مجتمعنا
الرئيسية / مكتبة الموقع / كتب ومؤلفات / دينامية التجربة اليابانية في التنمية المركبة: دراسة مقارنة بالجزائر وماليزيا

دينامية التجربة اليابانية في التنمية المركبة: دراسة مقارنة بالجزائر وماليزيا

الكتاب: دينامية التجربة اليابانية في التنمية المركبة: دراسة مقارنة بالجزائر وماليزيا
المؤلف: الدكتور ناصر يوسف
الناشر: بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2010
عرض: جميلة عزي

تمثل التنمية في عصرنا الراهن قطب الرحى في عملية البناء الحضاري، فهي من مداخلها الرئيسة؛ إذ تعبِّر عن إرادة الأمَّة في تحقيق ذاتيتها، وتفعيل قيمها في حياتنا.

ولا شك أن تحقيق هذا المطلب يعدُّ من أولويات المشروع الحضاري النهضوي الذي تنشده الأمَّة الإسلامية، وذلك بالنظر إلى الوضع المأساوي الذي تعيشه، وبمقارنة واقعها المتأزِّم مع الوضع المزدهر للأمم التي امتلكت ناصية التنمية المتكاملة الشاملة.

ومن هنا تأتي قيمة هذا الكتاب الذي نقدِّمه للقارئ المثقّف بخاصة، ولصنُّاع القرار في ربوع العالم العربي والإسلامي بعامة.

لا نبالغ إذا ادعينا بأن هذه الأطروحة قد وضعت لبنة في البناء التأسيسي للمشروع الحضاري الإسلامي، الذي يحتاج إلى تضافر جهود متميِّزة ومستمرَّة، تعدُّ بمثابة روافد تصبُّ في النهر الكبير؛ نهر المشروع الحضاري الذي تنشده الأمّة.

ولعلَّ من أهمِّ عناصر التميز في هذا الكتاب إشكاليته المحكمة التي قامت على سبر غور التنمية عبر أبعاد ثلاثة: حيث كان البعد المركزي فيها هو الأنموذج الياباني الذي أبهر العالم بوثبته السريعة والعملاقة بعد نكسة كادت تقصم ظهره.

ويعود سرُّ هذا التعافي السريع –برأي ناصر يوسف– إلى قيام هذه التجربة الأنموذج على منظومة متكاملة ومتلاحمة، كانت فيها سياسة الاعتماد على الذات بمثابة العمود الفقري.

لذلك لم تكن الإنجازات اليابانية –برأيه- إلا ثمرة لدينامية فاعلة على أساس الاعتماد على الذات التي راهنت على قيمة الفاعل الإنساني في عملية التنمية المركَّبة. كما انتهجت فنَّ التحكُّم في كوابح الإنجاز والاستمرار مع كلِّ حالة تتجدَّد فيها شروط الإقلاع، وبذلك تعدُّ الدينامية بمثابة المقياس الذي يكشف عن مدى صحَّة هذا الجسد الإنمائي.

وتأسيسًا على هذا الأنموذج، مضى الباحث قدمًا نحو دراسة تجربتين في التنمية حاولتا نفض غبار التخلّف من حولهما.

أحدهما تجربة ناجحة استلهمت فاعلية الأنموذج الياباني مع الحفاظ على مرجعيتها وثوابتها، فجمعت بين الأصالة والمعاصرة. وفي المقابل تناول ناصر يوسف تجربة فاشلة تمثلت -للأسف الشديد- في التجربة الجزائرية ، التي لم تتحرَّر من عائق الإيديولوجيا، فبقيت إلى يومنا هذا حبيسة هذا المثبِّط الإنمائي، ممَّا آل بتجربتها أو بالأحرى بتجاربها إلى نكسات متتالية، ما زالت الأمَّة الجزائرية تتجرَّع الآلام من آثارها وتداعياتها وانعكاساتها.

تتجلى من خلال هذه الإشكالية المحكمة أهمية هذا البحث الذي يجيب عن سؤال محوري ومركزي طالما أثاره وردَّده الرواد الأوائل من المصلحين والمفكرين على مدى قرنين من الزمن، وهو: لماذا تأخَّر المسلمون وتقدَّم غيرهم؟

لقد وفِّق الباحث في الإجابة عن هذا السؤال في نسق منهجي محكم، فجاء كتابه في ثمانية فصول، مهَّد لها بقائمة للجداول، وقائمة للأشكال، وخلاصة للكتاب، كما ألحق بالكتاب ملحقين: الأول استمارة أسئلة المقابلات التي تم الإجابة عنها ضمن البحث، والثاني: مدلولات الرموز المستخدمة، كما تضمن قائمة مهمة للمراجع العربية والأجنبية، مع الفهارس.

