أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / نقد الفردوس “المستعار” والوصول لـ”لفردوس المستعاد”

نقد الفردوس “المستعار” والوصول لـ”لفردوس المستعاد”

الكتاب: الفردوس المستعار والفردوس المستعاد
تأليف: أحمد خيري العمري
الناشر: دار الفكر المعاصر
الطبعة: الأولى 2006
عدد الصفحات: 592 صفحة
عرض: غادة صديق

لابد من اكتشاف خصائص المرض “الأمريكي” من أجل معرفة البديل, وبالضد تتمايز الأشياء, وقد قلنا في الجزء السابق أن “الماديَّة” هي أول ركن في الحضارة الأمريكية, وكان الركن الثاني هو “الفردية”, فالفرد الأمريكي, الذي هاجر وترك وطنه إلي الوطن الجديد. لابد أنَّه كان مغامرًا يشعر بتميّزه الشديد كي ينطلق في هذه الرحلة. لا جذور له في وطنه القديم. لا انتماء لمجتمعه. لم يهاجر من أجل خير البشرية. بل من أجله هو فقط أو من أجل أسرته الصغيرة. عالمه يبدأ وينتهي عنده وعند حاجاته.

ثالثًا: حريّة الاقتصاد:

لطالما قُرن الحديث عن الرأسماليّة في الأذهان أنّها عكس الشيوعيّة وضدّها وهنا لزم الإطناب حول تاريخ كلّ منهما وفهمه آليّة بروزه كمحاولة للخروج من سطحيّة المفهوم ومحدوديّة هذه الرؤية الضيّقة نحو أفقٍ أوسع وأشمل.

ففي الماضي ارتبط الاقتصاد بالمعادن أو ما يسمّى Mercentalism وكنتيجة حتميّة لمحدوديّة الذهب والفضّة وافتقار موارده في البلدان الاستعماريّة أدّى ذلك إلى البحث عن مصادر جديدة وآفاق أخرى للتوسّع إمّا عن طريق اكتشاف أراضٍ جديدة أو بشنّ الحروب وانتزاعها من شعوبها. إلّا أنّ ذلك قد انعكس سلبًا ليشهد زيادة معدّلات التضخّم في اسبانيا نتيجة لزيادة كميّات وروافد الذهب والفضّة لترتفع البضائع ويزداد السعر وأخيرًا اضمحلال القوّة الاقتصاديّة العسكريّة.

فبرز سؤالٌ ملّح مفاده “ما الحلّ؟” وكانت الإجابة في تطبيق سياسة “عدم التدخّل”. هذا الحلّ الذي يُعرف حاليًا بالرأسماليّة من اقتراح الاسكتلندي آدم سميث، هذا الاقتراح الذي مفاده عدم تدخل الدولة في السوق وترك المنافسة الفرديّة في أوجها تطبيقًا لرغباتهم ومصالحهم وهذا ما سيؤدي بالنهاية إلى تحقيق المصلحة العامّة والفائدة للجميع حتّى لم ينتوِ الأفراد ذلك لأنّ هنالك “يدًا خفيّة” تنظم السوق.

وقد استطاعت هذه النظريّة أن تحصد انتشارًا واسعًا وقبولًا مهيبًا بين الحشود والجماهير لأنها قُدّمت على أساس أنها سنّة كونيّة وقانونٌ طبيعيّ مستخلصٌ من خلال دراسة ميدانيّة ومحاكاة للظواهر الطبيعيّة وتحويلها لقوانين يمكن الاستعانة بها والاستفادة منها. باعتبارها نظريّة لا تحتمل الخطأ أو الصواب وإنما واقعٌ لا بدّ من التعامل والتعايش معه والاستفادة منه.

