نصف ثائر
الإدارة | يوليو 06، 2011 | التعليقات: 4
محمد إمام
منذ بدأت أحداث الثورة المباركة؛ يعترضني كل حين “ثائر”, يُعيد على مسامع الناس بطولاته, ويتغنَّى كل يومٍ بشجاعته وآلائه, فلا يقول إلا “في الثورة كنا..”, “ثورتنا كانت..”!
في حياته السابقة, كان يعيش نصف حياة, فهو في بيته نصف أب, ونصف زوج, ونصف ابن, وهو في عمله نصف موظف, ونصف صاحب حق, وهو في الشارع نصف سائر, ونصف طالب حق, وهو في عبادته نصف عابد, باختصار فإنه في حياته كان “نصف إنسان”, “يحمل روح الهزيمة بين جوانحه, عاش حياته دائمًا في منحدر المدينة, إذ هو دائمًا في منتصف طريق وفي منتصف فكرة وفي منتصف تطور, لا يعرف كيف يصل إلى هدف, هو ليس (نقطة الانطلاق) في التاريخ كرجل الفطرة, ولا (نقطة الانتهاء) كرجل الحضارة, بل هو (نقطة التعليق) في التطور والتاريخ وفي الحضارة”.[1]
ربما “إنسان النصف” هذا ليس من أصحاب “المناطق الرماديَّة” قلبًا, هو يعرف الأبيض من الأسود ويعتقده أحيانًا, ويعرف أيضًا الألوان البينية, لكنه تربى حياته كلها على أن يكون نصف, حتى أنه حين خرج إلى الثورة لم يخرج كإنسان نهضة تحركه فكرة, يسعى للتحرر من الاستبداد الداخلي والخارجي, بل كنصف ثائر تحركه العاطفة, بنصف جهد, أو نصف رغبة!
مضى حياته, يفعل الخير, لكنه لا يحب أن يحسب على أهله, يفعل الشر, ولا يحب أن يحسب على أهله أيضًا. حضر حروبًا كثيرة, خرج الجميع منها بإصابات يد, أو قدم, أو تعدى الأمر إلى الموت, وخرج هو منها سليم الجسد, مصابًا في قلبه, مريضه!
تكاد تراه في الطريق, لا في الجانب المشمس ولا المظلم, بل يمشي بينهما, من كثرة ما عاش حياته بين بين, بين الخير والشر, بين القسوة والحب, بين العنف واللين, بل ربما موقفه الواحد يجمع كل أولئك!
هو ليس من أولئك الذين قال تعالى عنهم: “لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء“ [2], فهو عند قضايا الاعتقاد, يُبطن مثلما يظهر, ولكنه عند تطبيقه لما يعتقد, فإنه يعود إلى البين بين, كيف يظهره وأين!
نصحه أحدهم أنَّه “لا يصلح في هذه الدنيا أن تكون نصف طيب ونصف شرير, نصف وطني ونصف خائن, نصف شجاع ونصف جبان, نصف مؤمن ونصف عاشق” [3], دائمًا في منتصف شيءٍ ما.. لكنه لم يهتم إلا بنصف الحقيقة, أن قال له: “صدقت”, وظل على حاله!
عندما اعترض طريقه داعي الثورة, مرَّ برأسه خاطر الخروج, ولكنه لم يفعل, ولم يزد على أن سكن, وليس كل سكون خير, فإنَّ السكون أنواع, سكونٌ يُخفي تفكير وتفاعلات, واضطرابات وصراعات, أو ربما هو سكون الأموات, فليس كل سكون عنصر في الإنتاج!
لكنه في النهاية خرج, خرج بعد أن اهتزَّت نفسه من نداءات “ارحل”, و”الشعب يريد”, كلمات لم يسمعها يومًا, ولم يكن يتوقعها أبدًا, تعاطف مع الجموع, حركته العاطفة, كما حركه إحساسه أنه بات وحيدًا.