في الفصل الأول: مدخل إلى البحث؛ عرض أهداف البحث وأهميته وفرضياته، والمنهجية الموظَّفة في ثنايا البحث. وممَّا نلاحظه في هذا الفصل هو الحضور المركزي لجملة من المفاهيم والأفكار يجمعها نسق وناطم واحد، يمكن تلخيصها في العبارة الآتية: “الأنموذج الياباني الإنمائي المتميز، المتولِّد من دينامية فاعلة تقوم على أساس الاعتماد على الذات، حيث تركز على الفاعل الإنساني، وتستثمره في عملية التنمية المركّبة، وتنتهج في الآن نفسه آليات تكفل استمرارية وتجدِّد تجربة التنمية الاقتصادية في اليابان المعاصرة”.

في الفصل الثاني: آراء علمية حول قضايا التنمية الاقتصادية؛ تطرق الباحث إلى آراء التنمية الاقتصادية واتجاهاتها، مركزاً على الآراء التي رسمت معالم في طريق مفهوم التنمية، مستشهدًا برؤى رواد هذه الاتجاهات في عملية التنمية الاقتصادية.

في الفصل الثالث: التنمية الاقتصادية من منظور إسلامي؛ تطرَّق إلى مفهوم التنمية الاقتصادية من منظور إسلامي، مع بيان أهدافها و محدِّداتها و مميزاتها.

وممَّا خلص إليه الباحث في محصِّلة العرض قيام عملية التنمية الاقتصادية الإسلامية على أساس الدور المركزي للإنسان، بما يحمله من قيم ومبادئ فاعلة استلهمها من الوحي، وفعَّلها ونزَّلها في حياته؛ حيث يضفي هذا المنظور طابعًا خاصًا ومتميزًا للتنمية، لا نلحظه في الرؤى والاتجاهات الأخرى التي أهملت القيم الإنسانية وغيَّبتها في عملية التنمية.

في الفصل الرابع: التنمية الاقتصادية بدينامية الاعتماد على الذات من منظور دولي وعربي؛ تناول الباحث التنمية الاقتصادية القائمة على دينامية الاعتماد على الذات من منظور دولي وعربي، حيث تعرَّض إلى مدارس نظَّرت لهذه الدينامية، ولكنَّها أخفقت في تفعيل إنسانها؛ ممَّا يستوجب ضرورة التفكير في استراتيجيات بديلة للتنمية، ثم أورد نماذج من هذه المدارس منها نماذج ناجحة استلهمت بفاعلية عنصر الاعتماد على الذات بتمركزها حول فاعلها الإنساني، ومنها نماذج أخرى دعت إلى فكرة الاعتماد على الذات، ولكنَّها فشلت في تجسيدها بتهميشها لإنسانها، فبقيت في دائرة التخلُّف والتبعية. ثم ذكر عدة مؤشرات تتكاتف كلّها مع الفاعل الإنساني لتشكّل منظومة دينامية الاعتماد على الذات.

في الفصل الخامس: التجربة اليابانية المعاصرة في التنمية الاقتصادية المعتمدة على الذات؛ سلَّط الباحث الضوء على مجموعة من العناصر المهمة التي كان لها الفضل في إغناء التجربة اليابانية، تمثّلت في الاستثمار الاجتماعي، و التكنولوجيا العالية، والسوق الواسعة، إضافةً إلى نسق الثلاثية الإنسانية الإنمائية (=دولة تحترم الإنسان؛ قيادة حكيمة؛ إنسان فاعل).

في الفصل السادس: دينامية الاعتماد على الذات وإنجازاتها في التنمية الاقتصادية اليابانية؛ بيَّن الباحث دور الادخار المنتظم، وكيف ساعد الأسر اليابانية على تنمية المال، واستثماره في البناء الاقتصادي والتفوق التكنولوجي.

في الفصل السابع: مقارنة اليابان بالجزائر وماليزيا والدروس المستفادة؛ عرض الباحث الدروس المستخلصة من المقارنة بين تجربة اليابان و تجربة العالم العربي والإسلامي (=ماليزيا والجزائر)، فخلص إلى أن تجربة ماليزيا كانت ناجحة باتباعها لاتّجاهين في التنمية الاقتصادية، هما: – الاتّجاه شرقًا بالتّتلمذ على الأنموذج الياباني بذكاء؛ والاتجاه إسلاميًا بالحفاظ على مرجعيتها والانفتاح على العالم الإسلامي؛ أمّا التجربة الثانية –تجربة الجزائر- فحكم عليها الباحث بالفشل؛ لأنّها كانت تلميذًا بليدًا لنماذج لا تخدم التطلّعات المستقبلية للأمَّة الجزائرية، بسبب طغيان الإيديولوجيا في الرؤية للتنمية لدى صُنَّاعها.

في الفصل الثامن والأخير: مقولات إنمائية ومقترحات إنسانية؛ قدم من خلاله اقتراحات إنمائية، وعدَّد جملة من المؤشرات السلبية التي ينبغي إبعادها عن الإنسان، كي لا تؤثر سلباً في فاعليته في إطارها التنموي؛ ممَّا قد يهدِّد دينامية الاعتماد على الذات، ومن ثم الوقوع في التخلّف والتّبعية.