لكن، السؤال الأهم: أهي كذلك حقًا؟

دراسة قوانين الطبيعة للظواهر الكونيّة ضروريّ لفهم كينونتها ومعرفة خيّرها من شرّها ونفعها من ضررها وخطرها من أمنها دفعًا للمفسدة وجلبًا للمصلحة، وهذا لا يعنب الخنوع لها والاستسلام لقوانينها. لكنّ النظام الرأسماليّ أرسى مبدأ الخضوع والرضوخ المُطلق “لليد الخفيّة” أو بعبارة أخرى أكثر وضوحًا: “المالً هو المحرّك لكلّ شيء” حتّى ولو كان ذلك على حساب المبادئ والأخلاق والأديان. والتجرد في فكرةٍ طوباويّة أن المال هو المحرّك الأوّل والأخير منذ وجود الإنسان على سطح هذه البسيطة.

لقد صدّق الكثيرون ذلك يقعوا في فخ التعامل على أساس أنّ ذا النظام “قرآنٌ منزّل” يأخذهم غرورهم بزيادة الدخل الفرديّ والتمتع بالرفاهيّة والمزيد من الكماليّات والحياة الرغيدة. تحقيقًا للحلم الأمريكي إذما نجحوا في هذا السباق –أو بالأحرى- الصراع.

ونتائج ذا السباق احتكارٌ وحروب وتلويثٌ للبيئة وتفاهم الهوّة وتباعدها بين الأغنياء والفقراء (بين من يملك ومن لا يملك)، وذلك السؤال الملح الذي يلُوح في الأذهان: ماذا عن الحلم؟ هل يمكن تحقيقه؟ أم أنّه مجرّد وهم؟

وإذا شئنا التعرّف أكثر بمنظور الإحصاء فلنتابع بالأرقام و الحقائق -التي أوردها الكاتب-.

ففي أمريكا مثلًا: هناك 20% من الأمريكيين أي الخمس الأغنى يسيطرون علي 83% من مصادر الثروة، وضمن هذا الخمس يوجد الـ 1 % الأغنى الذي تسكت عنه المصادر الرسميّة ويتم إذابتها في الـ 20% كمحاولة لتزيف الواقع وستر حقيقة ما يمتلكون.

هؤلاء الـ 1 % يمتلكون 40-60% من كل مصادر الدخل، ولو تمّ حذف قيمة المنازل الشخصية وصارت القيمة متعلقة بوسائل الإنتاج و إدارة الأعمال و كل ما هو مرتبطٌ بها نجد أنّ هذه الـ 1% تحصل علي 90-95% من مصادر الدخل.

هل علمتم الآن ما هي اليد الخفية؟ هل استوعبتم ذلك حقًا؟

إنّها القبضة الحديدية للـ 1% الأغنى. –وبالطبع- شره هذه الفئة بالمال وسعيها المتواصل بكلّ الطرق والوسائل في تخزين وزيادة ثروتها لن تتخلّى عنه بمجرّد طفل جائع أو شعبٍ منكوب أو بالأحرى من أجل الإنسانيّة وخير النّاس واستقرار الأرض، فذلك لن يصبّ في مصالحها نحو استنفاذ كلّ شيء من أجل “المال” وبالتالي توسّع مستمر للفجوة بين الفقراء والأغنياء.

أليست خدعة خرافة الثراء والفرض؟

وللتأكد من صحّة ما أدّعي لنلقى نظرة خاطفة على طبقات المجتمع الأمريكي الذي ينقسم إلى ثلاثِ فئات هي:

الطبقة الأولى: وهي الطبقة الكادحة من المشرّدين والبطّالين وهم بذلك يمثلون 1% الأفقر.

الطبقة الثانية: وهي الطبقة العاملة وتنقسم لأربع مراتب هي:

–        المرتبة الأولى: طبقة الحرفيّين الذين يقتاتون على المعاش اليوميّ.

–        المرتبة الثانية: مرتبة أرفع بقليل من سابقتها وتشبه أوضاعها أوضاع الأولى إلى حدّ كبير، تتضمن الحرفيّين ذوي الخبرة.

–        المرتبة الثالثة: وتشمل عمّال القطاع  المعنوي (الصحفيين والمشرفين والأساتذة) وهم يتدحرجون ما بين السعي لمراتب عليا أو التقهقر لمراتب دنيا.

