أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / من قوانين نهضة الأمم وبناء الحضارات.. الحرية

من قوانين نهضة الأمم وبناء الحضارات.. الحرية

د. أحمد سيد

من فضل الله على عباده أن جعل السنن ثوابت لا تتغير ولا تتبدَّل “ولن تجد لسنة الله تبديلا”, “ولن تجد لسنة الله تحويلا”, فلنهوض الأمم, ولازدهار الحضارات سنن, لا تحابي أحدا, من أخذ بها وصل, ومن أغفلها حار ولم يبرح مكانه, فالمعجزات نادرة..

لذا فإنه من الواجب على الإنسان أن يضع خططه ويرسم هدفه ويمضى ليحقق غايته، فلا مبرر لمتكاسل يدعى تقلب السنن, ولا لمجتهد أخطأ الوسيلة الواضحة الجلية وهو قادر على السؤال.

وهنا نحاول تصفح التاريخ, ننقب في أسراره.. ونبحث في دهاليزه لنخرج معالم قيام الأمم.. وازدهار الحضارات, فالتراث الإنساني مليء بالتجارب التي أبدعت فيها العقول وأخرجت كنوزا, بداية من الحضارة اليونانية, والحضارة الرومانية, مرورًا بالحضارة الإسلامية, انتهاء بالحضارة الغربية الحديثة.

وفي هذه السلسلة, نعتمد بشكل أساسي على كتاب “الحرية والطوفان” للدكتور حاكم المطيري, بالإضافة لمراجع مختلفة, ونتناول فيها:

  • ما هو قانون العصبية وما دوره في النهضة؟
  • ما هو قانون التحدي والاستجابة؟
  • ماذا قال مالك بن نبي وما هو القانون الذي استخرجه لبناء الأمم وقيام نهضتها؟
  • ما هو قانون تصارع الأفكار وتلاقحها؟
  • ما هو قانون تصارع الطبقات وكيف نستفيد منه في بناء النهضة؟
  • ما هي القوانين الأخرى التي تحكم حركة الاجتماع البشرى؟

القانون الأول: الحرية

أضافت الحضارة الإسلامية إنتاجًا مميزًا ومبهرًا أنتج قفزات للبشرية ساعدتها على اكتشاف أشياء لم تتخيل يومًا الوصول إليها, إلا أن الحضارة التي كانت أول كلماتها “اقرأ” وعنوانها “قل هاتوا برهانكم” انتهت إلى تجريم التفكير وتقزيم دور النظر والبحث بصورة بدت عصية على الفهم, فأعظم خطأين قضيا على المد الفكري والتنويري الذي كانت تقوم به الحضارة الإسلامية هما: تحول نظام الحكم من النظام الشورى إلى الملك العضود, فيما كان الخطأ الثاني هو القضاء على التفكير واستعمال العقل بالحرب الشعواء التي شنت على علوم التفكير, ومن أهمها الفلسفة.

الخطأ الأول ودوره في الخفوت الفكري للحضارة الإسلامية:

لقد كانت المبادئ الأساسية للحكم الراشد هي:

  1. ضرورة الدولة للدين، وأنه لا دين بلا دولة.
  2. ضرورة إقامة السلطة وأنه لا دولة بلا إمام.
  3. ضرورة عقد البيعة، فلا إمامة بلا عقد.
  4. وأنه لا عقد بيعة إلا برضا الأمة واختيارها.
  5. ولا رضا بلا شورى بين المسلمين في أمر الإمامة وشئون الأمة.
  6. وأنه لا شورى بلا حرية.
  7. وأن الطاعة المطلقة لله ورسوله وليست لأي بشر وأن الأمة لها حق المراقبة على الحكومات والحكام.
  8. ويجب على الحاكم والحكومة تحقيق مبدأي العدل والمساواة.
  9. ويجب على الحاكم والحكومة حماية الحقوق والحريات الإنسانية الفردية والجماعية وصيانتها.

وبعد أن كانت تلك المبادئ هي الحاكمة للمجتمع, تنشر فيه حرية الفكر والرأي والمعارضة السياسية؛ الفردية كالمعارضة الفردية في ظل حكم الخليفتين أبي بكر وعمر, أو المنظمة التي كانت في ظل حكم الخليفتين عثمان وعلى رضي الله عنهم جميعًا، ولقد كانت النماذج المشرفة لفعل الخلفاء وتصرفهم تجاه المعارضة تعزز مبدأ المحاسبة والمساءلة وتعلى قيمة النصيحة والجهر بها ومحاسبة الحاكم.

إنَّ كل الحوادث التاريخية تؤكد رسوخ مبدأ الحرية السياسية الفردية والجماعية في عصر الخلفاء الراشدين، فقد كان الأفراد والجماعات يبدون آراءهم، ويبدون معارضاتهم لسياسة الخلفاء بكل حرية، ودون خوف من الاضطهاد، أو مصادرة للحقوق والحريات, وقد تجلى ذلك في أوضح صوره بعد ظهور حركة الخوارج التي تعد أشد الحركات السياسية تطرفًا، وإذا كانت الاختلافات قبل ذلك بين القوى الاجتماعية والأحزاب خلافات سياسية تتعلق بموضوع الإمامة وسياسة شئون الدولة، فإن حركة الخوارج تعد أول حركة فكرية سياسية معارضة، ومسلحة، وقد خرجت على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بعد التحكيم، وحكمت عليه بالكفر وعلى من معه من الصحابة.

