أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / الإسلام الحضاري (التجربة الماليزية نموذجاَ)

الإسلام الحضاري (التجربة الماليزية نموذجاَ)

فهد سلطان

في الكتاب الصادر عن مركز المسبار حول (الإسلام الحضاري “النموذج الماليزي”) والذي تقدم به عدد من الكتاب والمفكرين يقدم فكرة حرص على أن تكون متكاملة في محاولة لسبر أغوار هذه التجربة واستخراج والكشف عن أماكن القوة فيها حتى يسهل المحاكاة والتأمل في واقعها ومراحل التشكل التي رافقت هذه التجربة.! وهي مع ذلك تظل مثار إعجاب لدى الكثير من المتابعين لمسيرة هذه الدولة كونها استطاعت أن تقدم نموذج متقدم في التحديث ينطلق من بنية المجتمع الماليزي، ويواكب المفاهيم والقيم الحضارية المعاصرة مع عدم إغفال الخصوصية الداخلية للمجتمع في نفس الوقت. وعند سبر أغوار هذه التجربة وما هي الروافد التي كان لها إسهام مباشر.. فالعالم العربي من أحد المحطات الفكرية لكثير من الأحزاب الإسلامية في ماليزيا من خلال عاملين أساسيين الأول هو تعلم الطلاب اللغة العربية حيث كان لها الدور المهم في الإطلاع على الأدبيات الإسلامية التقليدية المختلفة، وهي في نفس الوقت المصادر الفكرية والفقهية في دول المركز خاصة في القضايا ذات الأهمية الكبيرة مثل العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام، وشكل الدولة الإسلامية ونظام الحكم الإسلامي، وشروط المجتمع الإسلامي وفقه التغير…ويأتي العامل الثاني في تأثر الطلاب خلال فترة دراستهم بالأصولية الإسلامية سواء من خلال الاحتكاك المباشر أو من خلال المناخ العام السائد. ولا تختلف ماليزيا عن غيرها من الدول الإسلامية من خلال قيام الحركات الإسلامية بمهمة المواجهة وصد تيار الشيوعية الجارف أبان حقبة السبعينات والثمانيات كما حدث في العالم العربي تماماً.. والشيء الجيد في تلك الحركات داخل المجتمع الماليزي بصورة تقل كثيراً في الوطن العربي أنها كانت في بعض الأوقات سنداً ورديفاً للحكومة في تنفيذ كثير من المشروعات التنموية مع ما حظيت به من شعبية عارمة من قبل الشعب لأنه كان يحس ا نلك الأحزاب قريبة منه وتشغله همومه ومشاكلة، وكان ذلك أداة لتحقيق نوع من الاستقرار في المناطق ذات الأقلية المالاوية على وجهه الخصوص.

الأحزاب في المجتمع الماليزي..!!

تقوم الأحزاب في كل دول العالم على التنافس والشيء الجميل الذي يمثل هذه الأحزاب في ماليزيا هو التنافس الجاد والحضاري في آن واحد بين الأحزاب العاملة في الساحة، وهو العامل المهم والأساسي في تحريك عملية التنمية والتقدم، وهذا ما حظيت به ماليزيا وتتميز به مقارنة بكثير من الدول الأخرى سواء منها الإسلامية أو حتى العربية، ومن هنا فإن تعدد الأحزاب سواء منها الإسلامية التي ترفع المشروع الإسلامي مع التباين في طرح وجهات النظر حول مفهوم الحكم والشريعة الإسلامية أو من خلال التصور العام لشكل الدولة بعد تولي السلطة، وهذا ما أرفد الحياة السياسية بثراء كبير في تعدد وجهات النظر سمح للمتابع لهذه التجربة بالتعرف على الكثير من المفاهيم والتصورات حول هذه القضايا الهامة والتي لا يكفي أن يكون هناك نظرة أحادية يمكن الاعتماد عليها، فالحزب الإسلامي مثلاً الذي تشكلت أولى جذوره إلى عام 1948م كانت له توجهات منذ البداية في الوصول إلى إقامة الشريعة الإسلامية، تبع ذلك ردود فعل متباينة خاصة أن المجتمع الماليزي متعدد الأعراق والأقليات، ولا يمكن أن تهمين أي جهة بمشروعها الخاص دون مراعاة الأقليات الأخرى الموجودة في المجمع. ومع أن الحزب الإسلامي من أقدم وأكبر الأحزاب الإسلامية داخل المجتمع الماليزي إلا أنه لم يستطع أن يحقق تقدم جوهري فيما يتعلق بمفهوم الدولة الإسلامية والتصورات العملية المطروحة لتطبيق الشريعة أو فيها يتعلق بإقناع الأغلبية الإسلامية والمالاي أنفسهم بفكرة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، وقد ظل هذان المفهومان غامضان إلى حد كبير بالنسبة لعلماء الدين أنفسهم ومن ثم ظلت هناك مساحة فاصلة مهمة بين تأييد الحزب الإسلامي من جهه وتأييد فكر الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة من جهة أخرى.