–        المرتبة الرّابعة: وتشمل الطبقة الناطقة بشكل رئيس كرجال الأعمال والسياسييّن.

الطبقة الثالثة: العاطلة عن الفعل والعمل لعدم احتياجها له لأنها تمثّل 1% الأغنى وتشمل قسمًا من المرتبة الرابعة.

إذن؟

الحقيقة أن تصنيف الطبقات يعتمد على الطبقة التي ينشأ فيها الفرد ويولد على الرغم من العديد من التغيّرات والتحوّلات نحو مراتب عليا أكثر رفاهيّة إلّا أنّه عندما يبلغ الفرد سنّ الثلاثين تتحدّد مرتبته وخانته في التصنيف بشكل نهائي.

طبقة 1% أو الطبقة الثالثة ذات الثراء الفاحش والحياة الرغيدة التي يحلم بها الكثيرون في حقيقة الأمر ليست الطبقة التي يعوّل عليها (ببداهة لأنها منعمة ابتداءً) إنما المرتبة الرابعة وتليها الثالثة مع فرص ضئيلة هي التي يمكنها تحقيق ذلك الحلم.

وكما أسلفنا فإنّ لذا السباق ضرائب لا بدّ من تحملها و تحمل عواقبها كتقبّل الظلم وممارسته مثلًا والتغاضي عن العدالة الاجتماعيّة وانتهاكها.

وبما أن الرأي العام يشكّله المواطنون من صنف المرتبة الرابعة والثالثة فلا بأس من غسيل الأدمغة وخداعها خداعًا مجديًا بإفراط الحديث عن فردوس الثراء ومحاسنه بغضّ النظر عن الأساليب التي يقوم عليها والنتائج المنعكسة عنه.

وخدعةٌ تلك التي يروّج لها الإعلام عن رموزٍ صنعوا أنفسهم وحققوا مستقبلهم من طبقاتٍ دنيا كادحة (وإن كان ذلك فهذا نادر الحدوث). إنّما أولئك الذين وُلدوا في بيئة مُساعدة وعوامل متوفّرة مكنتهم من تحقيق الأفضل (وهم الأغلبيّة).

فبيل غيتس مثلًا الرجل الفاحش الثراء ومؤسس شركة مايكروسوفت العملاقة، كان والده محاميًا لامعًا ووالدته مديرةً لبنك، وجدّه لأبيه حاكمًا للولاية وجدّه لأمه أحد مؤسسي أكبر بنوك أمريكا بغضّ النظر على أنّ بيل تلقى دروسه في جامعة هارفرد التي تعتبر من أغلى الجامعات تكلفةً.

إذن فالحلم بفردوس الثراء وَهْم!

ألا يذكرنا كلّ هذا بالآية الكريمة “كَيْ لَا يَكُون دولة بَين الأغْنيَاء” التي –وللأسف- هي الآن الواقع المر، ولكن ما هو الثابت الثالث الذي يحقق ما سعت إلى نفيه الآية الكريمة؟

إنّه التدخل، بمعنى “الزكاة”، الركن الثالث في التشريع الإسلامي، بعيدًا عن كونه مالًا يُخرجه الغنيّ للفقير، بل لأنه ينتزع تلك الروح الفرديّة والذات الأنانيّة ونزعة حب التملك في أنفسنا لإدراكٍ في ذهن الغني أنّ زكاته فرضٌ عليه تأديته لا منّة يختال بها.

وعلى الرغم من ذلك سيوجد فقراء نعم، لكن الزكاة تقضى على الجشع الفادح وتخفّف الفقر المدقع معيدة بذلك التوازن للمجتمع وكذا الإنسان.. هذا هو النّماء الذي يُتداول بين النّاس لا نمو الأموال وحجزها في خزائن ومراكز.. حينما تكون الزكاة بمفهومها الشامل سيكون هنالك توازن ونماء للكيان البشريّ.. الزكاة.

