أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / من أدوات بناء الحضارة: اللغة

من أدوات بناء الحضارة: اللغة

د. على جمعة *

قد يغفل الكثير من الناس عن أهمية اللغة فى بناء الحضارة، رغم أنها الجسر الوحيد للتواصل بين الإنسان وأقرانه المحيطين به أو أجداده من الأجيال السابقة أو أحفاده من الأجيال القادمة، فاللغة هى الأداة التى جعلت فكرة بناء الحضارة عبر الأجيال قائمة وفعالة. والتحدث عن اللغة وعلاقتها بالحضارة الإسلامية يتمحور حول عدد من الأسئلة: هل هناك لغة مقدسة؟ وما معنى قداستها؟ وإلى أى مدى نتمسك بتلك القداسة؟

واللغة المقدسة عند علماء اللغويات توصف بها اللغات التى بها نص مقدس له أتباع يأخذونه كمصدر لمعرفتهم وأحكام حياتهم، أو إطار لسلوكهم، وبهذا التعريف فإن اللغة العبرية التى كُتب بها (التوراة)، واللغة السنسكريتية التى بها كُتب (الفيدا)، واللغة العربية التى بها نزل وكُتب (القرآن الكريم) هى لغات مقدسة، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: ٢]، وقال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ}، [الشعراء: ١٩٥] وقال سبحانه: {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: ٢٨]،  فلا يقبـل الناطقـون بهـذه اللغـات، والذين آمنـوا بمرجعيـة هـذه النصوص أن يتركوها، لا للتطور، ولا للتدهور، ولا يغيرون فيها دلالات الألفاظ، ولا وسائل الفهم من نحو وصرف، حيث إن استنباط الأحكام من النص يقتضى ذلك، وهذا مبنى على أن اللغة لها وظيفتان: الوظيفة الأولى: هى الأداء، وفيه يعبر المتكلم عما فى ذهنه من معان بألفاظ لها دلالة متفق عليها بين أهل اللغة الواحدة، حيث وضعت هذه الألفاظ مقابل هذه المعانى،

وواضع ذلك عند بعضهم هو الله، قال سبحانه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة:٣١]، وعند آخرين هم البشر، وفريق ثالث يرى أن أصول اللغات وقوانينها من عند الله، وأن الألفاظ المولَّدة من وضع البشر، وليس هذا مهماً الآن، ولكن المهم أن الوضع بمعنى جعل الألفاظ بإزاء المعانى أمر لابد منه حتى يتم التفاهم بين البشر، وذلك أن المتكلم يقوم بنقل المعانى التى قامت فى ذهنه إلى السامع الذى يحمل هذه الألفاظ على مقابلها من المعانى التى سبق للواضع أن تواضع عليها، وبذلك الحمل من السامع تتم الوظيفة الثانية للغة، وهى وظيفة التلقى. فتحصل عندنا ثلاث عمليات: الأولى الوضع، والثانية الاستعمال، والثالثة الحمل، حتى قال علماء أصول الفقه: إن الاستعمال من صفات المتكلم، والحمل من صفات السامع، والوضع قبلهما.

ويرى بعض الناس من مدارس ما بعد الحداثة أن عملية الوضع ينبغى أن تكون مرنة لا تتقيد بالموروث، فيجب تغيير دلالات الألفاظ بحيث تزداد مساحة الحرية الفكرية، وعند هؤلاء الحداثيين تم اختصار وظيفة اللغة إلى التلقى فقط، ومعنى هذا أن السامع يحمل الكلام على ما يشاء من معنى بغضِّ النظر عن مراد المتكلم من كلامه، وبذلك يفتح باب التأويل من غير ضابط ولا رابط، ونصل إلى النسبية المطلقة، حيث يفهم كل سامع ما يشاء أن يفهم ولا ينظر إلى حمل الكلام على ما وُضع له، ولا إلى حمله على مراد المتكلم.

وترى بعض المدارس المتطرفة من مدارس ما بعد الحداثة أن هناك خمسة أشياء يجب أن تزول حتى يستطيع الفكر البشرى أن يبدع، وأن ينطلق بدون أى عائق، وهذه الخمسة هى: الثقافة، والدين، والأسرة، والدولة، واللغة. ورفع سلطان الثقافة السائدة أمر سيؤدى إلى الاتجاه نحو (النسبية المطلقة) التى تدعو هذه المدارس الفكرية لتبنيها، والتحرر من سلطان الدين قد تم من قبل فى الحضارة الغربية، والأسرة أصبحت تطلق عندهم على أى اثنين، فلم يعد المعنى زوجاً، وزوجة، وابنا، وابنة، أو أباً، وأماً، وعائلة. تلك المعانى التى ورثناها عمن قبلنا، ويعدون هذا من المعانى المعجمية، أى التى وجدناها فى المعجم اللغوى، ومن هذا المدخل أصبح الشذوذ الجنسى الذى لعن عند عقلاء البشر، دع عنك الأديان كلها من حقوق الإنسان. ورَفْع سلطان الدولة، وأن يستبدل بها الجمعيات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدنى، يحتاج إلى تغيير النظام القانونى والاجتماعى، بل قوانين الفكر والنموذج المعرفى والإطار المرجعى.

إن هذه الحقائق تجعلنا نذهب إلى أن هناك لغة مقدسة، إلا أن هناك فارقا كبيرا بين اللغة المقدسة التى يجب الحفاظ عليها من أجل فهم النص، وقدسية اللغة التى تمنع من اتساعها وقيامها بواجب عصرها وزمانها، فهذه اللغة المقدسة يجب الحفاظ عليها فى حدود النص المقدس حيث نحتاج إليه، وفى حدود أدوات فهمه على مستوى ألفاظه ومعانيه وعلى مستوى تركيباته ودلالاتها المختلفة وعلى مستوى سياقه أيضاً، وأن تطوير اللغة وارد، ولكن بصورة لا تفقدنا الاتصال بالتراكم المعرفى التراثى من ناحية، وأن تكون وعاءً قادراً على انطلاق الفكر بكل جوانبه العلمى والحسى والتجريبى وحتى الفكر الفلسفى، وإعمال العقل ليبقى الإنسان إنساناً يقوم بواجبه من عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس، وأن هذا التغير يجب ألا يمس أيضاً ثوابت البشر، وأن يكون فى سعته متسقاً مع الاتساع الطبعى الذى هو من سنن الله فى كونه.

لابد أن نعى أيضاً أثناء عملية اتساع مآلات اللغة التى تبنتها المدارس المتطرفة لما بعد الحداثة، والتى انتشرت فى عصرنا بسبب ثورة الاتصالات وظاهرة العولمة، أنها لا تتفق مع رؤيتنا للعالم ولا مع مقررات ديننا وأسس حضارتنا وتاريخنا، ومن ثم فتتحول اللغة إلى أداة هدم لحضارتنا وفكرنا وتراثنا، والحاصل: أن الاهتمام باللغة أمر جليل إذا أردنا لحضارتنا أن ترى النور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* مفتي جمهورية مصر العربية

المصدر: المصري اليوم

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*