المرأة والتنمية..!

لا تختلف ماليزيا عن غيرها من الدولة الإسلامية من خلال نظرتها للمرأة يستند ذلك إلى التحولات التاريخية التي رافقت حياة المرأة والتقلبات التي مرت بها والتراجعات بين كل فترة وأخرى، ففي حين لا زالت كثير من الدول العربية والإسلامية لم تحسم قضية المرأة حسماً نهائياً في حين أن هذه الدولة تعترف أن التمنية في أي دولة مرهون بمشاركة المرأة بدور فاعل تكون ماليزيا قد قطعت شوط كبيراً في النظرة الاجتماعية إليها ومعرفة دورها المناط بها داخل هذا المجتمع، وتأتي على رأس الأولويات المطروحة على الساحة منذ فترة طويلة دور المرأة في التنمية والأقليات العرقية وتعد هذه القضايا كأهم التحديات التي واجهت الحكومات الماليزية وقد تعرض الحزب الإسلامي لعدد من الانتقادات من قبل الحكومة كونهم لم تحظى المرأة بالمكانة المناسبة داخل المجتمع في الولايات التي تخضع لسيطرة الحزب الإسلامي، غير أن الحزب الإسلامي أستطاع أن يفند تلك الاتهامات بأنه في الولايتين التي حكم فيها الحزب الإسلامي نجح في تطبيق الإسلام في المجتمع التعددي من خلال تطبيق العدالة الاجتماعية وفق المنظور الإسلامي وأشرك المرأة بدور فاعل داخل المؤسسات وقامت بدور لا يستهان به مقابل ما يقدمه الرجل، وقد تقبلها المجتمع غير المسلم من البوذيين والهندوس إضافة إلى إشاعة قيم مشتركة لا تخص جنس دون أخر سواء فيما يخص العدالة أو الحرية أو المساواة أمام القانون وفرص الحصول على الوظائف في الدولة للجميع حسب الكفاءة الخالصة.

مهندس التجربة الماليزية محاضير محمد (1982م – 2003م)

يصنف محاضير محمد بأنه مهندس النهضة الماليزية وذلك لما شهدت ماليزيا في عهده من طفرة معرفية وعلمية وحضارية، حيث أستطاع أن يوجهها في تنمية المجتمع.وكثيراً ما كان يتحدث عن بناء دولة حديثة تحقق الأهداف العامة للإسلام وتعد هذه النقطة الخلافية بينه وبين أنور إبراهيم من جهة في مقابل فكر الحزب الإسلامي من جهة ثالثه والذي يدعوا إلى تشكيل دولة إسلامية تطبق الشريعة تطبيقاً صارماً وهو ما كان يخيف محاضير محمد ويعد ذلك طريق مباشر لتدمير المجتمع الماليزي بالكامل كونه مجتمع متعدد، وكان يؤكد أن الإسلام الصحيح هو العيش بسلام مع شعوب مختلفة الديانات والأعراق والتركيز على تلك القيم المشتركة التي جاءت بها كل الأديان ولا يختلف عليها أحد من إقامة العدل والحرية والمساواة واحترام القانون والعيش بسلام.. وبالتالي فإن الإسلام يمثل في نظر كلاً من محاضير محمد – أنور إبراهيم إطار عاماً للتنمية من منطلق البحث عن حلول واقعية تتفق مع الأهداف العامة للإسلام وتحقيقها وليس من منطلق البحث في النصوص عن حلول لمشكلات الواقع أو فرض القيمة الإسلامية على الآخرين. ونستطيع أن نستخلص ما قدمه محاضير محمد مع أنور إبراهيم من تجربة تنموية معاصرة تقوم على التوافق بين القيم الرأسمالية السائدة والأفكار والقيم الإسلامية السامية ويمكن تلخيصها في الآتي…