لقد خرجوا عن طاعته، وكانوا يطعنون فيه، وهو يخطب على المنبر، فكان لا يتعرض لهم، بل قال كلمته المشهورة التي أصبحت قاعدة راسخة في التعامل مع الطوائف المخالفة في الفكر والرأي حيث قال: “لهم علينا ثلاث: ألا نبدأهم بقتال ما لم يقاتلونا، وألا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيه اسمه، وألا نحرمهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا” ثم اشترط مقابل ذلك عليهم فقال: “على ألا تسفكوا دما حرما، ولا تقطعوا سبيلا، ولا تظلموا ذميا” قالت عائشة, رضي الله عنها: فلم قاتلهم إذًا؟! قال عبد الله بن شداد: والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدماء، واستحلوا الذمة.

التحوّل الخطير

ثم كان أول تحول هو أخذ البيعة ليزيد في عهد معاوية, وقد رفضها الحسين بن علي وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس, ولما وُلّيَ يزيد بعد وفاة معاوية خرج عليه أهل العراق مع الحسين، وأهل مكة مع عبد الله بن الزبير، وأهل المدينة مع عبد الله بن الغسيل، وأهل نجد مع نجدة بن عامر. خرجوا ليعيدوا للناس حقهم المسلوب في الاختيار الحر دون وصاية أو إكراه, ثم اتخذت الأمور تحولاً أكبر بغلبة السيف وانتزاع الخلافة وإكراه الناس على المبايعة, خاصة ما حدث من عبد الملك بن مروان, ليبدأ عصرًا جديدًا هو عصر “الخليفة المتغلب”.

وتحت هيمنة السيف أصبح الواقع يفرض مفاهيمه على الفقه والفقهاء، وصارت الضرورة والمصلحة العامة تقتضي تسويغ مثل هذه الطرق دون إدراك خطورتها مستقبلا، وأن الاستبداد والاستيلاء على حق الأمة بالقوة – وإن كان قد يحقق مصلحة آنية – إلا أنه يفضي إلى ضعف الأمة مستقبلا وتدمير قواها وتمزيق وحدتها، كما هو شأن الاستبداد في جميع الأعصار والأمصار، وأن ما يُخشى من افتراق المسلمين بالشورى خيرٌ من وحدتهم بالاستبداد على المدى البعيد، وهذا ما تحقق في العصور الماضية حتى بدأت البلاد تتنسم عبير الحرية من جديد بثورة شعبية مباركة لتعيد الحق المسلوب؟!

إن هذا التحول الخطير بدأ يتوسع وبعد أن كانت حدود الخلاف والقتال تحدث إن مس أحدهم كرسي الحاكم, بدأت الدولة تتوغل لتتحكم في تصرفات الناس وأفعالهم وبدأت تتوسع أكثر حتى صارت تملك الشعب وتملك كل شيء, مما عطل حركة التنوير وقضى على الاجتهاد واستعمال العقل مخافة التنكيل والتصفية, ويكفى أن نذكر أن الأئمة الأربعة نالوا من الأذى الكثير لفتاوى قالوها أو مواقف فعلوها لم تأت على هوى الحاكم, وظل الانحراف يتوغل أكثر في القضايا الفقهية والتي يدين الناس لها بالولاء وتحكم عواطف ومشاعر الناس وتشكل أحد أهم الروافد لمنظومة قيمهم.

إنَّ القانون الأول للانطلاق هو الحرية ويعتمد مدى التقدم أو التأخر على المساحة المتاحة.. لاشك أن تطور وسائل العصر يجعل من الاختيارات السابقة ومساحات الحرية في حمل السلاح وفى أفعال أخرى غير قابلة للتطبيق بنفس الآلية والشكل وهذا يحتم أن ندخل جميعًا كأطياف متنوعة تشكل الوطن في نقاش جادّ حول قضية الحرية ونخرج باتفاق واضح لكل أطياف المجتمع على كيفية المعارضة وحرية العبادة وحرية الإبداع وحرية الفن وكل مساحة نقاش يجمع ولا يفرق ويضع الحدود الفاصلة بين المسموح واللامسموح وبين المعقول واللامعقول حتى نضمن انطلاقة لا نتوقف بعدها لنعيد الخلاف من جديد فيبدأ البعض في منع البعض من حقهم فلا يجب أن نسمح بهذا ما دمنا قد اتفقنا وتبقى النصوص المكتوبة والمتفق عليها هي الأطر الحاكمة للأفعال والتصرفات ولا عيب ولا ضير أن نعيد التفكير والتطوير كلما دعت الحاجة لهذا.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

2 تعليقان

  1. إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر

  2. محمد الثبيتي

    إنَّ كل الحوادث التاريخية تؤكد رسوخ مبدأ الحرية السياسية الفردية والجماعية في عصر الخلفاء الراشدين
    وماذا عن ما حدث في سقيفة بني ساعدة وماذا عن قمع ما سمي بالمرتدين وماذا عن إكراه الشعوب على الإسلام بالسيف في ما يسمى الفتوحات الإسلامية وماذا عن تقاتل بني أمية وبني هاشم على السلطة وماذا وماذا … أي رسوخ للحرية تتحدث عنه ، لقد تحول الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ إلى سلطة بيد الأقوى / المتغلب ، الدين ليس نظاما للحكم ، الدين انتماء روحي وعمق أخلاقي أي توظيف للدين خارج هذين النطاقين سينتهي بالدم ، الإسلام السياسي يقدم صورة مبتورة عن نظام الخلافة المسقى بالدم بدأ بدماء من يسمونهم مرتدين ولم يتوقف حتى الآن كل ذلك من أجل السلطة من أجل حكم العالم باسم الدين
    لم يشهد العالم حرية سياسية كالحرية التي جاءت بها العلمانية والليبرالية الحقيقية وليست المشوهة التي يروج لها في عالمنا العربي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*