معناها أن تؤمن بما يمكن أن تحسه بحواسك الخمس فقط, أي أنَّ أيّ شيء آخر لم تجده بحواسك الخمس هو باطل, بل غير موجود أصلاً!

أرأيتم تلك النظرة السطحية؟, ربما سيعترض أحدهم أنَّ الماديَّة موجودة منذ العصور القديمة, وهذا صحيح, “يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون”, ولن نتفاجأ إذا وجدنا أنَّ هذه الآية موجودة في سورة الروم, فقد كانت حضارة الروم ماديَّة وورثت الحضارة الأمريكية هذا الإرث.

إذا كانت الماديَّة موجودة منذ القدم, فما الذي يميزها في الحضارة الأمريكية؟, الماديَّة في الحضارات القديمة كانت دائمًا تصحب الحضارات في عصور انهيارها عندما يطغي الترف والجشع, وكان ينظر لها على أنها صفة مذمومة.

أما في الحضارة الأمريكية, فمنذ نشأتها, صارت ركنًا وعقيدة, وتفرع عنها مفهومان “النفعية والداروينية”.

  • “النفعية أو البرغماتية”: معناها: “كل تصرفات الإنسان مرتبطة بمتعته الشخصية”, والآن هل يشبه هذا مفهومنا “وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”؟, مطلقًا.

إنَّها لا تسأل “ما هو الصواب والخطأ”, أو”أين الحقيقة”, بل تسأل “ما الذي يفيد”, “هل الحقيقة تفيد”؟

إذا كان التدين سيجلب لك السعادة, لا بأس, وإذا كان الإلحاد سيريحك أكثر – حتى ولو مؤقتًا فالمهم هو النفع الآن –  فلا بأس!, إنَّها تبحث عن المنفعة الفرديَّة الآن, بغض النظر عما سيحدث على المدى الطويل من نتائج قد تكون مدمرة, هذا ليس من شأنها – المهم المنفعة الفرديَّة الآنيّة- عندنا الأمور بخواتيمها, وعندهم الأمور بنتائجها الآنية.

إذا طبقنا هذه النظرية – وللأسف تسربت لنا دون أن نشعر – سنجد أنَّ ما فعله سيدنا الحسين لم يكن له قيمة, ولا فائدة من مواجهة أمريكا, المهم أن يزيد دخلك الفردي الآن!

لا فائدة من مواجهة إسرائيل, لنلتفت إلى التنمية, أليس هذا ما سمعناه في حرب غزة؟

ربما سيدنا الحسين قتل لكن “لا” التي قالها في وجه الظلم وضحَّى من أجلها ظلت أصداؤها تتردد حتى الآن, إذا فقد نجح وانتصر سيدنا الحسين.

المقاييس مختلفة تمامًا حتى وإن تشابهت الأسماء.

  • أما الداروينية: فربما سمعنا عن داروين ونظريته “في عالم الحيوان البقاء للأصلح والأبقى وأما الضعيف فينقرض”, وربما صببنا جام غضبنا عليه, لكن الحقيقة أنَّه ليس الفاعل الحقيقي. لأن الفاعل الحقيقي الذي نقل هذه النظرية من عالم الحيوان لتطبق في عالم البشر هو “هربرت سبنسر” البريطاني.

“Survival of the fittest” يترجمها البعض على أنها “البقاء للأقوى” بينما الأصح “النجاة للأصلح”, فلا تساعد الفقير, إذا استطاع أن ينجو فهو يستحق, إذا لم يستطع, اسحقه, وتكون بذلك قدمت خدمة للبشرية.

تلك النظرية أراحت ضمير الكثيرين. لهذا ربما هم يقتلوننا بدم بارد. إنهم يؤدون خدمة للبشرية بتنقيتها ممن لا يصلح! وهذا هو معني God help those who help them selves أي أنَّ الله يساعد الأصلح الذي يساعد نفسه!, وأمام هذا الركن, فإن الركن المقابل عندنا هو”الشهادة والإيمان بالغيب”.

نعم نحن نؤمن بالمادة. لكننا نؤمن أنَّ هناك ما لا نستطيع رؤيته. نظرتنا أشمل. ما لا نراه ببصرنا, نراه ببصيرتنا. لهذا نستفزهم. لأننا نشاهد ما يعجزون عن رؤيته. وهذا لا يدفعنا للخمول, بل علي العكس, سيدفعنا للمزيد من البحث والتنقيب لأننا نعلم أنَّ هناك ما لا نراه. لدينا مفهوم “التوازن بين الروح والمادة” وهو مفهوم خاطئ, وكأن الروح في كفة والمادة في كفة, وظلا غير متوازنين إلى أن جاء الإسلام, الروح والمادة مركب واحد كجبل الجليد, قمة الجبل هي قمته التي يمكننا رؤيتها, أما الباقي فهو الروح والغيب الذي نؤمن بوجوده حتى لو لم نره.

نحن نشهد “أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله” نحن لم نر الله, وأجيالنا لم ترَ الرسول. لكننا نرى شواهد وجود الله, ودلائل وجود الرسول في التاريخ وأثره الباقي حتى الآن. نظرتنا اشمل.