أولاً: رفض استيراد مفاهيم التحديث الغربي وما يتولد عنهما من رؤية تنموية قد لا تتناسب مع خصوصيات المجتمع الماليزي، والدعوة في نفس الوقت إلى استيعاب تجارب دول أخرى كانت نتائجها عكسية.

ثانياً: أن نقطة البدء في التنمية تقوم من واقع المجتمع وخصوصياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية مع الانفتاح على الثقافات الأخرى بالقدر الذي نحتاج.

ثالثاً: التركيز على العمل باقتصاد السوق مع الانتقائية في استخدام التدخل الحكومي وأهمية التصنيع في المجتمع الإسلامي ودورة في خدمة المجتمع الإسلامي ورفاهيته.

رابعاً: التركيز على ضرورة إتباع التعاليم الدينية بصورة عملية وصادقة وعدم رفعها كشعار خالي من المضمون.

خاماً: تأسيس البنك الإسلامي للتنمية بموجب القانون المصرفي الإسلامي لعام 1983م على أساس التعاقدية الجديدة بين المصرف وعملائه تقوم على مفهوم إسلامي صرف.

سادساً:إنشاء العديد من شركات التأمين الإسلامية التي تقوم على التأمين التكافلي ثم القيام بتعديل قانون العقوبات لتجعله أكثر انسجاما مع مبادئ الشريعة الإسلامية وإدخال إصلاحات جوهرية على نظام التعليم، وخاصة التعليم الديني وغيرها من الرؤى التي مثلت المداميك الأساسية لبناء الدولة الماليزية الحديثة والتي على ضوئها كان الانطلاق سريعاً نحو التحديث.

والخلاصة من خلال البرامج التي قدمتها حكومة محاضير محمد ، جعلت من الإسلام الوسيلة الفعالة لعملية التقدم ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وأن النمو الاقتصادي المذهل الذي أسبغ حياة الرخاء والازدهار على الماليزيين، فقد باتوا راضيين مطمئنين ليس فقط من خلال الرأسمالية العلمانية، وحدها بل بفضل الشعور الديني المتجدد والالتزام الجاد بالهوية الإسلامية فهي التي ساعدت المسلمين المالاي على حسن إدارة الدولة وتوظيف القيم الروحية والثقافية الإسلامية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

فلسفة النهضة الإسلامية عند محاضير محمد..

تتضح رؤية محاضير محمد في الوثيقة التي قدمها حول فلسفة النهضة فهو يرى أن التخلف في العالم الإسلامي بسبب العودة إلى السلوكيات الجاهلية التي كانت قبل الإسلام من صراع وبروز الاختلاف، وهو أول أسباب التخلف، كما أن التخلص منها هو أول عوامل النهضة، ومن هنا بدأ عصر النهضة وعصر جديد لم يسهم المسلمين فيه بشيء بسبب تراكمات التخلف السابقة التي عادوا إليها.أما الجانب الثاني وهو عدم الاهتمام بالعلوم الاجتماعية والعملية في مجال الكون والحياة في حين اقتصر اهتمام المسلمين الشديد على الفروع في المسائل الدينية..ويرى أن النهضة الشاملة التي تتوق لها الشعوب تنطلق من جهود جماعية لا تستثني أحد والاستفادة من كل الإمكانات والمقدرات التي تزخر بها كثير من البلدان العربية والإسلامية، وهي بحاجة إلى الترشيد والتوجيه الصحيح، ومع أن النهضة الحقيقية لا تستورد من الخارج كما يؤكد ولكنها تستلهم وتحدد أطار عام في حين أن الشعب هو الذي يحدد ملامح هذه النهضة،أضف إلى ذلك أننا نحتاج إلى إخلاص وتعليم حقيقي واستفادة من الوقت،والدخول في ميدان التنافس الحقيقي مع الأمم في سباق نحو التقدم والخروج إلى واقع مستقبلي أفضل…ومن هنا فإن ما يميز مفهوم الإسلامي الحضاري في ماليزيا هو أن النهضة التي ترمي إلى تشييد الحضارات لا تكون إلا من خلال تحسين مستوى المعيشة والنهوض بالإنسان روحياً ومادياً عن طريق التمكن والإلمام بشتى أنواع المعارف والعلوم. بمعنى أن الحضارة تستهدف الإنسان ولا تبدأ إلا بالإنسان نفسه بحيث يكون هو الهدف الأول والأساسي من النهضة.. وهنا يجدر التنبيه إلى أن مبدأ الإسلام الحضاري ليس مذهباً حديثاً أو ديناً جديداً، وإنما هو في حقيقته وسيلة عملية من أجل إعادة الأمة الإسلامية إلى الأسس والمبادئ التي يدعو إليها القرآن والسنة الشريفة التي تعد دعامة الحضارة الإسلامية.