وختم الباحث هذه الدراسة بنتائج و توصيات حَريٌ بمن يريد الخروج من مستنقع التخلف أن يأخذها بعين الاعتبار ويستفيد منها، وتنحصر في العناصر الآتية:

1- لم تملك اليابان اللّمسة السحرية لحلِّ أزمتها، بل إنَّ نهضتها كانت ثمرة تخطيط تنموي، اعتبر من عثرات الماضي، واستشرف المستقبل، كما أنّها قامت على أساس ديناميية فاعلة، حدّدت شروط الإقلاع، مع تظافر عوامل ساعدت على التميز؛ كلُّ هذا تمركز حول الاعتماد على الذات، حيث أخذ الفاعل الإنساني في هذه التجربة حقّه من الاهتمام والرعاية، فتغذَّى من التدريب والتعليم وحسن التأطير. كما أزيلت في إطار هذه الدينامية التنموية كل العقبات بما يضمن استمرارية الإنجاز، فكان خط الوصول تجربة إنمائية مركَّبة.

2- إن السعي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في غياب الاعتماد على الذات عبث لا طائل منه. يستفاد هذا من التجربة اليابانية، فالتنمية في هذه الحالة لن تكون مجرَّد تحصيل حاصل، وإنّما تكون مقدِّمة لنتائج تعرض نفسها للعالم بطريقة مقلوبة، فالمقدِّمة هنا محكوم عليها بالتعثّر والفشل؛ لأنها تنطلق من فراغ فكري ومنهجي لا تربطه أحكام ، ولا تضبطه إيقاعات.

3- إن تتلمذ اليابان على الغرب بالطرق الذكية قد وضع تنميتها الاقتصادية الناجحة في إطار التجربة القابلة للاستكشاف والإفادة، وليس في إطار المعجزة التي يصعب تكرارها.

4- تعدُّ التجربة الماليزية مثالاً يحتذى به في إطار الحديث عن التجارب النّاجحة. ويعود سرُّ النَّجاح إلى سلوكها اتّجاهين، هما: الاتّجاه شرقًا بالتّتلمذ على الأنموذج الياباني المفتوح الذي يتناسب مع تطلُّعات المالزيين نحو بناء مستقبلهم الاقتصادي، وكذلك لما يوفِّره هذا الأنموذج من فضاء كبير للحرية، مع الحدِّ من وصاية الغرب؛ والاتجاه إسلاميًا بالحفاظ على مرجعيتها والانفتاح على العالم الإسلامي.

5- يفتقر العالم العربي والإسلامي إلى عدة عوامل دافعة لعجلة التنمية الاقتصادية، منها: غياب دولة إنمائية تدفع الإنسان نحو العطاء، وضعف الدينامية التي تضمن السير السليم لمشاريع التنمية واستمرارها، وكذلك تهميش الفاعل الإنساني، الضعيف في بلده والمبدع النابغة في أرض الآخرين، وأيضاً غياب عمليات الرصد لتجارب ناجحة، وإن وجدت فيتم استنساخها من غير مراعاة لخصائص الفرد والمجتمع فتحمل بذلك بذور فشلها.

في محصِّلة هذا العرض لا يسعنا إلا أن نقول بأن هذه الأسطر القليلة لن توفي الكتاب حقّه؛ لكن حسبنا أننا بيَّنا بعض المعالم النيرة فيه.

ورجاؤنا في آخر هذا العرض، أن نكون ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأن تصل حرقة الكاتب إلى صنُّاع القرار في ربوع العالم العربي والإسلامي، ليعتبروا من هذه التجارب، ويستدركوا ما يمكن استدراكه قبل فوات الآوان.

وأملي الأخير أن لا تبقى هذه الصيحة المدوية، وهذه الشعلة المتوقّدة حبيسة رفوف المكتبات وطاولات المعارض. فثمار هذا البحث لم تقتطف بعد، وباعتباره تناول دراسة لتجربة النهوض التنموي، حريٌ بنا إيصاله إلى الجهة الإنمائية في الدولة الجزائرية بخاصةً، والدول العربية والإسلامية بعامةً، للاستفادة منه.

4 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
    فلقد سررت بظفري فجأة على هذا التقديم لكتابكم الذي يبدو متميزا في محتواه طريفا في إضافته لك مني كل تقديري وتمنياتي لك بالتوفيق
    أخوك رضا ساسي

  2. الكتااب قيم ويحمل في طيااته كشف اسباب نجاح النوذج الياباني والماليزي وسبب انهيار او سقوط دوله الجزائر

  3. شكرا على هذا العرض القيم حقا إنه كتاب رائع لمن فهم معناه وتقيد بأفكاره…شكرا جزيلا.

  4. أريد نسخة من هذا الكتاب القيم وشكرا جزيلا لكم ولو على شكل pdf على ايمايلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>