خَرَجَ إلى الثورة متأثرًا, مثلت تلك اللحظات انتباهه من غفلته, فقدَّم واستقدم غيره, تشجَّعَ وشجَّعَ غيره, أعان وطلب, تظاهر وغضب, وحينما صارت المواجهة, واقترب الموت, تراجع, وعاد إلى النصف!
كان يُعشّم نفسه بالجهاد وهو في بيته, وعند المواجهة, ارتعدت فرائصه, واختار لنفسه وظيفة مساعدة, تبتعد به عن خط الحجارة, ومرمى النار.. كان توليه مُقنَّع, كان في ذلك اليوم نصف مجاهد!
إلا أنه عندما مرَّت عليه قذيفة الصوت, ورصاصة المطاط, وقنبلة الدخان؛ حَسِبَ أنَّ الثورة من صُنع نفسه, ونسي فضل الله, وتلك الدماء التي أُريقت من أجلها!
وبعد نصف مشاركته في الثورة, حسب أنَّها وشعوره سيدوما دون أن يداوم, أنه سيظل في روحها يحيا رغم عودته حياته, رغم عودته وكثير من التفاصيل ما زالت كما هي, ونسى أنَّه لم يشارك إلا في نصف ثورة, ففعل الثورة الذي شارك فيه كان على النظام, كان على الأشخاص, ولكنَّ ثورته ما انتهت, بل باقية ببقاء الأفكار والقيم السابقة؛ قيم الظلم, والاستبداد, والفساد, والسلبية, والجهل, والغباء التي عززت للاستبداد وجوده.
كان يقول: “ثم انقضت تلك السنون وأهلها.. فكأنها وكأنهم أحلام”, لكن هيهات هيهات, هيهات لمن عاش طوال عمره في المنتصف أن يتخذ اليوم ركنًا قويًّا, اللهم إلا أن يصبح “ثائرًا” دائمًا, ثائرًا يرفض أن يكون قابلاً للاستعمار, قابلاً للاستعباد.
إلا أنَّه عند العودة, وعندما قابل أهله وحاشيته, استقبلوه استقبال الفاتحين, وحملوه على أعناق المجد والرفعة, ظنوا به خيرًا, وظنوا أنه “ثائر”, ومن مصائب القدر أنه ظن ذلك!
يشبه فيما وصل إليه, وما يحاول جر الثورة له حال (رجل المدينة) – حسب تعبير ابن نبي – فرجل المدينة “يصدق عليه وصفان: (رجل القلة) و(رجل النصف) الذي دخل في ميدان فكرة هي الإصلاح, فمسخها (نصف فكرة) وأطلق عليها اسم (السياسة), لأنه لم يكن مستعدًا إلا لنصف جهد ونصف اجتهاد ونصف طريق”.[4]
وما زال صاحبنا يعيش على تلك الأمجاد, ويصيح كل يوم أنْ اسمعوا يا ناس, فإنني كنت للحق “ثائر”, يشتري بثورته مجده!
وإنه على حالته تلك, يتحدث باسم شهداء ما منّوا بما قدَّموا, وثوار كَمُلَ فعلهم, وسارَ (هو) بينهم, حُمِلَ على أعناقهم, فظهرت رأسه فوقهم, وللحق؛ ما هو بثائر, بل ما هو إلا “نصف ثائر”!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] واحة الغروب, بهاء طاهر.
[2] النساء : 143.
[3] شروط النهضة, مالك بن نبي.
[4] المصدر السابق.
شاركاقرأ أيضا:
التصنيفات: مدرسة الحريّة • من بحر الحياة








رصد عميق لخلجات الأدعياء..
وفقك الله أيها المبدع
بارك الله فيك فعلا مقال غاية في الروعة
سيموت هذا النصف ولم يصنع لنفسه مجدآ
فهو يعيش على أمجاد الآخرين
الله .. ” لكن هيهات هيهات, هيهات لمن عاش طوال عمره في المنتصف أن يتخذ اليوم ركنًا قويًّا, اللهم إلا أن يصبح “ثائرًا” دائمًا, ثائرًا يرفض أن يكون قابلاً للاستعمار, قابلاً للاستعباد. “