الإسلام الحضاري الفكرة والمفهوم..

قامت الحكومة التي أخذت على عاتقها عملية تشكيل وقيام النهضة بوضع عدد من الخطط التنموية في ضوء التعاليم الإسلامية، مراعية في ذلك المحافظة على تحقيق التوازن الروحي والاقتصادي والتربوي والاجتماعي والقانوني في جميع النواحي الحضارية. وهي على إدراك تام بأن الإسلام ليس مجرد شعائر دينية فحسب كما هو المفهوم السائد عن الكثير من المسلمين، وإنما هو دين عملي أنزل لينظم حياة المجتمع بطريقة واقعية تحقق السعادة ليس للإنسان المسلم فقد بل للبشرية على السواء، وعلى ضوء ذلك تم تبني مبدأ الإسلام الحضاري من أجل نشر وبث الوعي لدى أبناء المجتمع بالمفهوم الحقيقي للإسلام، أملاً أن يقودهم هذا المبدأ إلى نهضة ورفعة الأمة والوطن. ووضع أسس عامة لمبدأ الإسلام الحضاري تساعد على تحويل فكر المسلمين بصورة شاملة ومنتظمة دون التأثر بعوامل قبلية أو حزبية، كما يتطلب الإسلام الحضاري تغيير نظرة المسلمين للعالم. وبناء على ذلك يتم التركيز على مفاهيم معينة كالتي تتعلق بالحياة والعمل بوصفهما عبادة لا تقل عن مفهوم العبادات الأخرى إن لم تكن تفوقها أحياناً، ومفهوم خلافة الإنسان لإعمار الأرض، ومسئولية تحقيق التقدم والنجاح الحضاري في كل ميادين الحياة، ولا سيما تلك المفاهيم المتمشية مع مقاصد الشريعة، ومن أبرزها ما يركز على المحافظة على الدين والعقل والعدل والأمن والنفس والمال الأسرة…الخ. إن مبدأ الإسلام الحضاري سيكون دليلاً يثبت قدرة ماليزيا على أن تكون نموذجاً للدولة الإسلامية المثالية، والتي تسلك مسلك الوسطية كما يدعو إليه الإسلام، وهذا يتمشى مع السياسة الحالية للدولة وكذلك المستقبلية كتطلعات عام 2020م، وسياسة تنمية الدولة وغيرها. وعلى هذا فإن مبدأ الإسلام الحضاري يؤكد على قيم ومفاهيم التنمية العالمية التي لا تتعارض بأي شكل من الأشكال مع إطار المجتمع متعدد الأجناس.

أسس ومبادئ مفهوم الإسلام الحضاري يتركز على: التقوى والإيمان بالله- عدالة الحكومة وأمانتها- استقلالية الشعب- التمكن والإلمام بالعلوم والمعرفة- الشمولية والاتزان في النهضة الاقتصادية- الرفاة المعيشي- حماية حقوق المرأة والأقليات- رقي الثقافة وسمو الأخلاق- ترسيخ القدرة الدفاعية للوطن..

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

2 تعليقان

  1. كم صفحة الكتاب ؟؟ ومن هم الكتاب ومجموعة المفكرين الذين كتبوه ؟؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*