الإنسان، ترى هل نسيناه سهوًا؟

رابعا: استهلاك بلا حدود:

في سنة 1915 عصفت أزمة ركودٍ بالعالم نتيجة الإفراط في الإنتاج بلا هدف ولا غاية، ممّا سبب قلقًا للرأسماليين لأن النمو سيصبح محدودًا وبالتالي لن تمتلئ جيوبهم بالمال كما يشتهون.

إذن؟ ما الحل؟

تقليل ساعات العمل ورفع أجور العمّال؟

قد يبدو للوهلة الأولى أنّ هذا هو الجنون بعينه، لكن لنتفحص أكثر بدقّة وعناية.

ما لو لاحظتم هذه المعادلة؟: وقت فراغ+مال =شيطان التسوق والاستهلاك.

إلّا أنّ الأمر ليس بهذه السهولة خصوصَا في ظلّ ثقافة الادخار السائدة في هذا الوقت. ما يحتم وجود بعضٍ من المغريات (تخفيضات، تقسيط،  بطاقات الائتمان)، هذه التسهيلات تجعل الفرد يدفع أكثر ويستهلك أكثر فأكثر.

وإذا ما تحدّثنا عن التلفاز، ذا الجهاز الذي غزا البيوت الأمريكيّة في منتصف القرن العشرين ليبدأ مسيرة غسل الأدمغة وبث السموم وتغيير القناعات والترويج لعالم الإنتاج الكاسد والنمو الفاجر  إذ رُوّج للصورة النمطيّة للعائلة الأمريكيّة عن طريق الإعلانات التي أظهرت على سبيل المثال: “عائلة أمريكيّة من أبٍ وأم وأبناء يجلسون في سيّارة جديدة، يسكنون بيتًا مريحًا واسعًا يتضمن حديقة أماميّة ومسبحًا، أثاثه جديد وفاخر يتوسطه جهازٌ تلفزيوني”.

إذن؟ لنمعن في الأمر قليلًا: قديمًا كانت العائلة الأمريكيّة ثابتة على أواصر القرابة والأخوة ولتثبيت تلك الصلة الوثيقة كان الجميع يقطنون بيتًا واحدًا يسعهم إلى أن جاء الإعلام وأحدث ذلك التغيير ضاربًا عصفورين بحجرٍ واحد:

–        الترويج لاستقلالية الأسر الصغيرة ما يؤدي إلى انشطارها وبالتالي انشطار قيم الترابط العائلي.

–        زيادة الاحتياجات لكل أسرة منشطرة (بيت، سيارة، أثاث وغيره).

وهنا تبرز تلك التلازميّة، كلّما زاد الانشطار، زاد الاستهلاك وبالتالي زيادة الأرباح.

إلى جانب ذلك، همّش الإعلام وأقصى فئة الشيوخ وكبار السّن وازدان الأسرة الأمريكيّة باعتبارها الأسرة الشّابة التي تنعدم فيها الجدّة والجدّ بمعنى ثقافة الادخار التي يختزنها الشيوخ، وبالمقابل غرس النزعة الاستهلاكيّة واستمرار الطلب بالشعور بعدم الرضى، ومحاولة الوصول لكلّ ما هو جديد بغضّ النظر عن فائدته أو أهميّته بنظرة مغلقة ” كل جديد جميل و كل قديم قبيح”.

هذا ما روّجه الإعلام وحصيلة ذلك:

مزيدٌ من الاستهلاك، مزيدٌ من الطلب، مزيدٌ من الوظائف، مزيد من الطلب. مزيدٌ من الاستهلاك من أجل إنفاق ما تحصّل عليه الفرد من وظيفته. وهكذا حتّى يُصبح التسوق ملاذًا لتحقيق المجتمع المتوازن. ليصبح هذا الأخير -التسوّق- واجبُا وطنيًّا.

وها هو ذا مسلسل The jones يأتي ليقول: Keep up with jones.. آل جونز هؤلاء يمثلون جيرانك الذين عليك أن تنافسهم دائمًا لتشتري ما هو أفضل، وهكذَا يُصبح الحسَد مبدأ حياة ويعود التسوق وسيلة لتحقيق الذات تحت شعار: “أنا أتسوّق.. إذن أنا موجود”.