ثانيًا: الفرديَّة:

هذا الفرد الأمريكي, الذي هاجر وترك وطنه إلي الوطن الجديد. لابد أنَّه كان مغامرًا يشعر بتميّزه الشديد كي ينطلق في هذه الرحلة. لا جذور له في وطنه القديم. لا انتماء لمجتمعه. لم يهاجر من أجل خير البشرية. بل من أجله هو فقط أو من أجل أسرته الصغيرة. عالمه يبدأ وينتهي عنده وعند حاجاته.

سوبر مان وباتمان و….., كلها أبطال تكرس أسطورة الفرد. الفرد فوق المجتمع. الفرد حر. الفرد هو المشرع – إذا لو صوّت الأغلبية على أمر, سيتم تنفيذه – بغضّ النظر أهو صحيح أم لا!, ذلك الإحساس سيولد الأنانية والنرجسية, أليست هذه النرجسية والإحساس بالتفوق هو ما تتسم به الحضارة الأمريكية. أمريكا هي الأفضل, فوق الجميع, مصالحها وخيرها فوق الجميع!

عبادة الذات, “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه”, الفرد هو معيار كل شيء, الأخلاق, المبادئ. هو من يحدد ما هو الصواب والخطأ. ذاته تحولت إلى وثن”IDOL”, أين سمعنا تلك الكلمة؟؟, آه, البرنامج الأمريكي الشهير “Ameican idol”. ذلك الهوس بالمشاهير. ما سببه؟ لأنَّ هؤلاء المشاهير”النجوم” يمثلون ما يطمح إليه كل فرد. سباق يتنافس فيه المتسابقون, كل حلقة يخسر متسابق ويجر أذيال الخيبة دون أن يهتم له أحد حتى يفوز الأفضل, ألا يشبه ذلك الداروينية؟ هل أصابتنا العدوى؟

لنفترض أنَّ أفراد المجتمع عبارة عن شبكة أنابيب متصلة. إذا طبقنا قوانين الفيزياء. فإنَّ مستوى الماء سيكون واحدًا في كل الأنابيب. وإذا صببنا ماء في أحد هذه الأنابيب, بالتأكيد ستتوزع علي بقية الأنابيب ليبقى مستوى الماء ثابتًا. عندهم, الماء الذي يصب في أنبوب لن يؤثر على باقي الأنابيب! بالتأكيد نظرة مغلوطة. أمَّا عندنا, ديننا ينظر للأمر بواقعية. ما يصيب الفرد سيصيب المجتمع. ألا يذكرنا هذا بحديث السفينة؟

الخمر محرم. لأنَّ الفرد يهرب من مشاكله بدلاً من مواجهتها. ما أسكر كثيره فقليله حرام. ما يضر المجتمع, حرام علي الفرد. لذا الزنا محرم أيضًا. عقوق الوالدين سيدمر المجتمع, فهو حرام على الفرد. هل معنى هذا أن يذوب الفرد في المجتمع؟

على العكس لقد جاء الإسلام ليركز على مبدأ الذات في مجتمع جاهلي لم يكن للفرد فيه قيمة في القبائل, الإنسان هو خليفة الله في الأرض, من سجدت له الملائكة, هو من سيحاسبه الله فردًا يوم القيامة, لأنَّ لديه القدرة علي الاختيار والتغيير, لكن تلك الذات منصة انطلاق للمجتمع, لخير ناس, لا للتقوقع على الذات. ربما لهذا السبب جاءت في الآيات الصفات السلبيَّة مقترنة بالإنسان في صيغة الفرد؛ ظلوم, جهول, كفار, “إنَّ الإنسان لفي خسر”, نعم في خسرٍ إذا طغت فرديته وأنانيته, إذا لم يتجاوز تلك العقبة, في سورة البلد “فلا اقتحم العقبة “, كيف؟, “أو مسكينا ذا متربة”. “فَكُّ رَقَبَةٍ”, “أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ”, “يَتِيماً ذَا مَقْرَبَة”.

هذه الأعمال موجهة للمجتمع, لتخرجه من فرديته. لذلك نجد الآية “إنَّ الإنسان لفي خسر” بعدها “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات”, هنا بصيغة الجمع, هنا انعتق الإنسان من فرديته.

جديرًا بالذكر أنَّ المجتمع الأمريكي به من يعترض على الفرديَّة والماديَّة, ويقيم المشاريع الخيرية الإنسانية علي مستوي العالم, لكننا نتحدث عن التيار الغالب السائد الذي يشكل أساس الحضارة الأمريكية.

الركن الثاني عندنا الذي يواجه الفرديَّة هو “الصلاة”..

وفي الصلاة تذوب الأنا في نحن وتذوب نحن في الأنا, في الفاتحة, ولا صلاة بلا فاتحة, “إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم”, حتى وإن كنت تصلي وحدك في الصحراء, فأنت تتكلم بصيغة الـ”نحن”, ثم في الركوع “سبحان ربي العظيم”, هنا صيغة الفرد, ثم “ربنا ولك الحمد”, الـ”نحن “مرة أخرى, ثم “الله أكبر”, الحقيقة المطلقة, ثم في التشهد حين يتداخل السلام على آل محمد وعلى آل إبراهيم, فردين صارا أمة, ثم التسليم الأخير, “السلام عليكم ورحمة الله”, أنت لست وحدك, وإن كنت وحيدًا في الصحراء, لأنهم ذابوا فيك. وأنت ذبت فيهم.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

2 تعليقان

  1. كتاب جييد\\\

  1. تعقيبات: ذات » النجاح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*