ولعلّك سيّدي القارئ- تسمع عن أمراض التسوّق النفسيّة كالتسوّق القسري وهي تُداوي وتعالج ولكن للأسف –تطبّب أعراض المرض ولا تشخّص أسبابه ومكمنه-.

ويأتي في مواجهة ذلك وصدّه ركننا الرّابع: الصيام، الذي اختزلناه في شهر رمضان المبارك واعتدنا القول: “شهر رمضان هو شهر تصفيد الشياطين” ونسينا أنّ الأهم هو إطلاق ذواتنا من أصفاء الاستهلاك وتحريرنا من وهم الطلب وبريق الجديد. حتّى نعي أن الحياة ليست أكلًا وشربًا وجنسًا بل تتجاوز ذلك لإطلاق ممكنات الإنسان وإعمار الأرض وأستاذيّة العالم. ولكن –ويال الأسف- أصابتنا العدوى وأصبحنا ننتظر مدفع الإفطار لنستهلك الطعام، وهل يا ترى: أنحن من يستهلك الطعام؟ أو هو من يستهلكنا؟

خامسًا : الآن وهنا:

لعلّ أكثر ما تفرّدت به الحضارة الأمريكيّة عن غيرها من الحضارات كونها حضارةٌ مقطوعة الجذور بلا تاريخ ولو أنّه كانت هنالك هجراتٌ عديدة عبر التّاريخ إلّا أنّ النّاس كانت تحمل تاريخها وثقافتها ومعتقداتها معها. باستثناء الهجرات بعد اكتشاف القارّة الأمريكيّة فالأمر هنا مختلف.

وقد يفسّر هذا الماديّة الشنيعة التي تجعلك تؤمن بما تراه بحواسّك وحسب بلا أدن هدف أو قيمة، وكذا الفرديّة التي تعتزم انتماء الفرد لذاته وحبّه لها إهمالًا للمجتمع وتناسيًا للتاريخ. ويظهر ذا جليًّا في مجازر الإبادة التّي ارتكبها الأمريكيّون ضدّ الهنود الحُمر. أليس ذلك اغتيالًا لتاريخ القارّة؟ ويرجع ذلك للنظرة الماديّة القائلة أن: “الآن فقط أفضل من لاشيء” بمعنى أنّ ما هو موجودٌ الآن –حتمًا- هو الأفضل، أفضل من القديم لأنّه لو ما كان كذلك لمّا تُوصِل إليه. (النظرة الداروينيّة)، وبالتالي فما فائدة التّاريخ طالما أن الأفضل موجودٌ الآن؟.

ولذلك أيضًا يأتي كتاب مثل كتاب “نهاية التاريخ” تملؤه النرجسيّة الناتجة عن الفرديّة ليقُول أن أيديولوجيّات العام الآن هي الأفضل عل الإطلاق وأن البشريّة وصلت لذروة تقدّمها.

“كلّ الأركان حلقة مترابطة تؤدّي إلى بعضها البعض” وذا هو سبب انتشار ظاهرة American amnesia، ضعف التاريخ الأمريكيّ وعلة شعارات الماديّة:

“ما هو موجودٌ الآن هو الأفضل” / “اغتنم الفرصة واستمتع، فالحياة قصيرة” / “اغتنم كلّ لحظة واستمتع”.

نتحدّث عن متعة، أجل، ولكن أيّ متعة؟ أيّ لذّة تلك التي أضحت ركنًا من أركان قيام الحضارة الأمريكيّة؟، نتحدّث عن متعة –ليست متعة الصلاة طبعًا- إنّما عن شهوة الجسد ونزعة الجنس.

أوّل ما يتبادر للذهن هو “فرويد” الذّي فسّر مشاكل الإنسان النّفسيّة وتصرفاته وأحلامه بأنها نتاج الكبت الجنسيّ مدعيًّا أن تكوين الشخصيّة يتحدّد في سنّ الخامسة أو السادسة ولا حيلة للإنسان في إصلاح نفسه.

ويفسّر هذا بنظرة فرويد للشّواذ التي تختلف تمامًا عن نظرتنا التي تعتبره مرضًا نفسيّا يستوجب العلاج، جاعلًا من المرضى النفسيّين مركزًا لاستنتاج نظريّاته ليعمّمها على جموع الأصحّاء.

والأدهى والأمّر تلك الحملة الإعلاميّة الإعلانيّة التيّ روّجت لأفكار فرويد من طرف شركة دعاية كُبرى يمتلكها قريبه بيريز. ثم تبعه كينزي مطلقًا مارد الجنس في المُجتمع الأمريكيّ (منتصف عشرينيّات القرن الماضي الذي عرف ازدهارًا اقتصاديًّا واسعًا).

ولمّا قام بيريز بعمليّة إحصاءٍ ودراسة عن السلوك الجنسيّ للأمريكيّين (للتنبيه: لا زال المجتمع الأمريكيّ محافظًا) كانت النتائج صادمة إذ أنّ نسب الخيانة والشذوذ وممارسات الجنس قبل الزواج مرتفعة.

إنّ الفعل الطبيعيّ تجاه ذي الظواهر في أيّ مجتمع هو محاولة حلّ المشكلة بتشخيص الأسباب وإقامة الحلول والعودة للقيم والثوابت والأخلاق العّامة، إلّا أن الأمريكيّين تجاهلوا هذه القيم باعتبار أنّ خطيئة الجميع ليست خطيئة.

وبعد فوات الأوان، اكتُشف أن كينزي لم يكُن محايدًا في أبحاثه لأنّه كان شاذّا بالأصل وقد اعتمد في دراسته على المومسات والشّواذ. وربما تفسير رد الفعل الغريب هذا هو أن تلك الإحصاءات كانت “القشة” التي ينتظرها المجتمع الأمريكي، إلّا أنّه ومع كلّ العوامل السابقة، تلك النتيجة كانت ستأتي عاجلا أم آجلا.

وقد أورد الكاتب إحصاءات كثيرة عن الوضع الاجتماعيّ أسوأها أن 57% يمارسون الجنس في الأماكن العامة. على العكس ففي ديننا الحنيف فإنه لإقامة حدّ الزنا لا بدّ من توافر أربعة شهودٍ عل الواقعة وهو أمرٌ نادرٌ للغاية.

ولمواجهة ذلك نرتبط بمفهوم الآخرة والحساب والجزاء التي تُعيد التوازن في ذا العالم لتجعل الفرد يتصرّف بطريقة أفضل وباحترام له ولمجتمعه، حتّى تنمّي الحاسّة التاريخيّة فتصبح نظرتنا أشمل.

ولعّلك قارئنا الكريم انتبهت أن القرآن الكريم يأتي على ذكر الآخرة بصيغة الماضي، ذلك الماضي الذي يتداخل مع المستقبل مرتبطًا بأعمالنا في الحاضر. وربما لذلك هاجم الإسلام بشدّةٍ فكرة “ابن الإله”, لأنها تمثل “الآن وهنا” التي جسدت الإله بدلا من “الله الأزلي سبحانه وتعالى”.

وكلّ شواهد الماضي والحاضر والمستقبل تتجسد في الفريضة الخامسة، “الحج”، هذا الركن العظيم الذّي حولناه إلي غسالة ذنوب وفقط. ونسينا أن الحج في جوهره هو مشهدٌ صغير عن الآخرة ويوم الحشر، مشهدٌ يذكرنا بسيدنا إبراهيم واضع بذرة الفردوس المستعاد.. , الحج ذلك الرّابط العميق بالتاريخ. بالماضي والمستقبل والحاضر.

إنها لشعيرة عظيمة المعاني، لا فريضة اختزلت معانيها في تكفير الذنوب -مع ما لذلك من أهمية- فقط.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. آمال محمد مسوحلي

    عرض جد رائع.. شكرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*